الرئيسية / ثقافة / جمال خاشقجي: و”سرد أحداث موت معلن”

جمال خاشقجي: و”سرد أحداث موت معلن”

الرقة بوست – معبد الحسون

هناك رواية مشهورة للكاتب الكولومبي الشهير: غارسيا ماركيز، بعنوان (سرد أحداث موت معلن). الرواية بسيطة الفكرة بشكل غير متصور، بل إن عظمتها الفنية والروائية جاءت من تبسيطها الذي يصل بها إلى حدود العقدة المستغلقة التي لا حل لها، مثل بعض الحزازير والأحجيات العصية على الحل تماماً. سليم نصار سوف يُقتل من قبل أخوين شقيقين في البلدة اتهماه بالاعتداء على شرفهما. سليم نصار يعلم انه سوف يقتل. السكان جميعاً يعلمون بمقتله الوشيك، وملمون بهذه القضية. وهم يتعاملون معها بوصفها حقيقة نهائية. الشرطة وجميع الإداريين والبلدية والقضاء والحاكم والمختار والحكومة والدولة.. وجميع المؤسستين؛ الرسمية والشعبية، وعائلة اللذين سوف يقتلان سليم نصار، وجميع من يعرفون سليم نصار واصدقائه أو يتصلون به بعلاقة.. الكبار والصغار، والنساء والرجال، الكل يعلم بالجريمة قبل حدوثها، إلى درجة أن هذا الموت المعلن قد بات معلناً زيادة عن الحد الطبيعي، وصار الجميع يتعاملون معه أساساً كقضية مُسلمة، يتصرفون على أساسها.. حتى إذا ما وقعت حقيقة، وقتل سليم نصار، لم يبدِ أحد دهشته أو استغرابه، أو حتى أدنى انفعالٍ في تلقي ردة الفعل على الخبر..

في السياق نفسه، وبالمقارنة مع “سرد أحداث الموت المعلن”، أختلف مع وجهة النظر التي أبداها كثير من المتابعين لقضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، والتي تحاول الاعتراض على هذه الضجة الإعلامية العالمية غير المسبوقة، وتستنكر مبدية دهشتها بأن المسألة قد زادت عن حدود الإعتدال في التغطية، إلى درجة أنها شغلتنا ـ نحن السوريين ـ عن كثير من القضايا ذات الشأن المتصل بمحنتنا السورية، أكثر أهمية منها.. بل إن بعضهم راح يتساءل: ما الذي يجعل دماء الخاشقجي أهم في معيار المتابعة والاهتمام من دماء مئات الآلاف من السوريين، وما الذي يجعل ظروفها أوجب بهذه الضجة والتغطية من ظروفنا.. والملاحظة دقيقة ومشروعة، لكنها تغفل ملمحاً مهماً في القضية، وهو أن طبيعة كل قضية يتناولها الإعلام العالمي أو تحظى بالقسط الأوفر من الاهتمام الدولي هي ” جزء من تفكير العالم”، ومستوى المعيارية الأخلاقية والمصالحية السائدة فيه هو، لا في مستوى اهتمامنا نحن، وما نرغب به أو نتمناه أو نضعه في قدره المطلوب من الأهمية..

عن الرجل ـ جمال الخاشقجي ـ  وبكامل الصدقية لمشاعرنا الأسيفة على المصير الذي انتهى اليه في قنصلية بلاده ـ وبهذه الطريقة والأسلوب الدرامي الذي لا نعثر عليه إلا في الأفلام البوليسية وروايات الثأر والإثارة التي تستميت في جذب اهتمام القارئ او المشاهد، ودون انتقاص من قَدْرِه وقَدَرِه الذي انتهى إليه، ولا تقليلاً من هول الجريمة أو تبخيساً لما قيل أو ما يزال يقال ويتناول على هوامش حيثياتها المتتابعة فصولاً.. أقول: ثمة استفسارات؛ لا أرى أنها طرحت بقوة، ولا بالجدية المطلوبة في كل ما دار من نقاشات ومتابعات وتعليقات.. منها مثلاً: لماذا تغطى، على المستوى العالمي، جريمة قتل صحفي بأكثر مما جرى تاريخياً لشخصيات لعبت دوراً أكثر منه أهمية في الشأن العام، وكلها كانت مدرجة في سياق ملف الاغتيال السياسي..؟ مثل جريمة اغتيال الكاتب والمعارض السعودي ناصر السعيد مثلاً.. ؟ أو اغتيال الكاتب سليم اللوزي، صاحب جريدة الحوادث اللبنانية، والتمثيل بجثمانه من قبل مخابرات النظام السوري أواخر السبعينات؟ فإذا كان مفهوماً لدينا الأهمية التي يحتلها في خارطة الشأن العام، والتأثير الدولي والمحلي، أشخاص قد جرت تصفيتهم في الماضي بذات الطريقة المسرحية والاستعراضية المؤثرة، والمخطط لها كالسيناريو المسبق، كطريقة التصفية الجسدية للرئيس العراقي صدام حسين، أو رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، أو عشرات الشخصيات اللبنانية والسورية التي يصعب حصرها في مثل هذه المقالة، فلماذا تمّ وضع مثل هذا السيناريو المرتبك وغير الموفق بكل المقاييس لقتل شخص ما..! خاصة إذا تذكرنا أن تركيا بالذات، كانت مسرحاً لعمليات اختطافات واغتيالات سياسية، هي من الكثرة بحيث تؤلف سياقاً تاريخياً مستقلاً، ومؤلفاً توثيقياً في التصفيات ضخم الحجم.. كلها لا تكاد تشبه هذه القضية الأخيرة؛ ولا الطريقة التي تمت بها..

كان ممكناً جداً أن تمر القضية خلال ساعات من التغطية الإعلامية وينتهي الأمر، لا أن تُستدام أياماً وربما سوف تصبح أسابيعَ. وكان ممكناً أيضاً أن لا تبدي أية جهة دولية اهتماماً زائداً بها، بأكثر من اهتمامها بجريمة من جرائم الدول المعتادة، وما أكثرها .. فلماذا هذه القضية بالذات..؟ أضف إلى كل ذلك ما يتم تداوله، في حيرة وعطش لمعرفة الحقيقة، أوَلم يكن من الممكن تصفية الخاشقجي خارج القنصلية، و بأدوات إجرامية محترفة لا تورط كل هذا العدد من الشخصيات الرسمية السعودية؟ وبغير هذه الطريقة الساذجة والمشينة وغير المسبوقة في أية سابقة من سوابق الجرائم السياسية للدول والحكومات..؟ إذ كان يكفي تكليف مجرم أو عصابة قتل مستأجرة ومحترفة، والقضاء على الرجل بأساليب لا تحتمل كل هذا الغلواء والمغالاة الذي بدا وكأنه متعمد ومقصود في ذاته. ولو أن الأمور جرت في مثل هذه السياقات إذن لتجنبت كثيراً من هذا الضجيج، وتركت الباب مشرعاً لتبرئة الحكومات ونفاذها من المساءلة والعقاب، وإعطائها الحجة والبينة الصريحة على براءتها بدون هذا المشهد البوليسي الكابوسي السيء النص والإخراج.. والذي تبدى وكأنه توريط متعمد لكل ما يتصل بالسعودية؛ ملكاً وولي عهد وموظفين وضباطاً ودبلوماسيين ومستشارين رفيعي المستوى..!؟

الرجل لم يكن سياسياً مؤثراً بصورة مباشرة على المستوى الرسمي، ولا امتلك يوماً ما من المؤثرات الناجزة ما يؤهله لأن يوصف بأنه مهدد حقيقي أو ضمني للأمن القومي السعودي، أو لمكانة الملك أو ولي عهده الموتور دائماً.. بل ـ على العكس من ذلك ـ إن جريمة تصفيته بهذه الطريقة هي المهدِدة والملوثة للسمعة ولتاريخ العائلة المالكة غير الناصع أصلاً، وهي التي منحت الحدث نتائجه العكسية تماماً.. فلماذا كانت الاستجابة الدولية والعالمية متفاعلة ومتابعة ومتأثرة لهذه الطريقة التمثيلية بأكثر مما يجب.. حتى ليكاد يراودنا شعور بأن القضية برمتها هي نص مسرحي بامتياز (وهي كذلك بالفعل)، محسوب بدقة وعناية، ومطلوب من أوسع عدد ممكن من الأطراف الإشتراك في تمثيله، أو أداء دور ما فيه..؟

في الواقع، إن الأسئلة العميقة لا يمكن طرحها بالطريقة التي يتم تناولها بها حتى اللحظة، والإجابات النمطية الرسمية هي الأخرى لا تكاد تلامس طرفاً من أطراف حقيقة ماحدث. فالرجل ينتمي ، في المستوى غير الرسمي، وغير المتناول والمتحدث فيه، وبطريقة قد تكون معلومة في عمومها، وإن تكن مبهمة، غير معلومة التفاصيل، إلى عالم الدولة العالمية العميقة، وتفاصيل شغلها غير المفهوم كثيراً، وبأكثر مما يمثل أو يعبر عن صفته كمواطن أو صحفي سعودي، يعمل في الصحافة العالمية (كاتب عمود خاص به في الواشنطون بوست).. وهذه الريبة بانتمائه الى عالم وخارطة غير معلنَين وغير رسمييَن، لا يؤكده أو يثير الريبة فيه درجة قرابته من عائلة الخاشقجي (وهي العائلة المعلومة في تاريخ علاقاتها بالمجتمع الدولي والدولة العميقة المؤثرة في تسيير أقداره وأحداثه)، وإنما يؤكده كذلك الدور الذي لعبه جمال خاشقجي في ترتيب المسرح الأفغاني، فترة تأسيس الطالبان والقاعدة، والتحضير لمسرح عمليات عسكرية وسياسية استراتيجية وخطيرة، سوف تمتد لسنوات، ولم تنتهِ فصولها حتى اليوم، كما أنها سوف تهز الشرق الأوسط بكامله وتؤثر فيه، بعد إعلان الحرب على إفغانستان والعراق، مثلما سوف تقرر مسار تاريخه الحاضر والمستقبلي.

فالرجل إذن، أكبر وأكثر أهمية من أن تتم تصفيته بمثل السهولة والسذاجة التي يستطيع فيها شخصٌ مثل ولي عهد المملكة السعودية، أن يأخذ قراراً فردياً مرتجلاً وعشوائياً بقتله، دون كثير مبررات ومسوغات. وإذا أضفنا إلى كل ذلك، أن هنالك طبقة من المعارضين السعوديين يمتلكون كل وسائل الاتصال والتأثير الجماهيري، وهم قاطنون تاريخيون في عواصم الغرب، يشتمون المملكة وجميع الملوك الذين مروا على عرشها، ليلاً نهاراً، ومنذ أربعين عاماً، لم يتعرض لهم أحد ولم يوقفهم أحد ولم يفكر بتصفيتهم أحد. مع أنهم نالوا وقالوا في المملكة أكثر من تلميحات جمال خاشقجي، التي لم تبلغ يوماً أنها أفسدت ما بينه وبين أولي الأمر السعوديين، على ما بينهم من ود ومودة وصلة سابقة، ولم يخرج الرجل يوماً في حديثه عن حدود الاتزان، أو الغلظة الموجبة في الإفحاش في القول، أو التعمد المهين للعائلة ورموزها وأشخاصها ومسؤوليها..

ليس ولي العهد السعودي بالشخص المؤهل لأن يكتب مثل هذا النص المسرحي المعقد، بله أن يقوم أساساً بمفرده، هو ومملكة النفط التي يتربع على عرشها، على إخراجه وتمثيله، وكما يمثل مجنون على المسرح، أو شخص غير مالك لقواه العقلية يبطش خبط عشواء دون روية ـ وكما يتم العرض والتصوير المعلن حتى الساعة ـ متورطاً ومورطاً دولته وقنصليته في بلد مهم كتركيا، في جريمة قتل مجانية وسخيفة وكثيرة التفاصيل التي لا معنى لها (إذ ما معنى أن تقطع الجثة أشلاءً بمنشار على سبيل المثال!؟؟).. كما أن تركيا ليس من عاداتها أن تنشر وتتابع على العلن، فصول جريمة سياسية حدثت على أراضيها، لأيام ممتدة، وكأنها قضية القضايا في البلاد.. إذ ما أكثر الجرائم السياسية التي وقعت في تركيا في السنوات الأخيرة، والتي لم تبدِ السلطات التركية فيها أي اهتمام، وأبدت زهداً وتظاهراً بأن الدولة التركية أكبر من أن تشغلها مثل هذه الحوادث العابرة، التي هي من شأن صغار الصحفيين وقنوات التلفزة.. بل إن الإنشغال التركي الذي يرقى إلى مستوى “تفضيح ونشر غسيل عالمي” للدولة السعودية، وإن جرى بأصوله المتبعة بهدوء ورصانة، وبكل أسلوب قانوني متحضر ورسمي، يكاد أن يرقى في الأداء إلى مستوى عالٍ من الحنكة المريبة، والتي تثير الشبهات حول الدور التركي المناط به في هذه المسرحية العالمية. بل أكثر من ذلك، يجيء دور الولايات المتحدة، ورئيسها (المزهو دائماً بطرائفه وتناقضاته التي يتحف العالم كل يوم بها)، وكأنهم هم اللاعبون الأصل في المسرحية، وبمستوى تعبيري وتمثيلي يتقدم على السعودية وتركيا وقطر بدرجات.

هناك جريمة بدون جثة (حتى الآن على الأقل)، وهناك مدانون بلا عقاب، وهناك إعلام يحمي المشهد كله ويرعاه، ويشرك كل البشرية في المتابعة، ولا يُعلم مَن ولماذا وماهي الحيثيات التي تستدعي أن يُصطاد طرفٌ مؤثر بطرف آخر مؤثر مثله.. تماماً، ومثلما حدث قبل أكثر من خمسة عشر عاماً مضت على جريمة اغتيال رفيق الحريري.. ثمة جريمة معلومة الفاعل، وعدالة تصل إلى حد تشكيل محكمة دولية أقرها مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع، ولا أكثر من تمديد المسرحية، وتمطي فصولها، والاشتغال والاشغال بها، وكأنها هي مركز العدالة ومرتكزها وبيانها الفصيح، وهي في حقيقتها لم تكن إلا هروباً في وضح النهار من العدالة وحكمها.. ثم لتنتهي فجأة إلى اتهام أعضاء مجهولين من حزب الله لا يعرفهم أحد ولم يسمع بهم أحد من قبل، ثم لتطوى سائر ملفات القضية بـ”وفاة الفاعلين والمتهمين المباشرين”.

هكذا أصبحت تبدأ الجرائم الدولية الحديثة، وهكذا صارت تنتهي.. مرسخة مبدأ الموت المعلن وساردة أحداثه وتفاصيله المملة، وذلك في كل جريمة تقع في رابعة النهار، وعلى يد مجرم معروف لا يطاله العقاب أخيراً، وتثبيت قناعة مهمة لدى جميع البشر: نحن من يقرر من نقتل.. ونحن نقرر من يجب أن يعاقب، ومن يجب أن يفلت من العقاب.. نحن من يمثل قدر العالم ومعيارية الخير والشر فيه، ودرجات الثواب والعقاب، ومتى يكون الإفلات من العقاب هو خاتمة المشهد المشاهد.. وما هؤلاء الرؤساء والملوك والقتلة المأجورين سوى ممثلين رخيصين، ليس لهم من الأمر إلا أنهم يتقاضون أجرة تمثيلهم على المسرح الدولي، فهم مادة الإعلام المتوحش والمفحش الذي يعلك القضايا ولا يزدردها، والذي يتناولها ولا يهضمها.. والذي يعد الجمهور المتعطش والظمآن إلى الحقيقة والإنتصاف، ثم يتركه لمصيره مقتولاً من العطش.. بل ولا يسمح حتى لتلك الملايين من البشر العطشى، أن تهضم الحقيقة أو ترتوي من مائها أو تستوعب ما الذي يجري على هذه الأرض التي تحولت إلى غابة معتمة، وقدر مجهول المستقبل.

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »