الرئيسية / مقالات رأي / الموت الدامي بين الركبان والرقة

الموت الدامي بين الركبان والرقة

يوسف دعيس

بينما ينشغل العالم بقضه وقضيضه بحادثة اختفاء أو اغتيال الكاتب والصحفي جمال خاشقجي، التي استنكرها وأدين مرتكبيها، يموت يومياً العشرات من السوريين في سوريا وفي بلاد الشتات، وتمر أخبار موتهم أو قتلهم أو اعتقالهم وتغييبهم قسرياً مرور الكرام، وغالباً ما تأتي عرضاً مع مراعاة عدم خدش شعور المتلقي بمشاهد القتل والدمار اليومي.

بين الانشغال السياسي الذي تعمل عليه الآلة الإعلامية العصرية في توظيف اغتيال أو خطف الصحفي السعودي، والمصالح الضيقة تضيع دماء السوريين هدراً في ظل تهافت الدول المؤثرة في المشهد السوري، والتي تبحث عن تثبيت مواقعها وأمنها المزعوم، وسط غياب أي بادرة لمشروع تنموي يكون أساً رئيساً لبناء دولة عصرية قادرة على البقاء والتعامل بندية مع الآخرين، والوقوف مع الشعب السوري في محنته، التي يواجه خلالها إرهاب دولة ممثلة بنظام مجرم استعان بالميليشيات الطائفية وبدول راعية ومصدرة للإرهاب لتدمير الوطن وقتل مواطنيه جهاراً نهاراً، ودون أن يكون لهذه الدول ـ المنشغلة بتسيس قضية شخص واحد ـ أي فعل إنساني تجاه المظلومين ووطنهم المستباح من قبل قوى الاستبداد والظلم.

عجز المجتمع الدولي بساسته ومنظماته الإنسانية عن تأمين احتياجات سكان مخيم الركبان، الذي تجاوز عدد سكانه من اللاجئين السوريين المائة ألف، الذين يموتون من الجوع والعطش، ويفتقدون الحد الأدنى من الحياة الإنسانية، ومحاصرين وسط صحراء قاحلة من قوات النظام وقوى داعش الظلامية، مع الإشارة إلى دولة شقيقة هي الأردن التي تمنع عنهم كل شيء، ولو كان بإمكانها أكثر لمنعت عنهم الهواء أيضاً، كما يفعل النظام وداعش، مخيم الركبان الذي يعاني ما يعانيه تعرض لقصف الطيران السوري، كما تعرض للعديد من التفجيرات والعمليات الانتحارية بحجة محاربة الإرهاب تارة، والانتقام تارة أخرى.

وسط دمار الرقة أيضاً، يموت أهلها يومياً بالألغام ومن الجوع والعطش، ضمن بيئة غير آمنة لحياة، يعيث فيها الطغاة المدعومين بقوى التحالف الدولي، الذين دمروها وقتلوا أهلها بحجة طرد تنظيم داعش الإرهابي، الذي قاموا بتصنيعه وتصديره خدمة لمصالحهم ومشاريعهم الاستعمارية للسيطرة على منطقة الشرق الأوسط ونهب خيراتها وثرواتها، وفي الإشارة العرضية لمنظمة العفو الدولية، التي مرّت مرور الكرام أيضاً، قالت المديرة العامة للبحوث في المنظمة المذكورة إن الوضع في مدينة الرقة صادم على الصعد كافة، والمدينة مدمرة بشكل كامل، وسويت 80% من مبانيها بالأرض، ويوجد أماكن عديدة دفن فيها عشرات الآلاف من الأشخاص.

عجزت المنظمات العاملة على الأرض في الرقة عن انتشال الجثث من تحت الأنقاض لعدم توفر الإمكانات المادية، إضافة إلى غياب أي أفق لإعادة إعمار المدينة التي دمرها طيران ومدفعية التحالف بالتعاون مع قوى داعش الظلامية، التي جعلت من المدنيين دروعاً بشرية للحفاظ على معاقلها في الرقة، دون أن يتركوا خياراً لأهلها في البقاء أو الخروج آمنين، وعدم وجود مختصين لتحديد هويات الضحايا، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية التي تقود التحالف الدولي لم تعترف بآلاف الضحايا الذين قضوا تحت نيران صواريخهم ومدافعهم.

وسط هذا الدمار ما زال أهل الرقة يعانون من تسلط قوى الأمر الواقع متمثلة بقوات حماية الشعب، الكون الرئيسي والقيادي لقوات سورية الديمقراطية، التي تغض بصرها عن أعمال القتل والتهريب والنهب وتجارة المخدرات، في الوقت الذي تنشط به في عمليات الاعتقال والخطف والتفجيرات المفتعلة، والترويج لقائدهم الأممي أوجلان، كما كان يفعل النظام بتعويم فكرة القائد الخالد، وكما يفعل الآن في تأصيل فكرة الأسد أو نحرق البلد للوريث القاصر.

تُغيب أخبار القتل والتدمير والتجويع الواردة من الرقة والركبان وكل سوريا لعيني الوريث، الذي يعتبر سوريا مزرعة ورثها عن أبيه، يستطيع أن يقتل ويشرد ويعتقل أمام أعين الجميع، كيفما يريد ووقت ما يشاء، ولتشتعل آلة الإعلام وحربها الشعواء بين الدول المتداعية للسقوط نصرة للخاشقجي وانتصاراً لحرية الرأي والتعبير، في بلاد غابت عنها الحرية والديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، مع إشارة لا بد منها إلى موقف الكاتب جمال الخاشقجي الإيجابي من الثورة السورية ووقوفه الصريح مع الشعب السوري ضد طغمة دمشق الفاسدة والمستبدة.

 

كاتب وصحفي سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »