إبراهيم العبدالله 

أفادت أنباء وردت من ريف دير الزور بمصرع توباد بريج العبدالهادي، أحد مؤسسي تنظيم (داعش) في الرقة، بقصف من طائرات التحالف الدولي. والبريج واحد من ثلاث شخصيات رقّيّة ساهمت بفاعلية في إدخال التنظيم إلى الرقة، ونسجت شبكة علاقاته العشائرية التي ساهمت في توسعه وانتشاره داخل بعض الأوساط العشائرية في المحافظة، منذ العام 2013.

توباد البريج كان قد أنشأ وأدار ما يُسمى “مكتب العشائر” في “ولاية الرقة”، طوال فترة وجود التنظيم في المحافظة، وكانت المهمة الرئيسة لهذا المكتب صياغةَ تحالفات مع شيوخ ووجهاء العشائر المحلية، وجذب شباب هذه العشائر إلى التنظيم، وهو -إلى جانب علي الموسى الملقب بـ “أبو لقمان”، والي الرقة في الفترة ذاتها، وفواز الحسن، المعروف بـ “أبو علي الشرعي”- أبرز ثلاثة وجوه محلية، اعتمد عليها التنظيم ذي المنشأ العراقي في مرحلة التمكين، في سورية عمومًا ومحافظة الرقة على وجه التخصيص.

سيرة “توباد البريج” الشخصية تكاد تطابق سيرة تنظيم (داعش)، أو لعلها تطابقها وتكثفها وتمثلها، بطريقة رمزية لا يمكن لسيرة أي شخص آخر أن تفعلها. فقد وُلد البريج في العراق لأب سوري فرّ لأن أجهزة أمن رأس النظام وقتذاك، حافظ الأسد، كانت تسعى لاعتقاله، بسبب انتمائه إلى تنظيم كان يُسمى وقتها “تنظيم بعث العراق” أو “اليمنيين”، بحسب لغة نظام البعث السوري. لكن اللاجئ “السياسي”، والد توباد، توفي في تسعينيات القرن العشرين في العراق، ولأن حدة العداء بين جناحي البعث في سورية والعراق كانت قد هدأت في ذلك الوقت؛ أمكن لأحد الوجهاء العشائريين أن يطلب من رأس النظام نقل جثة قريبه لتدفن في سورية، فكانت عودة الأب جثة، إلى مسقط رأسه قرية “الكرامة” في الريف الشرقي لمحافظة الرقة، سببًا لعودة الابن الذي لم يكن قد زار بلد والده من قبل.

فلا غرابة، إذن، في أن معظم قادة تنظيم (داعش) في سورية كانوا على صلةٍ ما مع البعث العراقي ومع مخابرات النظام العراقي السابق، ثم مع التنظيمات السلفية الجهادية التي ظهرت، إبان الغزو الأميركي للعراق وبعده. إذ يبدو أن ثمة فلسفة واحدة وراء مبررات وجود هذا التنظيم وممارساته، وتمدده في البيئات العربية السنية في العراق وسورية، تستند إلى صياغة مظلومية خاصة بهذه المناطق وخسرانها وتهميشها بعد الغزو. ويعزز هذا في منطقة الرقة اعتقاد سائد بين أبناء معظم عشائر الرقة، مفاده أنهم يرجعون إلى أصل قبلي واحد أو اتحاد قبلي واحد اسمه “البوشعبان”، وأن هذا الأصل المشترك له امتدادات بشرية في العراق، ويجب أن يعمل هذا الأصل المشترك بالتوافق مع فروعه وامتداداته في العراق.

وبخلاف آخرين ممن جذبتهم دعوة السلفية الجهادية، وتولوا مناصب حساسة في تنظيماتها، لا يُعرف لتوباد البريج أي نشاط سياسي سابق أو أي ميول دينية واضحة، بل على العكس من ذلك، ظهر بين أقرانه شابًا عصريًا في مظهره وسلوكه، حتى تاريخ ظهور التنظيم فجأة في الرقة.

يروي أحد المعتقلين السابقين لدى تنظيم (داعش) في الرقة أن “توباد” هذا كان يتردد إلى السجن، “حيث كنّا معتقلين، ليساهم في حفلات التعذيب”. لم يكن له شأن أو اختصاص في السجون والمسجونين، “لكن يبدو أنه كان يرفّه عن نفسه بهذه الطريقة، فكان يأتي بصحبة (أبو علي الشرعي) ليمارسا التعذيب إلى أن يتعبا”. فواز الحسن وتوباد البريج قريبان ينتميان إلى العشيرة ذاتها: عشيرة البريج، التي تتوزع أماكن انتشارها الأساسية على ريف الرقة الشرقي والشرقي الشمالي، وكانت من أهم المرتكزات البشرية لتنظيم (داعش) في الرقة، لكن مع بدأ انهيار التنظيم؛ تحوّل ولاء وجهائها إلى ميليشيا “وحدات حماية الشعب” الكردية، في مسعى منهم للقفز من مركب غارق.

بمقتل توباد البريج وفواز الحسن قبله، يبقى الضلع الثالث لهيمنة (داعش) على الرقة بين عامي 2013 و2017 حيًا ومطاردًا إلى حين: علي الموسى أبو لقمان، “والي الرقة”، والذي يسميه أتباعه من أعضاء التنظيم “الشيخ”، القيادي والعقل المدبر على المستوى المحلي، وأحد مفاصل العلاقة بين الصيغتين العراقية والسورية من السلفية الجهادية، في مرحلة ما بعد “الزرقاوي” ودولة الإسلام العراقية، المهد والحاضنة الأولى لما ظهر لاحقًا تحت مُسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش). مقتل الموسى، بعد العلي والبريج، سيدفن أسرار مرحلة (داعش) في الرقة مرة واحدة، وإلى الأبد.

جيرون