هيئة التحرير

وفجأة يصل وليام روباك مدينة “الطبقة” ليعلن أنه مكلف رسمياً من ترامب بتولي الملف السوري، وسيقوم بزيارة مدن وبلدات في شرق الفرات، وسيطّلع على احتياجات هذه المناطق، وسيعمل على إصلاح البنية التحتية وتقديم المعونات والمساعدات للمدنيين. يحدث ذلك في المدينة التي عقد فيها مجلس سورية الديمقراطية “مَسَد” مؤتمره الثالث بحضور وفد من النظام، وبعد ذهاب مسد إلى دمشق،  والمفاوضات التي قِيل إنها بداية لعودة النظام تدريجياً إلى مناطق قسد، وبتعبير آخر مناطق النفوذ الأمريكي.

لقد بات معروفاً أن تغيير مبعوث دولة ما دليل تغيُّر في سياستها أو نهج تنفيذ إستراتيجية تعمل عليها، فمنذ أصبح بريت ماكغورك شخصاً غير مرغوب فيه تركيّاً، ثم سقوط وعوده بإقامة الاستقرار وتتويجه بانتخابات في أيار، الذي انقضى، وإيقاف الدعم الأمريكي لبرنامج المعونات والمساعدات، جاء إعلان ترامب رغبته بالانسحاب من شمال شرق سورية بعد طرد داعش، وصولاً إلى توافقات قمة هلسنكي حول سورية، ليثبت أن أمريكا ترتجل مواقفها في الساحة السورية، وبذلك تكون ردات أفعال لا إستراتيجية واضحة تحركها.

إن اجتماع واشنطن بين وزيري خارجية أمريكا وتركيا الذي توّجاه بإعلانهما أن خطة الطريق في منبج لن تتأثر بالخلاف بين البلدين، جاء ليؤكد حاجة السياسة الأمريكية للتوافق مع أنقرة، وصياغة معادلة التناقضات في شرق الفرات، فكان تعيين روباك وزيارته المفاجئة للطبقة لإعلان فصل جديد يتعهد فيه ببقاء القوات الأميركية والتحالف الدولي العاملة في شرق الفرات، منعاً لحدوث فراغ أمني أو خلل عسكري، أو عودة عناصر «داعش» أو ظهور تنظيمات إرهابية متطرفة، مشدّداً أن ترامب لا يعتزم سحب قوات بلاده من المناطق التي تتواجد فيها قوات سورية الديمقراطية بما فيها مدينة الطبقة جنوب نهر الفرات.

وهكذا تنتقل الرقة وشمال شرق سورية إلى مركز التجاذبات في الصراع السوري، على أعتاب قرب انتهاء مسرحية الجنوب السوري، لتكون أداة الضغط قبل الجولة الأخيرة، فأمريكا تلوّح بورقة الرقة في وجه النظام وحلفائه من جهة، وفي وجه تركيا الطموحة لنيل ما تريد، والمتعمّدة فرض رؤيتها، بل المعامِلة بالمِثل والمجاهرة بخرق العقوبات الأمريكية من جهة أخرى، وتطمين حلفائها لاستمرار الدعم، وكذلك روسيا تلوّح بورقة إدلب في وجه تركيا واحتمال مشاركتها قسد والنظام والميليشيات الإيرانية لاستعادة ما أعطي لها، أو تنفيذ التزاماتها، وكذلك القبول بقسد مشاركاً في صياغة المشهد السوري في المفاوضات واللجنة الدستورية والمرحلة الانتقالية.

فإن ذهبت وعود ماكغورك أدراج الرياح، فما الذي ستفعله تعهدات روباك؟ كيلا نرفع سقف التفاؤل يجب أن نعي أن روباك سيكون المفتاح الأمريكي للأقفال التركية، وقد لايتمكن إلا من إدارة صراع خفي أمريكي تركي، ولن يفي إلا بالقليل لأن ضبابية رؤية إدارته وتردّدها، لا تطيق المزيد من انهيار الخطوات على الأرض مقابل الروس والإيرانيين والأتراك، وسيكون أيضاً الموجّه لحركة مَسَد – قَسَد وتلزيمها شروط اللعبة الأمريكية وضغوطاتها، ومنعها من الشطط والتمادي في “اللقلقة” بحثاً عن حلفاء ومشغّلين.

جميع المتصارعين يعملون لامتلاك قرار الرقة، وأن يكونوا صوتها، بينما أهلها صار أغلبهم أدوات لهذا الطرف أو ذاك، فمن أزلام النظام عبر “القاطرجي”، إلى مَن تصطنعهم تركيا، إلى أرتال بعض مخبري منتفعي المنظمات، مروراً بأبواق الأمر الواقع، ينهشون ويغتنمون. وبينما تنتظر الرقة تنفيذ تعهدات لفظية، يتمّ إغراقها بالفساد والآمال الخادعة. إن الرقة تحتاج القادرين على استثمار الجميع، ما دامت غير قادرة الآن على مواجهتهم، فهل من مُجيب؟