الرئيسية / مقالات رأي / على حاكم المملكة العربية السعودية أن يفهم أن الغايات لا تبرر الوسائل

على حاكم المملكة العربية السعودية أن يفهم أن الغايات لا تبرر الوسائل

دينيس روس

قد لا يؤمن الرئيس الأمريكي ترامب بنظام دولي قائم على القواعد، لكننا قد نرى الآن عواقب غياب المعايير العالمية. فالروس لا يساورهم أي وخز ضمير إزاء تسميم عميل سابق في بريطانيا. وفي الآونة الأخيرة شعر الصينيون بالحرية في اختفاء بعض من أبرز مواطنيهم أو احتجازهم بوسائل غير قانونية – بدءً من رئيس الانتربول وانتهاءً بـ ممثلة بارزة. والآن يبدو أن السعوديين ربما قاموا بإغواء الصحفي والمساهم في صحيفة “واشنطن بوست” جمال خاشقجي إلى قنصليتهم في اسطنبول، حيث بقي مصيره في هذه المرحلة غير معروف.

في البداية، بالنظر إلى التنافس بين تركيا والسعودية ومَيلْ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى توجيه اتهامات لا أساس لها من الصحة، تشَكّك كاتب هذه السطور من التقارير التركية عن إرسال عملاء سعوديين لقتل خاشقجي. ولكن مع عدم قدرة السعوديين على عرض لقطات من كاميرات الأمن الخاصة بالقنصلية تصوّره يغادر المبنى أو عدم رغبتهم في القيام بذلك، فإن إنكارهم [لما حدث] يعكس مدى البعد عن الحقيقة. وللأسف، في عالم يُعرف من خلال مبدأ “السيادة” للرئيس ترامب، قد يعتقد قادة آخرون أن لديهم رخصة للقيام بكل ما هو ضروري لحماية مصالحهم كما يحددونها.

واليوم، في المملكة العربية السعودية، يقوم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلى جانب والده عاهل المملكة، بتعريف المصالح الوطنية السعودية، حيث يقود بن سلمان التغيير الثوري في المملكة. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا يعمل ولي العهد على دفع التغييرات الاجتماعية والاقتصادية بقوة إلى هذا الحد؟ الجواب هو لأن بن سلمان، حتى قبل أن يصبح والده ملكاً، رأى واقع غير مستدام. فالكثيرون من بين حوالي 70 في المائة من سكان المملكة الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً، أظهروا علامات متزايدة على الاغتراب، من بينها الانجذاب إلى تنظيمي «القاعدة» و “الدولة الإسلامية”. [ومن الناحية الاقتصادية] تأتي 87 بالمائة من عائدات الحكومة من [مبيعات] النفط، في حين يعمل 80 بالمائة من السعوديين العاملين في [وظائف] حكومية – ويحدث كل ذلك في الوقت الذي يستطيع فيه بن سلمان رؤية تراجع عائدات النفط السعودية بمرور الوقت، مع [زيادة استعمال] الطاقة المتجددة والزيت الحجري والسيارات الكهربائية. أما إجابته على ذلك فهي: تنويع الاقتصاد، وخلق المزيد من الانفتاح الاجتماعي والمرح، وإعطاء إحساس بالإمكانية للشباب السعودي.

ويعتمد “برنامج التحول الوطني” الخاص بولي العهد على نمو الصناعات الجديدة، وتنمية القطاع الخاص وتأدية النساء دوراً أكبر بكثير في اقتصاد المملكة. ووفقاً لتعريف [البرنامج]، تتطلب هذه التطورات إجراء تغييرات اجتماعية عميقة في المملكة. وقد تم توجيه الكثير من الاهتمام إلى قيادة النساء للسيارات، وفتح دور السينما، وقدوم فرق الرقص، وتقليص سلطة الشرطة الدينية. وفي الواقع، يستحق تطوّران آخران مزيداً من الاهتمام أكثر مما تلقّاه حتى الآن. فقد أدى تعيين محمد العيسى رئيساً لـ “رابطة العالم الإسلامي” إلى بعث رسالة قوية جديدة تتمثل في التسامح ورفض التعاليم الإسلامية المتطرفة. كما أن زيارته إلى “متحف المحرقة” في الولايات المتحدة، والتزامه بالحوار بين الأديان ودعواته للسلام تشكل تحولاً كبيراً عن [آراء] أسلافه. وهو الأمر بالنسبة لقيام الملك سلمان بتعيين هيئة من كبار العلماءلمراقبة “الحديث” – أي أقوال لأحاديث النبي محمد – لجعلها متسقة مع الأوامر القرآنية حول السلام.

وبكل بساطة، إذا كانت التغييرات التي يقودها محمد بن سلمان تتحقق في الواقع، فستؤدي إلى تشويه صورة التطرف الديني، وتضع حداً للترويج لها خارج السعودية، وتُوفّق بين الإسلام والحداثة، وتوفر نموذجاً للتطور الذي يفتقر إليه “الشرق الأوسط العربي” – على الأقل بين الدول الأكبر مساحة. لقد أدّى غياب مثل هذا النموذج إلى خلق فراغ تم ملؤه سابقاً من قبل العلمانيين الوطنيين المتطرفين واليوم من قبل تنظيمي «القاعدة» و «الدولة الإسلامية».

ولهذه الأسباب، كنتُ أؤيد بقوة جهود محمد بن سلمان – ولا أزال أعتقد أن لأمريكا مصلحة كبيرة في نجاح “خطة التحول الوطني” وما يُعرف بـ «رؤية المملكة ٢٠٣٠». نعم، يواجه بن سلمان مقاومة حقيقية من المؤسسة الدينية المحافظة وعناصر في العائلة المالكة. ونعم، ليست هناك فرصة كبيرة لتحويل دولة متجذّرة في التقاليد الوهابية والسياسات المتفق عليها داخل العائلة المالكة إلّا من خلال قيام ثورة من قبل النخبة العليا.

وقد يعتقد بن سلمان أنه يجب أن يضرب جميع [عناصر] المعارضة عرض الحائط، وقد أدى ذلك إلى [إظهار] القليل من التسامح مع المعارضة. ومن هذا المنطلق، يمكن إسكات شخصية معروفة سابقة من المؤسسة [الحاكمة] مثل خاشقجي كجزء من خطة لتخويف جميع النقاد الآخرين.

أتمنى أن الأمر ليس كذلك؛ آمل أن خاشقجي لم يفقد حياته وسيعاود الظهور قريباً. وآمل أيضاً أن يفهم بن سلمان أن الغايات لا يمكن أن تبرر أي وسيلة. فإذا كان يريد بناء مجتمع قائم على المعرفة تَظهر فيه الشركات الناشئة ويزدهر فيه الإبداع، فإنه لن ينجح بتاتاً في القيام بذلك في جو من الترهيب والخوف. يجب أن يفهم أن بعض الأفعال تتخطى الحدود وستكون لها عواقب بعيدة المدى بالنسبة للعلاقات الأمريكية -السعودية.

أنا مسرور لأن ترامب مهتم بمقابلة خطيبة خاشقجي. ومن شأن هذه الخطوة أن ترمز إلى قلق الرئيس الأمريكي وإدارته. لكن الأمر سيكون أكثر أهمية إذا اتخذ الرئيس إجراءً بناء على طلب مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من كلا الحزبين لتفعيل “قانون ماغنيتسكي الدولي” – وهو التشريع المسمى في أعقاب وفاة محام روسي – في مجال مكافحة الفساد – في ظروف غامضة في سجن روسي [في عام 2009. وكان قد تم توقيفه بعد قيامه بكشف مخطط واسع النطاق للاحتيال الضريبي تورط فيه مسؤولون حكوميون]. إن طلب مجلس الشيوخ الأمريكي سيؤدي إلى إجراء تحقيق قد يُسفر عن فرض عقوبات على الأشخاص المسؤولين عن اختفاء خاشقجي. وإذا لم يكن لدى القيادة السعودية ما تخفيه وتهتم بمصير خاشقجي فعليها أن ترحّب بهذا التحقيق. وما يتسم بنفس القدر من الأهمية هو أن تنفيذ هذا القانون قد يشير أيضاً إلى أن إدارة ترامب ترى قيمة احترام المعايير العالمية في النهاية.

دينيس روس هو زميل بارز في معهد واشنطن، وعمل في مناصب بارزة تتعلق بالأمن القومي في إدارات الرؤساء الأمريكيين رونالد ريغان وجورج بوش الأب وبيل كلينتون وباراك أوباما.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »