أمجد آل فخري

على مرأى ومسمع العالم تمّ التدمير بعد إنجاز عملية خنق استمرّت قرابة أربعة أشهر، عانى فيها المدنيون الذين لا ذنب لهم سوى أنهم تشبّثوا بأرضهم ومنازلهم، وليس لديهم القدرة على مغادرة مربع الأهداف لصواريخ طائرات التحالف الدولي، وليس عندهم القوة على ردّ قذائف مدفعيّة أزلامهم على الأرض من مرتزقةPYD  و قناديل PKK و حثالات قسد، ليكون ” تحرير” الرقة، تدميراً شبه كامل للمدينة.

قبل عملية “تحرير الرقة” بعدّة أشهر، نبّهت بعض المنظمات المدنية لخطورة ما سيجري، ودعت لحماية المدنيين، وجاءت النهايات كما لم يكن يتوقع خيال!

في خمسة أشهر سقط 1400 قتيل، و 20ألف قذيفة ، و500 جثة تحت الأنقاض، وما زال الكثير منها، بينما بلغت نسبة التدمير 80%، وأمّا أمريكا قائدة التحالف، فمسؤولة عن 95% من الضربات الجوية التي سحقت البشر والحجر.

وبعد مضي عام وأكثر على الجريمة ومئات الضحايا والجرحى والمفقودين، يأتي اتهام منظمة العفو الدولية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، بإظهار القليل من الاعتبار لحياة المدنيين الأبرياء أثناء مهاجمة المدينة السورية، ولم يتخذ ما يكفي من الاحتياطات اللازمة لتقليل الضرر الواقع بهم لأدنى حدّ. وليس الاتهام اليوم إلا تأكيداً على حصول جريمة لـ “التدمير العمد”، لأسباب ومبرّرات لا يقبلها عقل ولا يقرّها عرف أو قانون.

لقد اعتمدت المنظمة الدولية على بحث ميداني واسع، وقامت بتوثيق حالات عيانيّة، وزارت مواقع ضربات جوية ومدفعية، لتقرّر أخيراً، إن مثل هذه الهجمات، إمّا أن تكون مباشرة على المدنيين، أو أهداف مدنية، أو هجمات عشوائية.

إنها جريمة حرب موصوفة وموثّقة بمعايير منظمة العفو الدولية، وليست مرويات “قسد” التي زيّفت حقائق مجريات الأمور، بل سارعت بفتح الأبواب لإزالة آثار الجريمة، فعملت، وما زالت تعمل على ملف إعادة الإعمار، ليس حبّاً، بل سرعة في إخفاء فِعْلة كانوا أحد أركانها.

لكن المنظمة الدولية لم تحقّق في الأمر الأهمّ – وربّما سيكون التبرير أن ذلك ليس من اختصاصاتها- فلم يتحدّث التقرير عن صفقة خروج عناصر داعش من المدينة، ومَن أخرجهم؟ وكيف؟ وما المنطقة التي نُقِلوا إليها؟ ومَن هرّبت قسد منهم؟ ومن عَفَت عنهم؟ وما المحاكم التي نظرت في أمرهم؟ وأخيراً، لم يتطرّق إلى مصير المعتقلين والمخطوفين لدى داعش.

ثمّة أمور ما زالت أحجيات لما مرّ على الرقة قبل وأثناء دخول قسد إليها، وتحتاج إلى كشف خفايا التدمير الذي وقع عمداً.

إن ما جرى في الرقة حرب إبادة حقيقية، ولا بدّ من لجنة تحقيق دولي مستقلّ، وقبل ذلك لا بدّ من وقف كل عمل من شأنه التعتيم أو التضليل لهذا التحقيق، إذ نتائج التحقيق في مثل هذه اللجان وتقاريرها، ستضع النقاط على الحروف، فتحدّد المسؤوليّات أولاً، وتحدّد ما يترتّب على ذلك قانونياً وأخلاقياً، إذ يجب تعويض الضحايا، وتعويض المتضرّرين عن كامل التدمير الذي وقع، لأن ذلك جريمة حرب ، بل جريمة ضدّ الإنسانية، وتدمير عن سابق إصرار، وبفعل فاعل ما زال يتحكم بمقاليد أمور ضحاياه.