الرئيسية / مقالات رأي / السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا

السياق التاريخي لنشوء وترعرع البربرية في سوريا

نبيل ملحم

عاشراً : النظام السوري وتدويره للإيديولوجيا الدينية كصديق وكعدو نافع للمستقبل:
لن أبدأ بما يوحي عنوان هذا المقال بنقاش حيثيات المرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2018 حول وزارة الأوقاف والذي سلم من خلاله النظام السوري عقل ورقبة المجتمع السوري لرجال الدين والإيديولوجيا الدينية، فهذا المرسوم يأتي كحلقة في سلسلة استراتيجية نظام بيت الأسد الأب ثم الابن حول نفس الموضوع، وهو الأمر الذي يجعلني أقول أني سأبدأ بالحديث عن استراتيجية النظام والتي عمرها نصف قرن من الزمن السوري بالقول : إن نظم الاستبداد المعمم كالتي عرفها الواقع السوري بشكل خاص والعربي بشكل عام لم تكن تعيد بناء الطبقات الاجتماعية والدولة والسلطة والمجتمع وفق مشيئتها ومصالحها فحسب بل كانت تعيد باستمرار بناء المجال السياسي والإيديولوجي والاقتصادي في كل مرحلة وفقاً لمشيئتها وإرادتها السياسية, فالقول مثلاً إن نظم الاستبداد المعمم تحتل وتحتكر المجال الإيديولوجي لا يعني أن هذه النظم ولا سيما النسخة العربية من هذه النظم لا تقبل بوجود إيديولوجي أو سياسي أو اقتصادي آخر غير وجودها، فالاحتلال والاحتكار الذي نقصده في المجالات الثلاثة يعني أن كيان الدولة والسلطة وحزب السلطة المندمجين كلهم في كيان واحد حيث يشكلون مجتمعين ما يمكن تسميته بالغول الكياني الكلياني الكولونيالي الداخلي وحيث هذا الغول لا يسمح لأي قوة سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية بالوجود داخل هذه المجالات الثلاثة إلا إذا كانت هذه القوة تابعة له أو تخدم مصالحه واستمرار بقائه ووجوده, أي أن هذا الغول يتسيّد الميادين الثلاثة ويصبح القوة الوحيدة المحددة لمن له الحق في دخول هذه الميادين ومن يجب إبعاده والقضاء عليه داخل هذه الميادين. فمثلاً حين أدركت نظم الاستبداد المعمم العربية أن أيديولوجيتها القومية التي ارتدتها حين صعدت إلى السلطة تعرضت للتهشم والتآكل ولحقت بها كل أوحال السلطة والدولة والفساد، وعار الهزائم أمام العدو الخارجي التاريخي، لجأت إلى السماح بوجود إيديولوجيا أخرى داخل المجال الإيديولوجي، وبما يعني أنها كانت بحاجة إلى إعادة صياغة وصناعة وبناء السياسة والإيديولوجيا والطبقات من جديد بما يتناسب مع مصالحها ومصلحة ديمومة بقائها في السلطة إلى الأبد, ولهذا عمل النظام السوري إلى إلحاق طبقة كبار رجال الدين – كما طبقة كبار رجال المال والأعمال – بالطبقة العليا للدولة الاستبدادية وجعلها عضواً أصيلاً من الطبقة السائدة البرجوازية داخل المجتمع السوري، كما سمح بوجود نوع من الإيديولوجيا الدينية الإسلامية داخل المجال الإيديولوجي كونها إيديولوجيا تساعد كاحتياطي استراتيجي يلزم لضبط واستمرار خنوع المجتمع من جهة وتمنع في نفس الوقت المجتمع من الاتجاه إلى ثقافات وإيديولوجيات تحررية نقيضة للاستبداد من جهة ثانية, وكون ذلك يسهل على النظام مواجهة المجتمع المشبع بهذه الثقافة, كونها ثقافة أقل ما يقال عنها أنها مرتع لقيام ونشوء القوى العمياء التي يسهل على نظام استبدادي مواجهتها والقضاء عليها في ليل وظلام الاستبداد. لقد كان النظام السوري في عهد الأب – والحال ذاته يتكرر في عهد الابن – يدرك أن التدين والثقافة الدينية هي ممارسة للسياسة في شكلها المضمر والمبطن أو هي ترحيل للسياسي إلى الحقل الإيديولوجي, ولكن خبرة العقد الأول من عمر النظام مع الإسلام السياسي الإخواني، وبعكس ما يعتقد الكثيرون جعلت النظام يندفع أكثر فأكثر نحو الاستثمار بالدين من خلال ترحيل السياسي إلى الإيديولوجي, هنا يكفي أن نشير إلى أن نظام حافظ الأسد افتتح بعد انتهاء صراعه مع الإخوان المسلمين أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن الماضي 4500 معهد لتحفيظ القرآن إضافة إلى ما جاء بعد ذلك من فتح الباب لظهور القبيسيات وغيرها الكثير من مظاهر الدين والتدين، فالنظام الذي أغلق المجال السياسي العام بوجه المجتمع كان يدرك أن ذلك سيقود المجتمع إلى ممارسة السياسة من خلال الإيديولوجيا أو تمظهر السياسي بشكله الإيديولوجي أو لنقل استبطان السياسي بالإيديولوجي، فالمجتمع الذي حرم من ممارسة السياسة بشكلها الصريح كان من الطبيعي أن يكسر صيامه السياسي من خلال الإفطار على الأيديولوجيا وبشكل يومي – طبعا هنا نستثني على طول الخط في هذا المقال القشرة السياسة المتحركة التي عملت في الأحزاب السياسة بكل أشكالها وألوانها المعارضة للنظام والتي مارست السياسة بشكلها الصريح ودفعت الغالي والثمين ثمن ذلك – وهنا أقول إذا كان هذا التمظهر للسياسي بشكله الإيديولوجي الديني هو صفة وخاصية كل المجتمعات ما قبل الحديثة والناتجة أصلاً بحكم درجة التطور الضعيف في مستوى بنى التشكيلات الاجتماعية ما قبل الرأسمالية حيث التمايز والاستقلال بين المجال السياسي والاقتصادي والإيديولوجي يكون في أدنى حالاته ومستوياته وحيث هذا التمايز والاستقلال لم تعرفه البشرية إلا في ظل التشكيلات الرأسمالية الناضجة بشكل أساسي وكل التشكيلات الرأسمالية الأقل تطوراً التي عرفتها العصور الحديثة، أي أن هذا التمظهر والاستبطان للسياسي في الإيديولوجيا الدينية في حالة النظم التي ولدت في العصر الحديث كحالة النظام السوري وغيره لم تكن نتاج الضعف في بنى التطور – هنا يكفي أن نشير إلى أن سوريا في الخمسينيات من القرن الماضي، أي قبل المرحلة الأسدية لم تكن تعرف هذا التمظهر والاستبطان – وإنما كان نتاج إبعاد المجتمع عن الحقل السياسي بقوة وحد سيف السلطة الشمولية وجبروتها. لقد كان النظام الأسدي يدرك أن اتجاه المجتمع إلى الدين لممارسة السياسة بشكلها الباطني لا يشكل عليه أي خطر حتى لو انتقلت بعض المجموعات على شكل أحزاب أو جماعات دينية من المبطن إلى السياسي الصريح على شكل إسلام سياسي معارض لنظامه، لأن النظام كان يدرك بأن هذه الأحزاب والجماعات من الإسلام السياسي ستمارس السياسة من خلال العنف، كخيار وحيد في شروط إغلاق المجال العام السياسي، وهو النظام الذي يعلم بأنه في هكذا مواجهة للعنف سيكون هو المنتصر لا على الجماعات الإسلامية التي مارست العنف فحسب بل على كل صوت آخر معارض حتى لو كان خافتاً وسلمياً، لا بل ستشكل هذه المواجهة ذريعة وفرصة للانتصار على المجتمع برمته كما ستكون هذه المواجهة فرصة ثمينة لتسريع عملية بناء العصبية الطائفية التي ستشكل أحد أهم دعائم سلطته ودولته، وهي العصبية التي بدأ ببنائها من اليوم الأول من عمر نظامه، ولكن بناءها كان متعثراً وصعباً ويحتاج إلى فزاعة الإسلام السياسي لشد عصب هذه العصبية وغيرها من العصبيات الأخرى داخل النسيج الوطني السوري. كما أن النظام كان بحاجة إلى ترحيل السياسي إلى الإيديولوجي قدر ما يستطيع وإلى أطول فترة زمنية ممكنة وهو النظام المعروف تاريخياً بمهارته في اللعب على عامل الزمن وانتظار التغيرات التي قد تحصل في المعادلة الداخلية ( إعادة بناء الطبقات ) والإقليمية والدولية التي تعطيه فرصة للمناورة وإعادة ترتيب أوراقه من جديد حسب الظروف والمستجدات, وبما يعني العمل على تأجيل ومنع ظهور أي احتقان سياسي مباشر وصريح في المجال السياسي إلى أطول فترة زمنية ممكنة أو لنقل كان يعمل على تأجيل المواجهة السياسية مع المجتمع قدر المستطاع, حيث حرص النظام طيلة وجوده أن يكون سيداً ومرتاحاً في هذا الحقل، ولا سيما أنه كان صاحب مشروع تكوين سلالة عائلية حاكمة في سوريا، وهو الأمر الذي كان يحتاج إلى الزمن بمقدار ما يحتاج إلى القوة والشروط، أو لنقل إن عامل الزمن كان أهم شرط من الشروط اللازمة لتحقيق وإنجاز وإنجاح هذا المشروع. وهنا أقول أن النظام السوري خلق على مدى خمسة عقود من حكمه للمجتمع السوري حالة فريدة في التاريخ من حالات الاستبطان، حالة ستبقى باعتقادي موضوعاً للدراسة والتحليل لأي معالجة سيسيولوجية تعاين الحالة السورية في ظل حكم عائلة بيت الأسد على مدى عقود وعقود قادمة، وحيث تأتي حالة التفرد في هذا الاستبطان من حالة التقابل في الاستبطان الذي أنتجه النظام، فكان أن قام في الحالة السورية نظام باطني سياسيا ً يقابله مجتمع باطني سياسياً ، أقصد هنا نظاماً يستبطن العلوية السياسية تحت رداء الدولة ” القومية ” – وهو ما قمت بمعالجته في مقال سابق على صفحات جريدة اللوموند- ومجتمع برمته يستبطن السياسة في الدين والطوائف. وهنا من المهم القول أن هذا الاستبطان لا يمكن فهم كامل أبعاده وحقيقته إلا عبر رصد مرحلتين ولحظتين من عمر النظام السوري هما لحظة السيادة والاستقرار والتي استطاع فيها النظام إغلاق المجال العام السياسي بوجه المجتمع ولحظة أزمته والثورة عليه حيث اقتحم المجتمع وفتح ودخل المجال السياسي العام من خلال الانتفاض على النظام والحراك في الشوارع والساحات والمدن والقرى والبلدات السورية رغماً عن أنف النظام وقواه وعلى شكل وهيئة ثورة انطلقت مع قطار الربيع العربي وشعاراته بتاريخ 18 أذار من عام 2011 بدءاً من مدينة درعا السورية. إن النظام من خلال تحالفه مع طبقة كبار رجال الدين كان يعلم أن هذه الطبقة ستجعل المارد المختبئ في الإيديولوجيا الدينية يغط في نوم عميق وسبات وفي حالة من الاستنقاع لأطول فترة زمنية ممكنة تجعل النظام يمتلك أطول فترة زمنية لازمة لمشروع التوريث. كما أن النظام كان يعلم أن هذه الطبقة من رجال الدين الحليفة له والتي ضمها أو ألحقها بصفوف الطبقة العليا للدولة الاستبدادية الحاكمة والتي تستبطن السياسي في الإيديولوجيا الدينية – وهي الطبقة التي عاشت وعرفها المجتمع العربي على مدار قرون بدءاً من نهاية الخلافة الراشدية بوصفها طبقة دين الدولة والسلطان وبوصفها الطبقة التي حولت الإسلام إلى إيديولوجيا للسلطة وبخدمة السلطة أياً تكن هذه السلطة – أقول إن النظام كان يعلم أن هذه الطبقة ستتحول أو بالأصح سيحولها وكيل نعمتها في لحظة وزمن الثورة عليه إلى إسلام سياسي مناصر ومعاضد له في مواجهة المجتمع. كما أن النظام كان يعمل في مرحلة استقراره ومن خلال دفعه إلى استبطان السياسي بالأيديولوجيا الدينية عند الطائفة العلوية إلى بناء العصبية الطائفية التي سيرتكز عليها وعلى النفس الطويل وحجر فوق حجر، بطريقة اشتعال الفتيل بالنسيس البطيء، وهو الاستبطان الذي سيعلن عن نفسه بشكله الصريح متحولاً في زمن الثورة إلى السياسي الصريح على شكل علوية سياسية صريحة خارجة من استبطانها الديني الطائفي إلى حقل السياسة بوصفها علوية سياسية تعمل على العصيان بالسلطة والدولة. كما كان يعلم النظام أن هذا الاستبطان للسياسي بالديني سيتحول عند كل الطوائف الدينية وتحديدا الأقليات الدينية أقصد هنا تحديديا طبقة كبار رجال الدين داخل الأقليات مع الواقعين تحت نفوذهم من عامة البشر، سيتحول في زمن الثورة على النظام إلى عصبيات سياسية طائفية حليفة للنظام. وهنا أقول أن أكثر ما يهمنا في عملية الاستبطان هذه هو الإشارة إلى الاستبطان الذي حدث داخل الطائفة السنية التي تشكل الغالبية السكانية داخل المجتمع السوري. فهذا الاستبطان قاد إلى ظهور ثلاثة أنواع من التدين حيث نجد. أولاً: التدين الشعبي الذي يعكس حالة روحية تؤمن التوازن النفسي للإنسان المؤمن, وهي حالة روحية دينية مقدسة لأنها بعيدة عن المصالح المادية الأرضية المدنسة، وهذا النوع من التدين عرفته وتعرفه كل المجتمعات في كل الأحوال والظروف, منذ أن ولدت البشرية ( وقبل أن تعرف الإله الواحد ) وحتى يومنا هذا. النوع الثاني: هو التدين الذي عرفه المجتمع السوري بعد صعود نظام الاستبداد الأسدي, والذي عرف بالمد والطوفان الديني الذي سيطر على ثقافة وقيم المجتمع السوري كما في بعض المجتمعات العربية إن لم نقل في أغلبها التي سيطرت عليها نظم استبداد مماثلة للنظام السوري, وهذا النوع من التدين جاء كما قلت في أسطر سابقة كنوع من كسر الصيام السياسي الذي فرضه النظام على المجتمع نتيجة إغلاقه المجال العام السياسي بوجه المجتمع ( وهو ما يمكن تسميته جدل هابط لممارسة السياسة بمقاييس العصر). وقد كان هذا النوع من التدين صفه الكتلة البشرية الأكبر داخل المجتمع السوري كما هو صفة الكتلة البشرية الأكبر داخل كل المجتمعات العربية التي تعيش في شروط وظروف الاستبداد المعمم الاقتصادي والسياسي والإيديولوجي, وحيث يضم هذا النوع في أحشائه وطياته النوع الأول الذي وصفناه بالتدين الشعبي العفوي، حتى يمكن القول أن هذا النوع من التدين هو التدين الشعبي مضافاً إليه هنا أنه يعكس نوعاً من ممارسة السياسة بشكل مضمر وصامت وسلبي, أي يعكس ردة فعل الشريحة الأكبر من المجتمع الراغبة في ممارسة السياسة ولكن المحرومة منها بفعل إغلاق نظم الاستبداد للمجال السياسي العام بوجهها واحتكار العمل السياسي والمجال العام السياسي لصالح الدولة والسلطة فقط , كما هو حال النظم السياسية ما قبل الرأسمالية. النوع الثالث من التدين: هو التدين السياسي الصريح والمعلن وهو ما أطلق علية في الأدب السياسي بالإسلام السياسي الإخواني أو القاعدي الجهادي, وهو يعبر عن حالة سياسية صريحة تهدف إلى بناء دولة ونظام سياسي على أسس دينية صريحة، وهذا النوع من التدين السياسي الصريح يجد مادته الخام في النوعين الأول والثاني من أنواع التدين. إن إدراك النظام السوري كون الثقافة الدينية والتدين هو ممارسة للسياسة بشكلها المبطن فإنه كان يعمل بذلك على التحديد المسبق لا للحلفاء فحسب بل إن الأكثر أهمية في عملية التحديد هذه هو تحديد ومعرفة خصمه السياسي القادم بشكل مسبق ( تحديد الجهة المعارضة سلفاً ) فبهذا كان النظام يعلم مسبقاً بنية وهوية وخصائص خصمه السياسي المقبل, وبالتالي كان يعمل ويعد كل الخطط والأدوات والطرق الناجعة واللازمة للقضاء على هذا الخصم المعارض المحتمل والمتوقع. إن استبطان السياسي – ومن الموقع المعارض للنظام في زمن الاستقرار- في الأيديولوجيا الدينية هو بلغة الفلسفة حالة من الإسلام السياسي الكامن أو الموجود بالقوة ويحتاج إلى إجراء عملية أو توفير شرط ومناخ لتحويله من إسلام سياسي موجود بالقوة إلى إسلام سياسي معارض وموجود بالفعل وحيث شرط ومناخ استمرار الإصرار على إغلاق المجال السياسي وممارسة أقصى حالات البربرية في مواجهة المجتمع الثائر هو أحد أهم هذه الشروط – اللازمة ولكن غير الكافية – في عملية التحول، هذه حيث سحق العنب تحت أرجل نظام بربري واستمرار ذلك لأسابيع وأشهر ثم لسنوات مع تعريضه لنار البربرية كان يشكل المناخ المناسب لعملية التحول هذه. وبالمقابل فإن هذا الاستبطان للسياسي في الأيديولوجيا الدينية في نفس الشرط، وتحديداً في شرط الثورة والنهوض يمكن أن يلغي عملية التحول المذكورة في الأسطر السابقة. فأن يكون الكحول موجود بالقوة بالعنب لا يعني في كل الحالات تحول العنب إلى كحول بكل الشروط والحالات – فلما كانت الثورة هي بالأساس عملية اقتحام للمجال السياسي العام وفتحه والدخول إليه بالقوة رغم أنف السلطة، ففي هذه الشروط تتوفر الحالة اللازمة والإمكانية كي يخرج السياسي المستبطن بالأيديولوجيا الدينية إلى حالة السياسي الصريح التحرري. فالعملية هنا تشبه تماما عملية تحول السكر الموجود في العنب إلى سكر موجود في زبيب العنب بدل أن يتحول السكر الموجود بالعنب إلى كحول في شروط أخرى. فما هي الشروط التي كان يدفع إليها النظام بكل قواه ليتحول الإسلام السياسي الموجود بالقوة إلى إسلام سياسي موجود بالفعل وعلى شكل إسلام سياسي جهادي ؟؟؟ وما هي الشروط التي كان يعمل النظام إلى توفيرها ليسد الطريق أمام المجتمع كي لا يعود السياسي المستبطن بالأيديولوجيا الدينية إلى السياسي الصريح وبحيث يخلع السياسي العباءة الدينية ويرتدي العباءة التحررية ويتحول السكر الموجود في العنب إلى سكر موجود في الزبيب بفعل شمس الخروج إلى الشوارع والساحات والتظاهر في المدن والقرى والبلدات، على أنغام شعارات الربيع العربي وعلى رأس هذه الشعارات شعار ” الشعب يريد إسقاط النظام ” . وهنا أقول واهماً من يعتقد أن خطة النظام للقضاء على الثورة من يومها الأول من خلال العمل على أسلمتها، كان ارتجالاً من النظام وابن لحظته السياسية, حيث وجد النظام وكما خطط أن أفضل طريقة لكي يكون التحول باتجاه الأسلمة هو محاصرة الكتلة البشرية الثائرة عليه في الجوامع ورميها في أحضان رجال الدين لمنعها من التجمع والسير والتظاهر بحرية في الشوارع والساحات والبلدات والمدن والقرى السورية, إذ أن الحال من دون هذا المنع سيقود بالضرورة إلى الانتقال من السياسي المبطن في الدين إلى السياسي الصريح ولكن الثوري والتحرري الذي سينفض عن كاهله كل غبار وأوساخ ثقافة التدين والدين كون هذا الانتقال يتم في زمن الثورة وزمن ثورات الربيع العربي التي جرّت الربيع السوري, فقد كان يدرك النظام أن سير الأمور والانتقال بهذا الاتجاه ( أي الاتجاه الثوري التحرري ) أمر لا يمكن مقاومته والوقوف بوجهه بالوسائل والطرق التي أعدها مسبقاً لمواجهة متوقعة كهذه. ولهذا السبب عمل النظام بكل ما يستطيع ويملك من قوة على منع تشكل قطب ديمقراطي حقيقي ولا سيما أن الأمور أتت على غير ما توقعه النظام بعد أن فشل في محاصرة الثوار في الجوامع كما كان قد خطط في البداية وبعد أن وصلت الثورة في اندفاعها وامتدادها بحيث استطاعت أن تحتل الشوارع والمدن والبلدات والقرى والكثير من شوارع المدن الرئيسية, لهذا عمل النظام إلى وضع رأس الثورة من النخب الشبابية المتنورة الثائرة في السجون حيث وصل العدد الحقيقي لعدد المعتقلين من الأسابيع والأشهر الأولى لانطلاق الثورة إلى عشرات الآلاف من الشباب الثائر, وفي المقابل أفرح النظام عن المعتقلين الإسلاميين وأطلق لهم حرية الحركة والهداية ” بنور ” أفكارهم الإسلامية الجهادية, ولنفس السبب قام النظام بتصفية قادة ورموز الحراك السلمي المدني وأصحاب العقول الحرة والمتنورة, وقد جاء اغتيال وتصفية النظام لأبرز قادة الحراك الثوري السلمي الديمقراطي المهندس معن العودات في درعا مهد الثورة السورية وفي غيرها من المدن الثائرة، تعبيراً عن إرادة النظام في تصفية خياراً للشعب السوري, وأعني هنا طبعاً خيار السلمية والمدنية والعقل المتنور الديمقراطي التحرري الثوري ليفسح المجال أمام خيار آخر هو الخيار الإسلامي الظلامي العسكري غير التحرري وغير الديمقراطي أي كان اغتيال وتصفية النظام لقادة الحراك السلمي المدني هو اغتيال وتصفية للقطب الديمقراطي التحرري داخل الثورة أو لنقل كان بهدف قطع الطريق لولادة هذا القطب داخل الثورة في مقابل إفساح المجال أمام إمكانية ولادة وظهور القطب الديني الطائفي غير الديمقراطي كي يكون القطب المقابل للنظام في الصراع, فمن دون ولادة القطب الديني الطائفي كان يعلم النظام وحلفاؤه صعوبة تحويل ميدان الصراع إلى الميدان الطائفي وبالتالي صعوبة واستحالة حرف الثورة عن مجراها ومسارها من ناحية وسهولة القضاء عليها من ناحية ثانية. وما سهل على النظام في تحقيق استراتيجيته هذه هو أنه حصل في الحالة السورية ما يمكن تسميتها بالحالة النادرة في التاريخ السياسي، أقصد هنا في أن الاتجاه الذي عمل النظام لدفع الثورة للسير فيه كان هو ذاته الاتجاه الذي دفعت المعارضة لتسير وفقه الثورة، أقصد هنا الدفع باتجاه أسلمة الثورة، فكان أن مارست المعارضة نوعاً نادراً وصافياً من البهيمية السياسية، وكوني سأعالج مواقف كافة أطياف المعارضة من الثورة في مقال مستقل قادم إلا أني في هذا المقال سأرصد مواقف اتجاهين قصويين داخل النخب السياسية والثقافية السورية المحسوبة قولاً على التيار العلماني الديمقراطي ذي الأصول اليسارية أو القومية . فهذان الاتجاهان نظرا إلى مسألة استبطان السياسي بالأيديولوجيا الدينية عند الكتلة البشرية الساحقة داخل المجتمع على أنها لحظة ثابتة – أقصد هنا لحظة ما قبل الثورة – لا بل يمكن القول أن كلا الاتجاهين اعتبرا أن ما هو موجود بالقوة وكأنه حاصل بالضرورة بالفعل، أي إذا كان استبطان السياسي بالأيديولوجيا الدينية عند غالبية المجتمع هو عبارة عن حالة من الإسلام السياسي موجودة بالقوة فإنهم اعتبروا ذلك سلفاً وكأنه موجود بالفعل بعيداً عن فهم التحولات التي تحصل في الوعي في زمن وشروط الثورة، وعلى أساس هذا التثبيت فقد رأى الاتجاهان أن إرادة غالبية المجتمع وتحديداً داخل الطائفة السنية وكتلتها الثائرة أنها هي ذاتها إرادة الإسلام السياسي – على هذا الأساس سيشكل كلا الاتجاهين وجهين لعملة واحدة – وعلى هذا الأساس قام الاتجاه الأول بالوقوف مع الثورة والسير مع هذه الكتلة ولكن مع دفعها باتجاه الإسلام السياسي واتجاه أسلمة الثورة أو لنقل لم يمانع بالسير بالثورة نحو الأسلمة من خلال تسليم رأسها السياسي والعسكري للإسلاميين ، وبالمقابل قام الاتجاه الثاني بالوقوف بوجه الثورة وعاضد النظام باعتبار أن هذه الكتلة البشرية الثائرة هي جزء عضوي من الإسلام السياسي وبالتالي اعتبر أن ما حصل ليس بثورة بل حركة إسلامية فاشية ويجب القضاء عليها بأي ثمن وبما يعني الوقوف مع النظام وتأجيل الحديث عن إسقاطه، وهنا أقول إن أساس التشويش في الرؤيا عند كلا الاتجاهين يكمن أساساً – إضافة لأسباب كثيره لا مجال لتناولها في هذا المقال – في عدم إدراك هذه النخب كما غالبية النخب العربية بأنه عندما انطلق الربيع العربي أبدت الشعوب العربية كلها قدراً غير متوقع لا من قدرتها وإرادتها على تغيير الواقع فحسب بل قدراً غير متوقع من إرادتها على الانفكاك عن ثقافة وقيم وعقل ما قبل الثورة, فحركة الشعوب في الشوارع والساحات كانت تولد في كل يوم ولحظة حركة مقابلة في العقل والثقافة والقيم والأخلاق، فشمس وهواء الحرية في الشوارع كانت تزيل وتكنس كل ما علق بعقولها وثقافتها من أدران وأوساخ المستنقع الذي وضعتهم وحاصرتهم بداخله نظم الاستبداد العربي لعقود من الزمن , ولكن ما كان مفاجئاً ليس عمل نظم الاستبداد العربي بكل ما تملك من وسائل وأدوات وقدرات على إعادة هذه الشعوب إلى قمقمها الثقافي والعقلي والأخلاقي القديم الذي نشأ وتكاثر داخل مستنقع الاستبداد, أقول: إن المفاجئ وغير المتوقع كان وتأتى من النخب السياسية والثقافية التي لم تبق رهينة وحبيسة تصوراتها السياسية والثقافية المكونة في زمن ما قبل الثورة فحسب بل عملت في نفس الاتجاه الذي كانت النظم تدفع إليه الشعوب, فهذه النخب التي من المفترض أن تشكل الدليل والقائد والمنظم لحركة الشارع العفوية من الناحية السياسية والثقافية والأخلاقية لم تدرك أن للثورة ثقافتها وقيمها وأخلاقها وعقلها السياسي المختلف نوعياً عن عقل ما قبل الثورة، أي لم تدرك أن للثورة تصورات وعقلا وثقافة تولد وبشكل يومي ومتجدد في سياق الحركة في الشارع وبما يعني ضرورة عدم البقاء رهينة لا تصوراتها السياسية القديمة فحسب بل عدم البقاء عند مستوى خلافاتها السياسية القديمة الأمر الذي يعني أن اليقين السياسي والأخلاقي والثقافي هو يقين متحرك ومربوط أخلاقياً وسياسياً بخدمة نجاح حركة الشارع ولو على حساب كل التصورات واليقينيات القديمة المسبقة الرمادية اليابسة, أي أن هذه النخب لم ترتق إلى مستوى عقل ثورة تدب فيه الحياة, ولهذا ولهذا فقط بدت كل النخب السياسية والثقافية التي سرقت التمثيل السياسي من الحركة العفوية ومن الشباب الذي أول من أوقد نار الثورة، أقول بقيت هذه النخب وكأنها كتل غريبة تطفو على سطح الحركة, وكون هذه النخب سارت على نفس الطريق والاتجاه الذي أرادته النظم القديمة أو مخلفاتها فإنها استطاعت شيئاً فشيئاً أن تشكل قوة عطالة للتغيير أو لعودة مخلفات بعض النظم إلى كرسي السلطة, ولأنها فعلت ذلك كان سهلاً إعادة الشعوب العربية ولو في المدى المنظور إلى قمقمها الثقافي والعقلي القديم كما كان سهلاً وطبيعياً أن نرى حالة الإحباط السياسي والسلبية التي تعيشه الشعوب العربية في أكثر من ساحة أخمدت فيها نار وجذوة الثورة .إن ما هو مثير للاشمئزاز في حالتنا السورية هو أن مناصري الإسلام السياسي – الاتجاه الأول – ومناصري الاستبداد – الاتجاه الثاني – كلاهما وجهان لعملة واحدة. وكلا الوجهين استبطن في الغالب نزعة وميلاً طائفياً، كما أن كلا الوجهين استبطن قدراً عالياً من الانحطاط السياسي والأخلاقي . لقد قام الاتجاه الأول برمي الثورة وبشكل طوعي وبدون أي شروط إلى حضن الإسلام السياسي بكل أشكاله وهو الأمر الذي تجلى أكثر ما تجلى لا في مجموعة من التواطؤات التي قادت إلى إعطاء الإخوان المسلمين حصة الأسد في كل مؤسسات المعارضة وعلى مبدأ الاحتكار والغلبة للإخوان ولداعميهم الإقليميين بل كذلك في مجموعة التواطؤات والصمت إن لم نقل المشاركة في استبدال مشروع الجيش الحر بمشروع مجموعة فصائل إسلامية بحيث تكون أداة عسكرية لإسقاط النظام، وقد كان أبلغ تعبير عن هذا الرهان في الزيارة التي قام بها رئيس أول مجلس وطني للمعارضة السورية إلى مدينة بنش بعد تحريرها من قبضة النظام في محافظة إدلب، أقصد هنا الزيارة التي قان بها برهان غليون وهي الزيارة التي مهد لها وأعدها ونظمها المدعو أبو محمد العدناني ( واسمه الحقيقي طه صبحي فلاحة ) الذي كان قد تنقل بين تنظيم القاعدة وفرعيها جبهة النصرة ثم داعش ليستقر به المطاف ليصبح اليد اليمنى ل ( أبو بكر البغدادي ) رئيس تنظيم داعش والناطق الرسمي باسم التنظيم، وهي الزيارة التي أتحفنا بها برهان غليون مع صورته وهو يرفع يد وبندقية ( أبو محمد العدناني ) بوصفها البندقية التي ستسقط النظام ، وهي الصورة التي جعلت كما أعتقد رأس النظام السوري المعزول والمحاصر في قصره حينها يصرخ كالمجنون فرحاً وهو يقول : أنا الوريث القاصر لقد استطعت أن أدخل جهابذة المعارضة ومعهم الثورة في المصيدة والمتاهة التي رسمتها لهم، لقد كانت الكتلة البشرية التي استبطنت السياسي بالأيديولوجيا الدينية طيلة فترة ما قبل الثورة أمام خيارين لا ثالث لهما، فإما أن يدفع بها أمام جحيم قمع وبربرية النظام إلى أحضان الفصائل الإسلامية التي حلت مكان الجيش الحر بحيث تشكل حطب وقود لبرامجها وأجندات داعميها الإقليميين، وبحيث يتحول الإسلام السياسي الموجود بالقوة داخل الاستبطان في الإيديولوجيا الدينية إلى إسلام سياسي موجود بالفعل، بفعل ضرورة الدفاع عن الحياة في مواجهة نيران نظام بربري وبفعل ضرورة كسب العيش والبقاء على قيد الحياة في شروط الحصار الذي فرضه النظام على المناطق الثائرة، وهذا ما كان يأمله النظام لجعل الظباء تختلط مع قطيع الذئاب الإسلامية أو- الخيار الثاني- أن تدفع هذه الكتلة البشرية التي لطالما استبطنت السياسي داخل الأيديولوجيا الدينية في ظل حكم الأسد الأب والابن لتحمل السلاح وتدافع عن نفسها وفق برنامج ديمقراطي شامل يخلص كل السوريين من نير الاستبداد وضمن وعاء تنظيمي سياسي وعسكري يضم الجميع بدون استثناء علمانيين وإسلاميين ويساريين ويمنيين وليبراليين وقوميين عرباُ وكرداُ وكل من دب وهب على الأرض السورية…الخ وعلى قاعدة ومبدأ الشراكة الوطنية الحقيقية بعيداً عن مبدأ ومنطق الغلبة والاحتكار وتحت راية الثورة الملونة بكل أطياف المجتمع السوري طبقياً وسياسياً وثقافياً واجتماعياً، فبهذا وبهذا فقط كان يمكن أن يتحول السياسي المستبطن في الدين إلى السياسي الصريح ولكن التحرري. وهنا أقول لم تظلم الثورة السورية في كونها واجهت نظاماً استثنائياً بكل المعاني والمقاييس الحضارية والسياسية والاجتماعية والطبقية فحسب، ولم تظلم كونها واجهت نظاماً عالمياً وإقليمياً تآمر كل بطريقته على وأدها فحسب، ولم تظلم كونها ثورة تمت قيادتها من نوع كهذا من النخب السياسية والثقافية، بل ظلمت لأنها واجهت نوعاً خاصاً استثنائياً من النخب السياسية والثقافية العبودية، التي ترتدي عباءة الفكر العلماني والديمقراطي واليساري، أقصد هنا الاتجاه الثاني الذي أشرت إليه في الأسطر السابقة والذي وقف في وجه الثورة. إن ما ميز قطاعات من النخب السياسية والثقافية السورية التي تدعي العلمانية واليسارية لم يكن خيانتها للثورة الديمقراطية السورية وبما يعني تمنعها وترددها في الانخراط في الثورة وخوض تجربة النضال الثوري الديمقراطي ضد نظام الاستبداد المعمم الذي حكم سوريا لمدة تقارب النصف قرن من الزمن تحت شعار ” سوريا الأسد ” ومن ثم ” شعار الأسد أو نحرق البلد ” , أي لم يكن ما ميز هذه النخب عدم انخراطها في الثورة ضد نظام مجرم طائفي استبدادي برجوازي بل إن أكثر ما ميزها- وهو ما يدعو إلى الدهشة والتعجب والاستغراب- هو تبريرها لكل الأعمال الإجرامية التي ارتكبها النظام وفي كثير من الحالات دعوتها وتشجيعها النظام لاستخدام المزيد من العنف والقتل والتدمير بحجة أن النظام يواجه حركة إسلامية فاشية تشكل خطراً على المجتمع يفوق خطر بقاء ووجود النظام وبحجة أن هذا الحراك الإسلامي هو امتداد وأداة لمؤامرة إمبريالية أمريكية صهيونية بالتشارك مع الرجعية العربية وبعض الدول الإقليمية. لقد كانت حجة بعض النخب السياسية والثقافية ” اليسارية ” و” العلمانية ” السورية التي وقف بعضها من اليوم الأول مع النظام وخان الثورة ولا سيما النخب التي كانت تنتمي لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها ويرعاها النظام أساساً أو النخب التي رفضت المشاركة في الثورة كون الثورة لم تأت كما حلمت بها في خيالها السياسي والثقافي أو كما قرأت عنها بالكتب الثورية الماركسية حيث لا وجود لحزب ثوري ماركسي لينيني يقود الثورة والانتفاضة الثورية البروليتارية وحيث لا وجود لقائد ماركسي ثوري تلتف حوله الجماهير وتهتف بحياته كي يقودها إلى النصر والحرية والتحرر أو النخب التي قاطعتها كونها خرجت من الجوامع ولم تخرج من المراكز الثقافية وبما يعني أن المتظاهرين لم يمروا بمرحلة التنوير العقلي أو لم يعرفوا ثقافة التنوير العقلي وعصر الأنوار الثقافي كالتنوير العقلي والثقافي الذي عرفته الشعوب الأوروبية زمن النهضة الرأسمالية الأوروبية، ومن هذه النخب اليسارية ( وهنا المفارقة ) ممن قضوا في سجون النظام الاستبدادي سنوات وسنوات من الاعتقال التعسفي بوصفهم معتقلي رأي سياسي. لقد كانت حجة هؤلاء جميعاً هو أن الحراك الذي شهدته سوريا بدءاً من 18 اذار 2011 يوم انطلاق الشرارة الأولى التي فجرت الثورة السورية في أرض حوران كان حراكاً إسلامياً أو أن المتظاهرين السلميين الذين نزلوا إلى الشوارع كانوا يقعون تحت تأثير الفكر الديني الإسلامي أو يسيطر على عقولهم الفكر الديني الإسلامي بدلالة أن هذه المظاهرات كانت تخرج من الجوامع لا من الساحات والمراكز الثقافية على حد زعمهم, وهنا نقول لهؤلاء لنفرض جدلاً أن كل الذين نزلوا إلى شوارع درعا بما فيهم المهندس الشهيد معن العودات والآلاف من أمثاله كان يسيطر عليهم ويطغى على ثقافتهم الفكر الديني الإسلامي فهل يبرر أن تطلق عليهم قوات وقطعان النظام الرصاص الحي لمجرد كونهم ذوي ميول وانتماءات أيديولوجية غير يسارية وغير علمانية ؟؟؟ فهل حقوق البشر في الحرية والتحرر من نير الاستبداد هو حق حصري لأصحاب الأيديولوجيا اليسارية أو العلمانية أو الليبرالية أو القومية …الخ ؟؟؟ ألا يشكل حصر الحق في الحصول على الحرية والمطالبة بالحرية والتحرر لأصحاب إيديولوجيا دون غيرها نوعاً من التمييز العنصري والبربرية بكل المقاييس إن كانت العصرية أو حتى بمقاييس العصور القديمة ؟؟ أليس التحرر من العبودية حق لكل إنسان بعيداً عن انتمائه الديني أو الأيديولوجي ؟؟ أليس إنكار حق الحرية والتحرر على المتظاهرين السلميين الإسلاميين أو بحجة أنهم إسلاميون هو تبرير ومشاركة في القتل البربري الذي قامت به قطعان النظام بحق أهل حوران أولاً ثم بحق كل السوريين بعد أن امتدت شرارة الثورة إلى كل المدن والقرى والبلدات السورية. ؟؟؟ ولماذا رأى هؤلاء العنف الذي كان محدوداً جداً في صفوف المتظاهرين وأغلبيته من صنع النظام أو لنقل مفبركاً من قبل النظام ولم يروا العنف البربري والسبي الذي كانت تقوم به قطعانه الطائفية في وقت لم يكن في سوريا قطعة سلاح واحدة خارج يد الدولة والنظام ؟؟؟؟ ومن جهة أخرى أقول لمن خان أو قاطع الثورة بحجة ان أغلب المتظاهرين كانوا ينتمون إلى اتجاه إيديولوجي إسلامي بدلالة خروجهم من الجوامع إلى الشارع للتظاهر ضد النظام, ما هو العائق الذي حال دون نزول هؤلاء العلمانيين واليساريين ليتصدروا المشهد السياسي والثوري ويقودوا المتظاهرين، أو يكونوا جزءاً عضوياً مشاركاً في الحراك الثوري وذلك لقطع الطريق أمام أي مشروع إسلامي يتخوفون منه ؟؟؟ لماذا لم يشكلوا في الواقع المتحرك السوري قطباً ديمقراطياً علمانياً يسارياً على مقاسهم كي يجذب هذا القطب الكتلة البشرية المتحركة ويمنع سقوطها في أحضان الإسلام السياسي الجهادي وغيره أو يمنعوا أن تكون واجهة هذا الحراك السلمي الثوري مقتصرة على الإسلاميين الذين يتخوفون منهم ؟؟؟ أم أنهم حكموا من اليوم الأول على كل هذه الكتلة من المجتمع بالأسلمة والإرهاب ؟؟؟ أم أن خوفهم من رصاص وشبيحة النظام هو ما حال دون نزولهم إلى الشوارع للمشاركة ؟ لماذا لم يقتدوا بالشيوعي المحبب على قلوبهم لينين عندما كان شعاره عندما قامت الثورة الروسية ” فلنبدأ ولنرى ” حيث لم يكن يخشى من غلبة الوجود المنشفي المشارك في الثورة في البداية وحتى عندما كانت هناك مخاوف من عدم نجدة الثورة الروسية والطبقة العاملة الروسية من خلال ثورة الطبقة العاملة في ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية ؟؟؟ أم أن هؤلاء لا يثقون بالجماهير والشعب الذي يكثرون من الحديث عنه وباسمه ؟؟؟؟ أم أنهم يعلمون أن الجماهير لا تثق بهم أو لنقل لا تعرفهم ولم تسمع بهم كون النظام الذي لم يعد يخافون منه زج بهم في ظلمات سجونه لعقود وعقود من الزمن وهو الأمر الذي جعل أغلبية المجتمع لا تعرفهم ؟؟؟ كما نسأل ما هو العائق الذي حال دون نزول هؤلاء العلمانيين واليساريين من الساحات والمراكز الثقافية التي بناها النظام والتي ” تملأ ” كالفطر المدن السورية ؟؟؟ أم أنهم لم يجدوا موطئ قدم في الساحات التي كانت تملؤها الشبيحة وقطعان النظام الطائفية في كل يوم وعلى مدار الساعة ؟؟؟؟ أم أنهم لم يجدوا إلا الجوامع التي بناها النظام وتكاثرت في المدن السورية والبلدات كالفطر برعاية وإشراف وتخطيط من رأس النظام ذاته ؟؟؟ من المؤكد أن هناك الآلاف من الأسئلة التي يمكن أن نسألها لهؤلاء عن سبب امتناعهم عن المشاركة في صنع ثورة ديمقراطية أو صنع ثورة يسارية علمانية على مقاسهم, ومن المؤكد كذلك أننا سنجد لديهم الآلاف من الأعذار والأكاذيب والمبررات عن سبب عدم قيامهم بأي فعل ثوري على الأرض, ولكنهم لن يعترفوا ويكشفوا عن السبب الحقيقي الذي حال دون قيامهم بأي فعل ثوري معارض ذي معنى ومغزى على أرض الواقع, لن يقولوا إن جبنهم وخوفهم من الرصاص الحي الذي كان يطلق على المتظاهرين السلميين هو من كان وراء تخلفهم وخيانتهم وترددهم في المشاركة أو في الاندفاع لصنع ثورتهم التي حلموا بها, أو أن ارتدادهم الثقافي الطائفي هو ما منعهم من الانخراط تحت تأثير فوبيا الإسلاميين. إن قمة الانحطاط الاخلاقي لهؤلاء أنهم بدل أن يعترفوا بجبنهم وخوفهم من رصاص النظام أو خجلهم من الاعتراف بطائفيتهم نجد أنهم انتقلوا إلى الضفة الأخرى وأصبحوا من دعاة إطلاق الرصاص على المتظاهرين أو من الذين يبررون بوعي أو من دون وعي بقصد أو من دون قصد إطلاق الرصاص على المتظاهرين بحجة كونهم متظاهرين يعتنقون أيديولوجيا مخالفة لأيديولوجيتهم, أو من خلال إنكار الفترة السلمية المدنية للثورة أو من خلال الخلط بين المرحلة السلمية للثورة ومرحلتها العسكرية أو من خلال الخلط بين داعش ومشتقاتها التي طفت على سطح الثورة والثورة الأم الأساس، ثم نسأل هؤلاء ” العلمانيين واليساريين ” أحفاد وبقايا العبودية السياسية الستالينية والماوية الصينية وتوحش بول بوت ( الخمير الحمر ) وكثيرين غيرهم من أحفاد العبوديات التي عرفها القرن العشرين بأشكال ” قومية ” و ” شيوعية “. ما هي الإجراءات التي حققها أو قام بها النظام السوري استجابة لمطالب المتظاهرين السلميين والتي لم تعترف بشرعيتها هذه النخب الخائنة فحسب بل اعترف بشرعيتها حتى رأس النظام المجرم في الأشهر الأولى للثورة السورية في أحد خطاباته ؟؟؟؟ كما نسأل ما هي الإجراءات التي قام بها النظام حتى استجابة للمطالب المتملقة لهذه النخب الخائنة حتى يتم قطع الطريق على تطور الأحداث وسيرورة الصراع التي اتجهت نحو مسار تدميري بحكم تعنت النظام وإصراره على عدم الاستجابة حتى للحد الأدنى من مطالب لا قوى التغيير داخل المجتمع السوري بكل أطيافها فحسب بل حتى عدم استجابته للحد الأدنى من مطالب هذه النخب الخائنة ؟؟؟ كما عدم استجابته حتى لمطالب نائب رأس النظام فاروق الشرع حين اقترح على رأس النظام المواجهة السياسية مع الشارع بدل المواجهة الأمنية البربرية ؟؟؟ كما نسأل ما هي الإجراءات التي قام بها النظام لمنع وقوع هذه الكتلة البشرية الكبيرة الناهضة كي لا ترتمي في أحضان الإسلام السياسي الجهادي ؟؟؟ ألم يعمل النظام ليل نهار لتوليد وإيجاد هذا الإسلام السياسي الجهادي كبديل عن الحراك السلمي المدني وذلك كي يعطي شرعية لكل أعماله البربرية ولكي يدفن الثورة في مقبرة الصراع الطائفي الشيعي السني ؟؟؟ من المؤكد أن لا جواب على هذه الأسئلة سوى جواب واحد – لم يتغير من اليوم الأول للثورة حتى يومنا هذا فحواه أن الإسلاميين يشكلون خطراً على المجتمع السوري يفوق خطر وجود النظام الاستبدادي. وهنا نسأل هؤلاء من المسؤول عن ولادة ووجود هذه الكتلة البشرية التي كما يقولون يطغى على تفكيرها وثقافتها الفكر الديني الإسلامي. كما نسألهم عن رأيهم بما قاله يوماً حول هذا الموضوع الكاتب المسرحي الكبير سعد الله ونوس: ” إن المدجنة الحقيقية التي تفرخ الجماعات الإسلامية المتطرفة هي الأنظمة العسكرية والمستبدة، فهذه الأنظمة هي التي خنقت روح الشعب وأغرقته بالشعارات والرعب وفاقمت مشكلاته بالتبعية والنهب وهي التي تدفع هذه الأجيال الممزقة والمهمشة إلى حلول طوباوية وخيالية ،وإلى ردود أفعال يائسة ،وحين يخيّر إنسان مقموع ومنهوب بين(إله ديني) يعده بالخلاص وبين(إله)أرضي يقمعه وينهبه ،فإنه من الطبيعي أن يفرّمن زنازين الأرض إلى فضاء السماوات ” . هذا إذا ما أضفنا أن النظام الذي يدافعون عنه هو من زرع سوريا بطولها وعرضها بعدد من بيوت الدين ( الجوامع وغيرها ) يفوق عدد ما تم بناؤه في التاريخ السوري منذ أن عرفت سوريا الإسلام قبل حوالي 1400 عام حتى يومنا هذا ؟؟؟ وهنا نسأل خونة الثورة المطالبين بتأجيل الثورة وعملية التغيير الديمقراطي إلى زمن آخر تكون فيه الشروط والظروف أكثر ملاءمة للثورة والتغيير الديمقراطي. هل ننتظر حتى مجيء حكم حافظ بشار الأسد إلى سدة الحكم والسلطة والذي سيزرع – كما فعل جده ومن بعده والده – سوريا ببيوت الدين ؟؟؟ أم أنهم ينتظرون منه أن يزرع سوريا بالمراكز الثقافية حتى تتوفر كل الشروط والظروف الملائمة لأحفادهم أن ينهلوا الثقافة الديمقراطية التنويرية التحررية ومعها تنضج وتكتمل شروط الثورة الديمقراطية التي ستقتلع بيت الأسد من السلطة ؟؟؟ إن القول بتأجيل الثورة إلى زمن آخر في ظل نظام يقوم على العصبية الطائفية وصاحب مشروع توليد سلالة عائلية حاكمة في سوريا هو كمن يؤجل الحريق في بيته إلى اليوم الثاني لا أكثر ولا أقل. أخيراً أقول إن المرسوم التشريعي رقم 16العام 2018 والذي أصدره النظام حول تسليم رقبة وعقل المجتمع لرجال الدين التابعين لوزارة أوقاف النظام لم يشكل صفعة للوجه القبيح لهذه النخب بل جاء ليمهد الطريق لجولة جديدة من البربرية ولإجهاض أي ثورة قادمة بحجة أنها ستضم في صفوفها الكثير من المتدينين أو لنقل من استبطنوا السياسة في الدين.

لوموند

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »