الرقة بوست ـ يوسف دعيس

خرج عبد الوهاب الغرسي من السجن محطماً، ضعيفاً واهناً، يبدو عليه الإعياء والمرض، بعد أن قضى إحدى عشر سنة سجيناً سياسياً، تنقل في معظم المعتقلات السياسية السورية من دير الزور إلى دمشق وتدمر، كانت كافية لتحطيم جسده النحيل، لكنها لم تقدر على تحطيم نفسيته، فأقبل على الحياة وكأنه وُلد من جديد.

كان ذلك في شتاء عام 1993 وكان شتاءً بارداً تغيّرت فيه ملامح المدينة الصغيرة التي كانت تسكنه في لياليه المظلمة والباردة، وكأنه يراها لأول مرّة، حيث كثر العمران، وزاد الناس أكثر، وازدحمت الشوارع والحواري بوجوه نسي ملامح أصحابها، ورغم ولادته الجديدة، لم يستطع في البداية استعادة حقوقه التي استلبها منه النظام المستبد، فهو محروم من حقوقه المدنية، فلا وظيفة تنتظره، ولا تعويض عن الأيام السجن وقسوتها.

وفي مثل هذا الجو المشحون بالرعب القاتل، لم يجد عبد الوهاب أمامه عملاً يقوم به سوى افتتاح محل بقالة في الزقاق الضيق الذي تسكنه عائلته، يلتقط رزقه، ويلتقي أصدقاءه، حيث يلقي على أسماعهم بين الفينة والأخرى مقولات الحرية والأخلاق والمدينة الفاضلة، ثم بدأت الحياة تبتسم له في دروس الفلسفة التي كان يُعطيها لطلاب الثانوية، وكان أغلب طلابه من العائلات الفقيرة أو المتوسطة الدخل، كان لا يمني النفس أن يبني مجداً مالياً من خلال تعاطيه مع الدروس الخصوصية، فكان يقبل باليسير، أو مجاناً في كثير من الحالات، همّه أن يستعيد إنسانيته، وقدرته على العطاء.

استمرت حياة عبد الوهاب بخطى وئيدة، إلى أن استطاع استعادة كامل حقوقه، ومن ضمنها إعادته إلى وظيفته السابقة كمعلم لمادة الفلسفة في مدارس الرقة، لم يكن يحلم بأكثر من هذا الحق الطبيعي، الذي يملكه كل إنسان في بلد ضاعت فيه الحقوق وفق مزاج السلطة الجائرة التي كانت توزع صكوك الوطنية وفق ما يحقق غاياتها وأهدافها الاستبدادية.

عبد الوهاب الغرسي أنموذج لكثير من الشباب الذي ضيّع نظام الطاغية جذوة حماسهم وعطائهم في مهب الريح، لا لشيء إنما لمجرد الشك بحماسهم ووطنيتهم، التي يراها عسس السلطة تتوافق أو لا تتوافق مع توجهات الحزب الأوحد، وتطلعات القائد الخالد.

عبد الوهاب كان قامة معرفية كبيرة، لو سارت الحياة كما يجب، كان من الممكن أن يكون له مكانة مرموقة في عالم الفكر والأدب، لكن الإحدى عشر سنة التي قضاها في سجن الطاغية صنعت منه رجلاً أكثر نضجاً، وأكثر إنسانية في حياة ملتبسة ضاعت فيها الحقوق والواجبات، في بلد يهتم قادته وساسته برفع الشعارات الرنانة، ويضربون عرض الحائط بحقوق مواطنيهم، وليس من مشكلة إن ضاع الوطن والمواطن، والمهم أن يحيا القائد.

كان يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من أيار يوماً حزيناً. اليوم الأخير في حياة صديقنا عبد الوهاب حيث لفظ أنفاسه الأخيرة في مدينة حماة حيث وري الثرى بعيداً عن بلده وأهله ومحبيه.

رحم الله صديقنا عبد الوهاب الغرسي أحد ضحايا بقايا المستحاثات المستبدة، الذي كان يناضل بشدة لإزاحتها من هذا الوجود.