الرئيسية / الرقة تحت المجهر / الرقة والتعافي المبكر

الرقة والتعافي المبكر

محمد صبحي 

حين تأخذ الحروب أشكالا متعددة من الصراع ومتفاوتة الشدة في سيطرتها على المجتمع، وبدوافع شتى، فإن دوائر الأوضاع الانسانية ستبدو أكثر اتساعا في أوساط الاستجابة للمجتمع والجهات المعنية بهذا الصراع، بفعل حالات النزوح واللجوء وما تتأثر به طويلا أو قصيرا من جراء العنف المسلح، فتبدو مجالات التأثر والتأثير متداخلة ومعقدة التركيب أكثر منها في حالات السلم والاستقرار وحتى الملازم لاستبداد مؤسسات السلطة في الدولة أو نظامها الأمني أو السياسي، كما هو ماثل في الحالة السورية من الصراع العنيف، خصوصا عندما انزلقت الحكومة السورية ولعبت دورا رئيسيا في الاقتتال الدائر، وتخلت عن دورها الرئيسي في حماية المجتمع السوري وبررت ذلك بأنها تستأصل فئات أخرى من السوريين لغاية التجانس (اللون الوحيد) أو ما كان يشكل اعتقادا عند رموزها في أنها ماضية لإفناء أي معارضة حتى وإن كانت تقتصر حتى على التعبير ضدها بالرأي.

هذا المشهد أكثر ما يبدو لنا عناصر ومحددات داخلية، ويصبح أكثر إشكالا عندما نقرأ ما هو وارد في مجال العمل الإنساني والاسترشاد بمشروع (اسفير) ما نصه:

“في سياق الطوارئ، قد يتم تعليق بعض حقوق الإنسان بصورة مؤقتة، ولكن فقط في ظروف استثنائية وتحت شروط صارمة. حقوق مثل تلك المتعلقة بالحياة والصحة والأمن البدني من المرجح أن تكون لها الأولوية أثناء العمل في حالات الطوارئ، التي يحكمها مبدأ عدم التمييز.

وقياسا على هذا المبدأ وعلى مسافة سنوات طويلة من “العنف المسلح” بين الأطراف في سوريا، لم تعد الحالة الإنسانية طارئة وبالرغم من ذلك نجد استدامة نسبية في المسعى الإنساني أو نواتجه التي لا تشكو من القصور الدولي، بل على العكس من ذلك، فقد خُصّصت موازنات ضخمة لمشاريع إنسانية في الداخل والخارج لهذا الغرض ،  لكن تقصيرا ماثلا في مساهمات السوريين (حكومة ومنظمات وأفراد ) لدوافع النزاع  وحدته وشموليته وبعناصره الداخلية والخارجية وكذلك مجمل القدرات المحلية، والأدوات، والوسائل، والمعايير، التي كانت غائبة وغير متاحة، ومازالت تعتبر كذلك، طالما أنه لم يتم توفير بيئات آمنة للمدنيين وتحييدها عن الصراع المسلح ليسهل الوصول إليهم، ولو أردنا الانصاف أكثر، فإنه لم يتمكن تطورها التدريجي أن يلبي التشجيع في  المطالبة أو البحث في الاحتياجات التي يوفرها ( القانون الدولي لحقوق الانسان، والقانون الدولي لحقوق اللاجئين، والقانون الدولي الإنساني) بسبب تعقيدات وطبيعة  العنف المسلح من جهة وضعف القدرات المحلية من جهة ثانية  حين كانت ومازالت تحول دون مشاركة السكان المتضررين في التعبير عن احتياجاتهم والاستفادة من معيار الكرامة والحقوق الأساسية التي وردت في الإعلان العالمي لحقوق الانسان ومختلف الاتفاقيات القانونية الدولية المتعلقة بحقوق الانسان.

في التوصيف المعياري للحقوق المطلوب توفيرها إنسانيا، فالسوريون الذين تعرضوا للنزوح بسبب الحرب والنزاعات لابد وأنهم حصلوا على حق الحماية التي توفر لهم الأمان والمأوى والمأكل والملبس والإصحاح والتعليم، وحين نراقب جميعا المشهد العام نجد أن بيئات النزوح الخارجية والداخلية للسوريين شهدت تفاوتا في إمكانية حصولهم على هذه الحقوق الأساسية بالرغم من أن الوكالات الإنسانية وفرت مشاريع الحماية دون تمييز ولا تحيز لعرق أو دين أو جنس، وأن ذلك ما يجب أن يكون اعتيادا إلزاميا، تلتزم به الحكومات والمنظمات الغير حكومية، وإن اختلفت توجهاتها وقدرتها على التعاطي في الشؤون الإنسانية، وهي جسر العبور لهذه المشاريع  في تقديم ضمانات الحماية للنازحين واللاجئين وإعادة تمكينهم من سبل العيش، إلى حين توفر الحلول المناسبة التي تعيدهم إلى بيئاتهم ومكان إقاماتهم الأصلية.

من الملاحظ أيضا في هذا السياق التنفيذي أن نسب الفساد في إدارة الوساطة في هذه الملفات الانسانية قد تزيد أو تنقص حسب قدرة المنظمات على الشفافية المالية واسترشادها بمعايير الميثاق الانساني والمعيار الدولي في إدارة وترشيد الخبرة الانسانية في مجال الحروب والكوارث بالإضافة لإشكاليات الحوكمة واستقلالية المنظمات العاملة في الشأن الإنساني في هذه الدول المضيفة.

مما يساهم أكثر في الإنجاز أيضا (وعي المجتمعات وطبيعتها) وضرورة اتاحة الفرصة في مشاركتها بتصميم الاستجابة والوصول إلى التعافي، وذلك مرهون بقدرة هذه المجتمعات على  إدراك ما تحتاجه فعلا وتطوير أشكال الحماية الأخلاقية المتصلة بثقافاتها الخاصة ودعمها للفئات الأكثر استضعافا، بالرغم من أن التقييمات تفيد أن المسنين لديهم الخبرات والمرونة المكتسبة من خلال تجاربهم في التعامل مع شؤون حياتهم القاسية، وقدرتهم على الاستجابة المبكرة وهم الفئة الأكثر صمودا والأكثر قدرة على التكييف من بين الفئات المستضعفة الأخرى كالأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة إذ تشير الدراسات بأن التعافي المبكر في المجتمع قد يصل إلى ما نسبته 80% منهم في حالات دعم الاستقرار.

تعتبر مدينة الرقة واحدة من المدن السورية التي تأثرت بنيتها التحتية ومواردها البشرية والمادية على نحو غير متوقع بسبب شدة الصراع المسلح فيها بعد أن أصبحت بؤرة للتنظيم المتطرف وإعلان التحالف الدولي الحرب عليه، وكانت لمجريات هذه المعركة القاسية ارتدادات على المجتمع وتعددت موجات النزوح وفقدان الأمان التي  طالت المدنيين في مختلف فئاتهم، وبالرغم من التقارير العديدة التي تشير إلى سوء الحالة الإنسانية في أوساط النازحين وإمكانيات توفير الخدمات الضرورية لهم،  إلا أن هذه الوتيرة بدأت في التحسن  وهي نتائج ناجمة عن تدخل منسق في عمليات الاستجابة الطارئة لوكالات إنسانية ودولية بالتعاون مع جهات محلية، واسترشادها بالمعايير والمبادئ الإنسانية التي تشكل ناظما في العمل الإنساني، بالرغم من أن بيئات النزاع مختلطة عرقيا وإثنيا.

ولضمانة نجاح عمليات الاستجابة لابد من الالتزام بمبدأ عدم التحيز وعدم التمييز حين تنص القاعدة فيه:

“أنه لا ينبغي التمييز غير العادل بين الناس أو المجتمعات بسبب وضعهم بما في ذلك العمر أو نوع الجنس أو الأصل أو اللون أو العرق أو الأصل القومي أو الاجتماعي أو التوجه الجنسي أو الإصابة بفيروس الإيدز أو اللغة أو غيره أو المعتقد الديني أو الإعاقة أو الحالة الصحية أو الرأي سواء كان سياسيا ًأو غيره أو أي وضع آخر”.  

الحرمل

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »