الرئيسية / مقالات رأي / في هندسة النَّزْع والعَزْل..

في هندسة النَّزْع والعَزْل..

أمجد آل فخري 

بدأ اليوم العدّ التنازلي لتنفيذ الشقّ الأصعب من “اتفاق إدلب” الذي أنجبته “سوتشي” الروسية بعد لقاء الراعيين الروسي والتركي، وأُجمِع على أنه اختراق في ظلّ تصعيد إقليمي ودوليّ، وأشاع جوّاً من الارتياح في الهيئات الأممية والعديد من العواصم في العالم، إذ جنّب وقوع كارثة إنسانية، وأوقف ويلات حرب ضروس أعدّ لها أحد طرفيها لتكون إنجازاً يختم بها انتصاراته في حرب استمرّت سبع سنوات، وأرادها الثاني فتحاً لسجلّ انتصارات في حرب قد تستمرّ سنوات.

وكأنما خرج الجميع محقّقاً بغيته، بينما وقعوا في فخّ الرهانات التي لا يرى خساراتها إلا مَن مدّ نظره بعيداً؛ إذ قبل أن يتمّ التنفيذ كان الخلاف في التفسير، لأن لكلّ هدفه الذي ربّما يتناقض في مرحلة ما مع شريكه أو حليفه.

لقد قام الروس منذ بداية مسرحية ( مناطق خفض التصعيد ) بهندسة الموقف الراهن في إدلب وما حولها، فبرعايتهم تمّ تجميع الرافضين والمستسلمين والمتطرّفين لتكون البؤرة الأخيرة، ومن خلالها يمكنهم تحقيق أهداف كثيرة، لعلّ في مقدّمتها إرضاء الشريك التركي وإبعاده عن الفاعل الأمريكي النشِط فيما تبقّى من مشاهد، وفي الوقت ذاته إشغاله وإحراجه ليعيد ترتيب أوراق اللعبة. وعندما لم يحدث هدفهم في اقتتال شامل بين الفصائل، فيفني بعضهم بعضاً، وأمام ارتفاع سقف الموقف التركي والتفافه السريع في الرفض لما تريده موسكو، وعبر الاستقواء بمساندة الرأي العام الدولي تمكّن الأتراك من الوصول إلى اتّفاق، لن يكون دائماً، بل هو فاصل زمني للإمساك بتفاصيل المشهد. وفي سبيل ذلك كانت قراءة الروس وتفسيرهم للاتفاق تتسيّد الموقف، بما يشبه تنازلات تركيّة درءاً لاشتراطات تفسد هندسة أهمّ موقع تعدّه تركيا جزءاً من فضاء أمنها القومي، ومرتكزاً لمصالحها السوريّة والإقليمية في ذروة الصراع الدولي المحتدم بين أمريكا والغرب من جهة، وبين روسيا وحلفائها من جهة أخرى، وبذلك تُنتَزَع من المعارضة أكثر من نصف المساحة التي تسيطر عليها، لتكون منطقة منزوعة السلاح الثقيل لا المقاتلين، وربما يُنزع منها المقاتلون في قراءة روسيّة جديدة. ولم يبقَ سوى مناطق تواجد هيئة تحرير الشام التي بدأت تنشقّ على نفسها بين مؤيّد ومعارض، وبين من يقبل على مضض، وبين من يرفض علناً. وبتعهّدات تركية تقبل الفصائل الدوريات، وتفتيش المواقع من طرف الأتراك وحسب، وربما تفهّم الروس ذلك مرحلياً، ليعودوا لاحقاً للمطالبة بتنفيذه، وربما تتطور إلى مطالبة بمصادرة السلاح واعتقال المقاتلين، إذ أن منطقة النزع شاسعة تمتدّ من شمال اللاذقية وريفي حماة الشمالي والشمالي الغربي وأرياف إدلب الجنوبية والجنوبية الشرقية، وصولاً إلى ريف حلب الشمالي الغربي وأرياف حلب الجنوبية والغربية. علماً أن النظام وحلفاءه لم تبدُ منهم إشارة تنفيذ حتى الآن! وهو ما يوحي برائحة انقلاب على الاتفاق، أو الضغط على تركيا وابتزازها بمزيد من التنازلات، في الوقت الذي ما انفكّ النظام يردّد أن الاتفاق حقّق له مكاسب كبيرة، وأنه يريد كامل إدلب وأن الاتفاق مؤقّت، وأنه يعدّ نفسه لإعلان النصر مهما بلغ الثمن، وأنه سيتكفّل بـ”إعادة تأهيل الشرائح التي احتضنت الإرهاب”.

ثمّة خطوة تالية يجب تنفيذها، تبدأ فصولها بعد إتمام النزع، بحسب التزمينات الروسية، إن لم تسحب بعض فصائل هيئة تحرير الشام سلاحها الثقيل، وغالباً ستتكفّل تركيا بعلاجها عسكرياً، لينتقل التنفيذ إلى نقطة دولية هي الأهمّ في الاتفاق، وهي قضية المقاتلين الأجانب، الذين سيقاتلون حتى النهاية، أو سيكونون قنابل موقوتة أو ألغاماً تنتشر في العالم لو سُلّموا إلى بلدانهم؛ لأن غالبيتهم من الإيغور والتركستان والأوزبك بالإضافة إلى الأوربيين، فالروس مع إفنائهم، بينما تركيا تريد نقلهم إلى المناطق الكردية، وكلا الأمرين سيخضع لمقايضات دولية في قمة اسطنبول القادمة، وسيكون للأمريكان موقفهم على أي الأمرين سيرسو القرار؛ لأن النقل إلى مناطق نفوذها لن يتحقّق حتماً.

بتمام هندسة نزع السلاح الثقيل، تبدأ هندسة العزل، وهي التي استخدمها الجميع في حربهم ضد السوريين في داريا والغوطة وحوران والرقة وإدلب، وأمّا في إدلب فالأمر يأخذ شكلاً آخر؛ لتغيّر الضامن، إذ ستتجلّى باستمالة الفصائل وتشكيل قوة موحدة، وإجراءات سياسية اقتصادية تعمل على إعادة المنطقة إلى حضن النظام، وهو المرفوض مطلقاً شعبياً، أو اعتماد اللامركزية ليكون الارتباط بالنظام إدارياً وحسب. بالإضافة إلى تسليمه شريانين لاقتصاده المنهار طريق حلب-اللاذقية، وحلب-حماه. وكما للنزع مضادّاته، فإن للعزل طرق لمجابهته، ويبدو أن الملاجئ جُهّزت، والأنفاق قد أُعدّت متقنة، وتشعّبت أو تَعنْكَبَتْ شبكاتُها، وصُغِّرت فتحاتُها.

لقد أضحت إدلب عبئاً على الجميع، إذ استعصت على نظام العصابات وحلفائه، كما صارت شرارة بدء تحرّك مدنيّ شعبيّ يرفض النظام ورموزه، ويطالب بتحقيق ثوابت الثورة السورية – وإن بدعم ودفع ومساندة تركيا – لتؤسّس أداة ضغط على المستوى الدولي، يمنع وقوع مجزرة لم تُسبق ولن تُلحق، وتشكّل لأمريكا وأوروبا مدخلاً للضغط يحرف المسار صوب جنيف والحلّ السياسي وفق القرارات الدولية وخاصة 2254، فتكون إدلب بعزلها أداة تهديد أمريكية بعزل النظام كما صرّح بذلك جيمس جيفري، إذا عرقل العملية السياسية، علماً أن النظام أعزل، على الرغم من قوانينه وتشريعاته الجديدة، نابه في فكّ أسياده، وقوّته في زند حلفائه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »