الرئيسية / مقالات رأي / قاتل السفير الروسي في تظاهرات إدلب.. خدمة للنظام

قاتل السفير الروسي في تظاهرات إدلب.. خدمة للنظام

وليد بركسية

صورة واحدة من المظاهرات الحاشدة التي شهدتها محافظة إدلب شمال سوريا، الجمعة، كانت كافية للتشويش على فكرة عودة الثورة السورية إلى جذورها الأولى.

فبينما امتلأت الشوارع بمدنيين عبّروا عن رغبتهم في استمرار ثورتهم، مثلما بدأت قبل ثماني سنوات، ورفعوا شعارات مناهضة للنظام والإسلاميين على حد سواء للمطالبة بالديموقراطية، حمل البعض صورة مستفزة لقاتل السفير الروسي أندريه كارلوف في أنقرة، وقد كتب تحتها: “بمثل هؤلاء ننتصر” و”الأتراك أخواننا”.

وتناقلت حسابات موالية للنظام السوري، منشورات لناشطين معارضين، تظهر صورة “مولود مرت ألطن طاش”، الذي قتل السفير كارلوف (62 عاماً) في أنقرة العام 2016، في وقت كانت العلاقات الروسية – التركية تشهد الكثير من المطبات. وفيما تنصلت تركيا من قاتل السفير، رغم وقوفها إلى جانب المعارضة السورية ضد نظام بشار الأسد، إلا أن بعض الراديكاليين في صفوف المعارضة ينظرون للأمور من زاوية عاطفية، غاية في التبسيط.

ذلك أن رفع هذه الصورة لا يؤدي أي غرض سياسي ايجابي، بل على العكس، يعكّر الصورة المدنية ويحرج المدنيين المتظاهرين.

والحال أن اللافتة تشكل حبة الكرز الصغيرة فوق كعكة إخفاقات المعارضة السورية، كواحدة من أكثر الحركات السياسية انفعالية وتورطاً في سوء التقدير السياسي. وهي ظاهرة تستوجب التوقف عندها مطولاً، لأن الحديث عن فشل المعارضة ينحرف دائماً إلى الحديث عن أثر النظام في المعارضة من جهة، وكيفية استعانته بالحلفاء الروس والإيرانيين لتحقيق النصر العسكري من جهة ثانية. لكن الحديث عن تخبط سياسات المعارضة، منذ العام 2011، يبقى محدوداً.

ويتجسد، في صورة “مولود” المرفوعة، الكثير من سمات المعارضة السياسية في البلاد، بدءاً من السذاجة في استخدام أبجديات الدبلوماسية ومخاطبة الرأي العام، وصولاً إلى تصدير صورة الباحثين عن الانتقام كشكل مُنمِّط ومُلازِم للمعارضين السوريين، وهي صفة تتنافى مع أساسيات الدولة الديموقراطية المنشودة من الثورة، أي سيادة القانون والابتعاد عن الشخصانية في التعاطي مع الشأن العام.

ولا يمكن إلقاء اللوم هنا على المدنيين البسطاء أو الناشطين غير المدربين، أو يأسهم، وغير ذلك من المبررات التي تعكس فوقية لدى النخب السياسية والثقافية المعارضة. لأن تلك اللافتة في النهاية هي انعكاس لفكر تلك النخب، أو على الأقل تقصيرها في نشر صورة أفضل لمعنى المعارضة بين السوريين أنفسهم، قبل تصدير تلك الصورة إلى الرأي العام العالمي.

الأخطر من ذلك، أن الصورة تحمل الكثير من الاستفزاز، وباتت مدخلاً لنشر دعاية مضادة ضد المدنيين أنفسهم في إدلب، بوصفهم إرهابيين وحاضنين للإرهاب وباحثين عن الانتقام ودمويين لا يستحقون الحياة، وكلها عبارات نشرتها صفحات موالية تعليقاً على الصورة. المؤسف أن المعارضة، برفع مثل هذه الصورة، “تساعد” الموالين والشبيحة على صوغ هذا الخطاب من منطلق رد الفعل والدفاع عن النفس أمام خطر كامن أقرب إلى قنبلة موقوتة. وهي ذرائع لا يحتاجها النظام أصلاً، لكنه يرحب دوماً بوجودها. فأي خدمة له أفضل من تلك التي تسهل عليه إثبات وجهة نظره، مهما كان ذلك الرأي دموياً ومجحفاً.

ويجب القول أن السياسة والدبلوماسية لا تعنيان أن القضية المحقة هي التي ستنتصر، بل القضية التي تُعرض بطريقة صحيحة، أقلّه تنتصر في مخيلة المتلقي وعقله. وبالتالي فإن فشل الثورة السورية يعود جزئياً إلى فشل واضح لدى المعارضة السياسية نفسها في إدارة الأزمة، لأنها لم تستطع مواجهة خطاب النظام ومجاراته في لعبة الدبلوماسية والبروباغندا التي يبرع فيها. وأدى تفرق المعارضة، وخلافاتها الداخلية وفردانية بعض القيادات وولاءاتها الخارجية المتعددة، إلى بعثرة جهودها بعيداً من حشد المجتمع الدولي بصفة رسمية، سواء في مؤتمرات السلام مثل “جنيف” و”أستانا”، أو في كواليس الدبلوماسية نفسها.

وحتى في المشهد الآتي من إدلب، منذ أمس الجمعة، لا يمكن القول أن الثورة السورية تنهض من جديد. فمظاهرات العام 2011 كان محركها الشجاعة والتحدي لنظام الأسد وحكم البعث والأمل في مستقبل أفضل. أما مظاهرات اليوم فمحرّكها الخوف، والخشية من نظام المجرم، والرجاء بألا تكون إدلب هي التالية ضمن سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها النظام في حلب ودرعا وعشرات المدن المعارضة الأخرى.

والحال أن التظاهرات التي قال ناشطون معارضون أنها تأتي برعاية مباشرة من تركيا، وهي المقولة التي تناقلتها صفحات موالية بالتوازي، كحجّة إضافية للعنف المضاد، ارتكزت على عامل النوستالجيا فقط، من دون أي إضافة مستقبلية، وبالتالي تكرار خطاب الأمنيات بمستقبل “إنساني” أفضل للسوريين من كافة الانتماءات في إدلب، من دون الحديث عن سوريا ككل. وذلك منطقي إلى حد ما في ظل ما آلت إليه الحرب السورية، ولأن الدولة التي عُرفت يوماً باسم سوريا توقفت فعلاً عن الوجود مع تحولها إلى كانتونات طائفية متصارعة عملياً من أجل البقاء.

ابتلاء الشعب السوري بمعارضة سيئة، لا يعني أن النظام ليس مسؤولاً عن ذلك السوء أيضاً. فالصورة المتشكلة اليوم هي نتيجة تراكمية لسنوات من القمع والحكم الشمولي وتحجيم أي محاولة للتفكير والنشاط السياسي، من دون نسيان أن النظام هو من أطلق سراح آلاف المعتقلين الإسلاميين من سجونه العام 2011، لحرف الثورة السورية عن مسارها عمداً، نحو الأسلمة والعنف والانتقام.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »