الرئيسية / بعيدا عن السياسة / اللهجة الشاويّة منذ ماقبل الإسلام وتطورها حتى اليوم

اللهجة الشاويّة منذ ماقبل الإسلام وتطورها حتى اليوم

الرقة بوست – معبد الحسّون 

تعثر اللهجة المحلية المحكية لعشائر الرقة على كثير من نظائرها ومفرداتها التي انبثقت أو تطورت عنها، تدرجاً وتفرعاً من الفصحى؛ وهذا مبحث لغوي بالتأكيد يحتاج إلى الاستقلال عن سائر موضوعات العشيرة الرقاوية، كما يحتاج إلى التخصص في المقارنة والدراسات الألسنية.. والذي أغراني أن أبدأ بنواة بحث له قابلية الاستفاضة والتطوير في المستقبل،(ربما بجهود أهل الاختصاص غيري)، هو أن كثيراً من تلك المفردات المتداولة في البيئة الرقاوية، قديمة وضاربة في العراقة اللغوية التي تمتد إلى عصر ماقبل الإسلام؛ كما أنها كانت سائدة في شتى البيئات العربية السابقة، خاصة تلك البيئات الأعرابية البدوية والقبلية المتنحية، والتي كانت غير كثيرة الشيوع في الحواضر العربية الإسلامية بعد سيادة لهجة قريش على كل اللهجات الأخرى.. سأذكر في هذه الدراسة العاجلة بعضها على عجالة، وإن كنت أعتقد بأن البحث يحتاج إلى كتاب مستقل، وجهد متخصص.

يستعمل أهل الرقة كلمة(إيْ)، {بألف مكسورة مائلة، وياء ساكنة عميقة التركيز في طريقة لفظها}، بمعنى(نعم)، وهذه يعثر عليها مباشرة بلفظها في القرآن، وكما تُستخدم في لفظها الرقاوي بحذافيره، كما في الآية القرآنية:((ويَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌ هوَ؟ قُلْ: (إِيْ) وربي إنه لَحقٌ وما أنتم بمعجزين)) ـ يونس:53 ـ كما يستخدمون مفردة(هُوَّا)، بتشديد الواو، وفتح مابعدها بألف مسترخية ممدودة، بمعنى(نعم)أيضاً، أو بمعنى:(إنه هو حقاً).. واستخدام تعبير”إنه هو”مختصراً في كلام العرب، بمعنى(نعم)، شائع معروف، كقول عبيد الله بن قيس الرُقَيَّات:

ويَقُلْنَ شَيبٌ قد علا ـ ـكَ.. وقد كَبُرْتَ.. فقلتُ: إنّهْ

أيْ: فقلتُ إنهُ هو كذلك.. و(إنهْ) نظيرة معنى ومدلول(هُوَّا).. كما تأتي في ألفاظ أهل الرقة عبارة(برد يرزِم) كذلك، وتعني البرد القارس الشديد القسوة، وكما جاء استعمالها تماماً في معلقة لبيد بن ربيعة:

مِنْ كُلِّ ساريةٍ وغَادٍ مُدْجِنٍ * وعشيةٍ متجاوبٍ إرْزامُها

ويستخدمون كلمة(السعلاة) الفصحى، التي تعني عند العرب ذلك الكائن الخرافي الذي يطاول السماء بقامته، ولا يظهر إلا ليلاً، بمفردة(سعلوة).. كما يستعملون كلمة (الإقْط) عند العرب؛ وهو اللبن الذي يُجفف في الربيع والصيف، غداة موسم الألبان والحليب وكثرتها، للحاجة إليه في الخريف والشتاء عند الضرورة، وحين تشحُّ منتوجات الغنم وتندر في بعض فصول السنة.. يقول الشاعر:

رويدَك حتى ينبِتَ البقْلُ والغضا * ويكثُرُ إِقْطٌ عندهم وحليبُ

وأهل الرقة يسمونه(الهِگط) حتى يومنا هذا. والرقاويون يستعملون القلب في الأحرف؛(بإبدال الحرف الثاني، عين الفعل، بالأول، فاء الفعل)، في طريقة لفظهم لمفردة(النؤي)، فيسمونه(وِنيْ).. والنؤي(أو الوِني في مفردات أهل الرقة)، هو حُفيرة صغيرة يُعمَلُ على حفرها مع بناء خيمة العربي، وبعد أن يقيم الأعمدة التي تنهض بجسم الخيمة، وتكون من خارج الخيمة، بحيث تمنع ماء المطر من التسرب إلى الداخل، فهي بمثابة خندق بعمقٍ خفيف، يسوّر الخيمة ويحميها من الغرق أو انسراب الماء.. و(النؤي) جزءٌ ضروي من لوازم الخيمة حتى لو كان الوقت قيظاً، وفي غير مواسم المطر، يُحفَرُ تحسباً واستباقاً من مفاجآت الأمطار الموسمية المباغتة، أو جرياً على عادة ملازمة.. يقول زهير بن أبي سلمى في معلقته:

أثافيَّ سُفْعَاً في مُعَرّسِ مِرْجلٍ * و(نؤيٍ) كجِذْمِ الحوضِ، لم يَتَثَلَّمِ

ويقول النابغة الذبياني:(والنؤيُ بالحوضِ كالمظلومةِ الجَلَدِ)، ويرددُ أهل الرقة مثلاً سائراً بين عامتهم:(الما يْوَني يْغَرگ)، أي كلُّ من يستمهل حفرَ(الوْنِي)، أو(النؤي) مصيرُهُ إلى الغرق.. كما يستعملون في ألفاظهم مفردة(لگاس)، لوصف الرجل غير ذي الرصانة والهيبة، والكثير الثرثرة المضرة اجتماعياً، والمسلك الخبيث غير المحتشم.. و(اللقس) كما هو معروف في اللغة، خبث النفس الطارئ، أو الميل إلى التحلل من الحشمة. فالخبث طبيعة ثابتة في الرجل، و(اللقس) خبثٌ مؤقت.. وقد جاء في الحديث النبوي الصحيح:”لا يقلْ أحدُكم خَبَثَتْ نفسي، وليقلْ(لقَسَتْ)نفسي”.. وكما تُستخدم في لهجة أهل الرقة مفردة(رعبوبة)، في وصف جمال المرأة..  و(الرعبوبة) هي كل ذات كَفَلٍ وحوض عظيم وكبير، مع نحافة الخصر واتساقه فوق الكفل.. سمعتُ مرة أحد الشعراء المحليين ينشد قائلاً:(رعبوبتن بالعرب ـ ما مثلها ثاني).. ويقول المتنبي:

ما أوجُهُ الحَضَرِ المستحسناتُ بها * كأوجهِ البدوياتِ (الرعابيبِ)

و(الرعابيب) جمع (رعبوبة).. ويستعملون مفردة(غشمرة.. ويتغشمر). قال ابن سيده في”المحكم”: التغشمر هو ركوبُ الإنسان رأسَه في الحق والباطل، والتصرف بطيش ولامبالاة.. كما يستخدمون مفردة:(حرْدْ، ويحرد، وحردان.. و(الحَرَدُ) هو الغضب. يقول الفرزدق:

لقد علمتْ يومَ القُبيباتِ نهشَلٌ * وحُرْدانُها أنْ قد مُنُوا بعسيرِ

كما يستخدمُ أهلُ الرقة فعل(شَحَط)، إذا ابتعد المرء، أو أبْعدَ شيئاً عن المكان، و(الشحط) هو البعد؛ يقول النابغة:

وكُلُّ قرينةٍ ومُقِرِّ إلْفٍ * مُفارِقُهُ إلى(الشَحْطِ) القرينُ

كما يستعملون تعبير(أگشر، و گشرة)، للدلالة على الأمر السيء، والفأل السيء، وتبدل الحال إلى الأسوأ. و(الأقشر) في”لسان العرب” لابن منظور، هو الذي تقشّر جلدُهُ أو تسلخت قشرته عنه، واستحال لونُهُ إلى الحمرة من الغضب. ويقالُ عن كل شيء تبدلَ حالُه ولونُه تبدلاً منكراً(أقشر).. ومن أشهر شعراء بني أسد في العهد الأموي، شاعرهم”الأقيشر الأسدي”، المولود عام 80 هـ ، وسمي الأقيشر لحمرة وجهه.. كما يصفون النعجة القرناء،(التي كُسِر أحد قرنيها)، بـ(الجرنة)، والبقعاء، التي خالط بياضُ صوفِها سواد من صفحتها أو إليتها بـ(البگعة). ويسمون مواليد الغنم الحديثة الولادة(المطافيل)، وهي ذات التسمية التي كانت تسمي بها العرب حدثاء الولادة، من الإبل والغنم والشياه. كما يسمون نبتة البقل(حمگا)، وكانت العرب تسميها(الحمقاء)، لأنها تنبت في أوسط السواقي، وموضع قوة جريان الماء، فيجرفها التيار أو يقتلعها، فلاتبقى لها بقية، خلافَ بقية النباتات التي تنبت على أطراف الماء، فتأمن على نفسها.

كما يسمون اللحظة من النهار(توّن) ، والتي تسميها العرب(تواً)، أي حيناً، و(للتو) للحين وللحظة مضت، فيقولون:(توني.. وتوّك) ، أي لحيني ولحينك. والشيء البعيد الذي يصف أمراً ما هنالك؛ بمفردة(غادي)، أي: هنالك.. والغدوُ عند العرب خلاف الرواح، و(الغادي) العائد باكراً، أو الذي غدا فنأى وابتعد. و(الوحيف) عند أهل الرقة، هو الصوت الذي يصدر من بعيد وله هولٌ ورهبة، وعند العرب(وحيف و”وحاف”). يقول لبيد بن ربيعة العامري في معلقته:

فصوائقٌ أن أيمَنَتْ، فمَظنةٌ * منها(وِحافُ)القهرِ.. أو طِلْخامُها

وعند أهل الرقة (انزرَمْ)أي: انقطع بوله، أو قُطِعَ بولُه فجأة، لعلةٍ أو سببٍ ما، أو أصيبَ بـ(الزَرْم)، أو أصابته زُرْمة، وهي احتباس البول. وفي الحديث الصحيح، قال النبي للصحابة الذين هبوا غاضبين، للنيل من الأعرابي الذي كشف ثوبه وبال في طرف المسجد:(دَعوهُ، لاتزرِمُوه). و(السَخَامُ) عند العرب، هو شُحْرةُ الموقد أو ماتخلفه النار من سواد، وأهل الرقة يدعونه (الصْخْامْ)، بقلب السين صاداً، وغالباً مايقرنونه بلفظ آخر هو(الحْمْامْ)، لتماثل القرينة الكنائية، فيقال:(صْخْامْ وحْمْامْ)، و(الحِمَامُ) هو الموت. يقول أبو نواس:(سلامُ مُتيَّمٍ لقيَ الحِماما)، ويقول المتنبي:

وإن أسْلَمْ، فما أبقى ولكن * سلِمتُ من الحِمامِ إلى الحِمامِ

ومن عادات الرقاويين اللغوية إسباغ التسمية على ما لاتسمية له، لجِدَّته ولعدم المعرفة به وبتسميته، بحسب هيئته المتصورة في الأذهان، وكان ذلك كثيراً عند العرب في الأوصاف، ونظائر الأشياء التي تُستخدَمُ مرادفاتها أكثر من أسمائها الحقيقية، كتسميتهم لـ”الصندل”الجلدي الذي اشتهرت مدينة دير الزور بصناعته لأول مرة باسم(كلاش)، وهو إذ يُصنَعُ من نعلٍ جلدي مثبت على القدم بسيور أو خيوط، لا تكاد تشبه الحذاء الذي يغطي كامل القدم، أشبه بـ(اللاشيء)، فسموه(كلاشيء)، أي مثل لاشيء.. ثم تخففوا من ثقل اللفظ بحذف الهمز والياء، وتسكين آخره..

وأهل الرقة يسمون البُسُط المصنوعة من وبر الماعز(سدو)، وهي مفارش خشنة تستعمل في الغالب لصناعة الخيام، أو حوائط حول حزام الخيمة، والعرب كانت تطلق لفظة(السداة)، التي اشتقت منها كلمة(السدو)على ذلك النوع من النسيج اليدوي البسيط، الذي يتمددُ خيوطاً متقاربة، تنضمُّ إلى بعضِها البعض بخيوط عرضانية تتشابك معها، وتسمى(اللـُّحمة)، فالبُسْط والحُصر ماهي في الحقيقة إلا خيوطٌ تداخل فيها الممتد طولانياً(السداة)، متشابكاً مع الممتد عرضانياً(اللـُّحمة).. وأهل الرقة يسمون الموت بـ(التَوى)، كما تسميه العرب، ومع أن(التَوى)، أي الموت والهلاك، اسمٌ جامد لا مشتق له، إلا أن الرقاويين يُصَرِّفونه في الاستعمال، ويعاملونه معاملة الاسم المشتق، فيقولون:(موت يتواك)، و(وجع يتواك)، ومنية(تتواك)..الخ.. مع أنه لم يرد مشتقاً في كلام العرب. يقول المتنبي:

ومَنْ يكُ قلبٌ كقلبي له * يشقُّ إلى الموتِ قلبَ(التَوى)

كما يستعملون تعبير(الهْنَيَّة)، للشيء غير الواضح الدلالة، و(تْهَني) أو(يْهَني)، أي يفعل أمراً لا يُسمى.. إما لحراجة التعبير عنه، أو لغموضه، أو لاختصار تعبير طويل اللفظ والشرح باختصاره بكلمة جامعة تدل عليه.. والعرب تسمي كلَّ غامضٍ، أو مالا يصح أو يجوز تسميته ولفظه بأنه(هَنُ)، ومنه قيل لفرج المرأة وعضوها(هَنُ) المرأة، وكذلك يستعمل في التكنية عن عضو الرجل أيضاً، تحرجاً وسكوتاً عن تسميته. فأصبحت مفردة(هَنٍ) تدل عليه ولا تسميه. كما يقولون عن المُفارق لأهله وجماعته(داحَ ..ودايح)، و(داحَ يديح دوحاً) في معجم لسان العرب، لابن منظور، هو المفارق، وهو الذي لا يجتمع به الشمل. كذلك فإن أهل الرقة يستخدمون كلمة(قدي.. أو قدِ) للتعبير عن الامتعاض والاستنكار، أو كراهة توقع ما سوف يأتي بعد(قدِ)، ولقد كان لها بعض استعمال عند العرب، وإن يكن على قلة، للتعبير عن أمرٍ يتمنى المرءُ أن تكون له عاقبة أو نهاية، فهي تفيد عدم الرضى وانتظار مايحدث لاحقاً، كأن تقول: “إني على غير مايرام.. ولكن قدِ..”، للدلالة على مالا يُتوقع بعد.. أي قد يحدث أمر ما يبدلُ الحال، وجرت العادة أن تُحرك(قدْ) بالكسر، بدلاً من السكون، للاستفتاح بما يأتي بعدها وللتدليل على أنها ليست نهاية الأمر وخاتمة الكلام. يقول النابغة الذبياني:

أفَلَ التَرَحُّلُ.. غير أن ركابَنا * لما تزلْ برحالِنا.. وكأنْ(قَدِ)

أي كأن الأمر قد أوشك على الرحيل والهجر، ولكنه ختمها بـ(قدِ) لكراهة توقع مايأتي بعدها.. ويَستعمل أهل الرقة في كلامهم تعبير(انْصُوَرْ)، وضربه فـ(صُوَرُه) و(صُوَرَته اللطمة) و(صُوَره بضربة)، وقريباً من هذه التعابير. و(الصَوَرُ) ميلُ الرقبة، وجمعها(صُوُرٌ)، وأشخاص(صورٌ) أي مائلو الأعناق. يقول البحتري في وصف بركة المتوكل، حيث يصف السمك وهو يلتفت برأسه ليراقبَ الدلافين المرسومة على جدران البركة، أي(ينصورُ) السمك بأعناقه لكي يشاهد:

(صُوُرٌ) إلى صورة الدلفينِ يؤنسها * منه ازورارٌ، بعينيه يؤاسيها

والحديث طويل حول هذا المبحث، وقد يحتاج إلى كتاب ضخم حتى يتم استكمال غرضه واستيفاؤه من كل الجوانب .

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »