الرئيسية / بعيدا عن السياسة / رواية ” الصخب والعنف ” للكاتب الأمريكي الجنوبي (وليم فولكنر)

رواية ” الصخب والعنف ” للكاتب الأمريكي الجنوبي (وليم فولكنر)

الرقة بوست ـ معبد الحسون

 

كانت حياة وليم فولكنر (1897 ـ 1962) لغزاً غامضاً بقدر ما في أعماله الأدبية من ألغاز غامضة. تلك الأعمال التي أثارت موجة من الإعجاب والانتقاد معاً. ولعل مرجع ذلك، كما يرى البعض، أن فولكنر أراد أن يواجه مشكلة الشر القبيح في العالم وتفحصها من كل جوانبها، ولذلك نجد كل الجرائم والرذائل مصورة في كتبه.
يعزز ذلك الرمز في الرواية التي منحته الشهرة وهي رواية «الحرام»، ففيها يغتصب رجل من الشمال فتاة عذراء من أهل الجنوب، ولكنه عنين «وهو هنا يرمز إلى الشلل في نفس الشمال، «فيقضي رغبته الجنسية منها باستعمال عرنوس الذرة، لكن الفتاة بعد ذلك تلتهب شبقاً.. وهو ما يرمز إلى انهيار القيم في الجنوب. فهو، أي فولكنر، كرجل ينتمي إلى الجنوب المنهزم وظف كل القدرات في التعبير عن الذات الجماعية الجنوبية .

شخصية فولكنر

ولد فولكنر سنة 1897 بالقرب من بلدة أكسفورد في ولاية المسيسبي. وفي الوقت الذي أظهر فيه موهبة فنية بالرسم، وموهبة أدبية في الشعر، ترك الدراسة بعد أن سئمها، فلم يحصل على تعليم عالٍ.
تسكع كثيراً هنا وهناك، وشُوهد حافياً مفلساً، غير حليق الذقن، يجلس القرفصاء في الشوارع، يقرأ ويستمع إلى أحاديث الناس؛ وخاصة الزنوج.. حيث تحدّث عنهم فيما بعد في معظم أعماله الأدبية التي بلغت أكثر من ثلاثين كتابا، متأثراً بنتائج الحرب الأهلية الأميركية التي أدت إلى انتصار الشمال على الجنوب، وتحرير الزنوج الذين يعتمد اقتصاد الجنوب على سواعدهم خاصة في زراعة القطن. واعتبرَ ما حلّ بالجنوب مصغراً لما حل بالعالم من فوضى خُلقية وانحلال اجتماعي.
كما تأثر بالحرب العالمية الأولى التي اعتبرها مفتاحاً للحرب العالمية الثانية، وإساءة للإنسانية.. وحيث عمل خلالها طياراً في سلاح الجو البريطاني، وقد تحطمت طائرته مرتين لكنه نجا، بعد أن فشل في اجتياز الاختبارات اللازمة للالتحاق بسلاح الطيران في بلاده، نظراً لقصر قامته وضعف بنيته.
وكان دائما يحس بأزمة ضمير، فعند حصوله على جائزة نوبل في الأدب سنة 1949 قال يوم تسلم الجائزة : (في عقيدتي أن الإنسان لن يبقى لمجرد البقاء. بل إنه سيسود.. إنه خالد. لا لكونه وحيداً بين مخلوقات تتمتع بصوت مسموع، ولكن لأنه يملك روحا قادرة على الحنان والتضحية والجَلَدْ.. وواجب الشاعر والكاتب أن يكتب عن هذه الأمور).

انقسم حوله الأميركيون ـ وخاصة أبناء الجنوب ـ وشنوا عليه حرباً شعواء وهددوه لزعمهم مناصرته للزنوج، ووصلت الخلافات إلى التشابك بالأيدي حتى مع أخيه. كما أن الزنوج أنفسهم،(الذين استمات في الدفاع عنهم) قادوا التظاهرات ضده بسبب أحاديث لفقت ضده. فاعتزل الحياة في منزل ريفي متواضع في اكسفورد بولاية المسيسبي. وبنى فولكنر عالماً خيالياً مصوراً لولاية أسماها «يوكنابا توفا» جعل عاصمتها جيفرسون، ولم يدلِ بأحاديث للصحافيين إلا في النزر اليسير، وكان يمتنع عن الرد على الهاتف الذي استخدم في تهديده، وعاش بقية عمره ميالاً لإطلاق لحيته، وكان يضع اليافطات لتحذير الفضوليين من دخول مزرعته.
وفي سنة 1929 نجح فولكنر في نشر روايته «الصخب والعنف»، (بعد أن رفضها الناشرون في البداية)، والتي ترجمت إلى معظم لغات العالم الحية، والتي استغرق ثلاث سنوات في كتابتها. وفي السنة نفسها تزوج من أرملة لها ولدان، وبقي يقطن في البيت القديم الذي نشأ فيه منذ طفولته.. يكتب في الفترات الصباحية، وينجز الأعمال الأخرى في الأوقات الأخرى. وشخصية فولكنر وحياته تؤكدان أنه لم يكن يهتم بالجاه أو المجد الأدبي، ويميل بقوة إلى حياة البساطة ومعاشرة الناس البسطاء.

رواية الصخب والعنف

في رواية “الصخب والعنف”، نجد “آل كمبسن”، هم أب مخمور دائماً، معتزل الناس سائر الوقت، ويهوى مطالعة الكتب الكلاسيكية لذا فهو فصيح الكلام، ناقم على تيار الحياة الجديدة محاولاً النسيان. وأم أرستقراطية مريضة على الدوام، مصرة على الترفع، تاركة شؤون البيت للخدم الزنوج. والأولاد؛ لكل واحد منهم حكاية قائمة بذاتها. ثلاثة أخوة من الذكور مع أختهم “كادي” أو “كاندس”..
الأخ الأول، هو “كونتن”، طالب في جامعة هارفارد، ولأنه مفرط الحساسية، شديد التعلق بالشرف، شديد التعلق بأخته “كادي”، أنهى حياته منتحراً، عندما علم أن كادي أقامت علاقات حب مع رجل غريب وضاجعته. ولكي يتستر على ما في ذلك من عار على عائلة “كمبسن”، ادعى أمام أبيه أنه هو الذي ضاجع أخته لعله بذلك يحفظ الأسرة من التفكك، وأغرق نفسه في نهر تشارلز، وهو يستذكر ما حدث لأخته. فهو بذلك يمثل (الأنا العليا)، إذا قسمنا شخصيات الرواية بحسب التقسيم الفرويدي لبنية النفس الإنسانية.
أما الأخت كادي، فقد ولدت بنتاً من السِفاح، أطلقت عليها اسم “كونتين”، بعد انتحار خالها وسمتها باسمه، وبعد زواجها يكتشف زوجها أنها حامل من رجل آخر فيطلقها. ثم تغادر البيت نهائياً، ثم لم تلبث أن أصبحت تبيت في كل ليلة في حضن رجل غريب، حتى انتهى بها المطاف إلى أن تصبح عشيقة لجنرال ألماني في فرنسا، خلال احتلال ألمانيا لفرنسا في الحرب العالمية الثانية. وتبقى “كاندي” بعيدة عن أهلها، غير أنها تظل ترسل النقود شهرياً لابنتها كونتن، وعلى مدى سنين طويلة.
وأما الأخ “جيسن”، فهو شخص أناني، وسادي، وعنيف مع الجميع خاصة مع أخيه المعتوه بنجي. والذي يمثل الأنا الأدنى، (أو اللاشعورَ)، فهو نقيض أخيه “كونتين”، فهو يكره الجميع من حوله وفي مقدمتهم اخته كادي وابنتها، والخادمة الزنجية “دلزي”، ويقابله الآخرون كرهاً بكره، منذ صباه لشراسته وغطرسته. فهو يمثل قوى الشر التي تؤدي إلى التصدع بالأسرة العريقة، (وبالتالي في سائر الجنوب المهزوم)، وكل شيء عنده يندرج تحت مفهوم الربح والخسارة.. فعندما يموت أبوه، تحضر مراسيم دفنه أخته “كادي”، متنكرة.. ولكنه يعرفها، ويشاهد كمية الزهور الكثيرة التي تحضرها فيحدث نفسه قائلاً : (إنها تساوي خمسين دولاراً). كما اعتاد أن يتحايل على أمه لكي يختلس أموالها مستغلاً ثقتها به. ويرفض “جيسن” مقابلة أخته علناً، خوفاً على صورته الاجتماعية لأنها أصبحت سيئة السمعة، وعندما تتوسل “كادي” من أجل رؤية ابنتها، يساومها مقابل رؤيتها لدقيقة واحدة ويطلب مئة دولار..
ويستولي “جيسن” على الأموال التي تبعثها “كادي” لابنتها كل شهر مدة سبع عشرة سنة، وهي ما يوازي عمر ابنتها، فيدخرها مع نقوده متهرباً من الضرائب، حتى جمع مبلغاً كبيراً خطط لنفسه من خلاله أن يبتز يهود نيويورك جميعاً في مدى حصافته المالية. وهو ينعت أخته وابنتها دائماً بالعهر، لكنه لا يأنف من الارتباط ببغي، ويرضى أن تكون عشيقته مومساً.
الأخ الصغير بنجي أو “بن”، فتى معتوه، يسمع ولا يتكلم، الشيء الذي يتمكن منه هو الصراخ والعويل، فهو يمثل الغرائز الخبيئة والدوافع الدفينة وغير المفهومة في سايكولوجيا فرويد، ومن أهم ما يميزه أن حواسه كالشم والسمع واللمس قوية، شديد التعلق بأخته “كادي” التي يتذكرها عندما يشتم رائحة ورق الشجر في المطر، لأنهما متشابهان في الرائحة، مثال للبراءة والبدائية، لا يفقه ما يدور حوله لذا فهو موضع عطف ورعاية الخدم الزنوج كما إنه يركن إلى الزنوج في ظل محيطه، وبعد موت الأب يقوم “جيسن” بإخصاء “بنجي” انتقاماً بسبب حادثة بعيدة قام بها بنجي بالتحرش بفتاة لم تكلل بالنجاح، منفذاً العملية التي رفضها أبوه في حياته، أما بعد موت الأم فيقوم بإيداعه مستشفى المجانين.
ثم يأتي دور الابنة “كونتين”، ابنة “كادي”، بعد أن تكبر وتدرك ما يدور حولها، فتكيد لخالها الذي يستولي على نقودها التي تبعثها لها أمها بداية كل شهر، فتتحين الفرصة وتتسلق شجرة الإجاص التي توصلها بغرفة خالها، فتأخذ كل النقود التي بلغت سبعة آلاف دولار، وهو مبلغ عوّل عليه “جيسن” كثيراً، ثم تهرب مع عشيق لها يعمل في سيرك.
غضب “جيسن” غضباً شديداً وهو يرى دولاراته التي جمعها في مشقة مضنية، تسرق منه على حين غرة، ويخرج لا يلوي على شيء في بحثه عن “كونتين”، والتي يبدو أنه قاتلها إن وجدها.. فلما خاب ظنه عاد مغضباً ليجد “بنجي” مع “فروني” ابن دلزي الصغير، وهما عائدان بالعربة من زيارة قبر أخيه المنتحر، حاملاً زهرة.. فيوقف العربة، ويصفع الصبي ويلطم “بنجي” كاسراً ساق الزهرة مفرغاً من شحنة الغضب الذي استحوذت عليه.
ويقوم “جيسن” ببيع الدار لرجل حوّلها إلى نزل، كما قام بتسريح الخدم، منتقماً بذلك من “دلزي”، صاحبة الشخصية القوية والشكيمة التي لا تلين، المستمدة من جذور آبائها وأجدادها القادمين من أعماق غابات أفريقيا، وذلك بعد أن رأت “دلزي” البداية والنهاية، وليردد جيسن في النهاية : (حرر إبراهام لينكولن الزنوج من آل كمبسن سنة 1865. وحرر جيسن آل كمبسن من الزنوج سنة 1930).

ملاحظة: من أفضل ترجمات “الصخب والعنف” للغة العربية، ترجمة الأديب والروائي والناقد العراقي، الدكتور جبرا إبراهيم جبرا، وقد كتب في مقدمتها دراسة تحليلية نقدية مطولة وعميقة) .

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »