الرقة بوست ـ عروة المهاوش

لم نعد نشتم رائحة الخبز السوري، رغم أننا هنا في مدينة أورفا التركية والتي تتشابه بكثير من العادات والتقاليد السورية “الرقيّة” خاصة من أهلها “عرب أورفا” حيث تقوم النسوة بالخبز يدوياً على الصاج، لا تصلنا كمغتربين سوى رائحة الخشب المحترق ودخان البلاستيك الذي يغطي كلياً على رائحة الخبز الذي نتمنى استنشاقه علناً نبقي تلك الرائحة فترة أطول داخل رئتينا.

داخل بيوتنا نبدأ بطقوس للذاكرة في محاولة إبقائها كما اعتدنا بسوريتنا “ورقتنا” المدينة التي هُجرنا منها ولم تهجر الذاكرة، نعيد جلساتنا التي نحب أن تبقى داخل بيوتنا “غربتنا” غير المستقرة والقابلة للتدمير تبعاً لمزاجيات صاحب البيت ومالكه الذي لا يختلف عن غيره في محاولته السنوية برفع أجرة البيت تلقائياً، نعتاد مع الأيام على تقسيمات البيت، ومن أين تشرق الشمس كل يوم، ونحفظ الظل والنور وعدد الخطوات ما بين الغرف والجدران، حتى اليمام الذي بنى عشاً على النافذة يصبح ضمن عائلتنا وبيتنا وذاكرتنا، اعتدت هنا أن أضع الطعام للطيور مع القليل من الماء في حديقة البناء وعلى أطراف النوافذ، واعتادت الطيور واليمام على القدوم لنفس المكان كي تجد طعامها يومياً.

لا تفكر تلك الطيور بأجرة بيتك ولا بما تعانيه كلاجئ مغترب تحاول بناء أرضية “وهمية” كوطن بديل لك هش رغم قساوته، وقابليته للتبخر والفقدان تبعاً لمزاجية مالك البيت، الذي لا يعنيه من ذاكرتك شيئاً، ولا وطنك الذي حاولت صنعه بيديك داخل جدران منزلك “المؤقت”، وطنك الذي صنعته بذاكرتك في زواياه.

الأوطان قبل تجسدها تاريخياً بشكل زماني، أو جغرافياً كحيز مكاني، هي تجسيد نفسي يعبر عنّا، تشكل نفسي يعطي قيمة للزمان والمكان ليصنع منهما وطن.

الأرضية هي الوطن وعملياً الذاكرة ذاتها وطن بتفاصيلها الدقيقة التي نحاول في غربتنا “كربتنا” صنعها كبديل مؤقت لأرض فقدناها وبقيت تفاصيلها تؤرقنا دائماً وتسعدنا في لحظات متباعدة حين نحصل على البعض منها “كرائحة” وملمس.

اليوم وأنا أعيش ذاكرتي “وطني” عانقته بشخصٍ قادم ما زال بمسام جسده رائحة تعمّده فراتاً ينّز طيباً من مسامه، تعمّدت متقصداً ملء رئتيّ بشهيق عميق وطويل حد الاختناق وحبست الزفير، حينها طار جسدي كتلك اليمامة المهاجرة نحو وطن لم ولن نفقد البوصلة يوماً نحوه.