الرئيسية / ثقافة / ذاكرة العوسَج والصبّار والسقوط في شَرَك الأدلجة

ذاكرة العوسَج والصبّار والسقوط في شَرَك الأدلجة

الرقة بوست – أمجد آل فخري 

تتناول رواية ( ذاكرة العوسج والصبّار ) لإسماعيل خليل الحسن الصادرة عن دار نون في عينتاب، سيرورة المجتمع السوري – في 145صفحة – منذ الاستقلال وصولاً إلى انقلاب حافظ الأسد في سبعينات القرن المنصرم، ليجعل الأحداث والشخصيات الفاعلة فيها مرتكزاً لمجمل التكوين الاجتماعي المتنوّع، والديني الطائفي المتعدّد، والسياسي المشتّت المتناقض المتناحر، ليس على المستوى الفني للرواية وحسب، وإنما ضمن المستوى الواقعي من خلال أبرز الأحداث و المنعطفات التاريخية التي جرت في ثلاثة عقود تقريباً.

يعتمد الكاتب على رسم الشخصيات من الخارج غالباً لتسير مع الأحداث أو تتفاعل معها، ولكنه يؤسّس لنهاياتها المأساوية من خلال عرض تفاصيل تغنيها وتدفع بها إلى الأمام من خلال صوت الراوي/الكاتب الذي يبدو ناقلاً مصوّراً، ثم يتداخل صوت الراوي مع صوت أحد أبطاله، ولكنه يخرج عن سياق تنويع استخدام الضمير في أكثر من مكان ليدلي بدلوه بمعلومات نظرية مباشرة.

تبدأ الرواية بذروة من ذرا التأزيم في المواقف تحت عنوان: ( موت العالية.. حيرة أم مأساة؟)، وهو العنوان الوحيد الذي يرمز إلى نهاية مرحلة، كشف النص أغلب أسرارها، والقلق من مستقبل ضبابي لا يُعرف أي اتجاه سيكون له. في هذا المدخل نجد تنازع الخيارات بين موقفين وجيلين، فالابن سالم، زوج العالية، يريد الإبقاء على حياتها والتضحية بالجنين، بينما الأب جدعان الهزاع يريد التضحية بالأم والإبقاء على الجنين، وتكون إرادته غالبة بل واجبة التنفيذ. وهو الموقف الذي ينتصر فيه القديم الانتهازي على الجديد المؤدلج حامل القِيم، وهو الانكسار الذي ستتلوه انكسارات تتوقف روائياً بانهدام عميق، يخرج منه الجميع مهزوماً، وهو ما توحي به المرحلة التاريخية، حيث قبض حافظ الأسد على السلطة بعد انقلابه على رفاقه في حزب البعث.

أمّا العناوين الأخرى فهي للشخصيات المتنوّعة وحركتها، ومتابعة تسلسل الأحداث اليوميّة في قرية ( الحدرة )، والتاريخية التي تمركزت في دمشق العاصمة، فمرحلة الانقلابات بعد الاستقلال، وفترة الوحدة مع مصر، لم تحفر فيها الرواية عمقاً، بل بالكاد تكتفي بذكرها وبعض ما كان يسود فيها من توجّهات سياسية، ومواقف الشخصيات الرئيسة من كلّ ذلك، بالإضافة إلى مسح نظري مباشر، استغرق ربع حجم الرواية تقريباً، لمختلف الطوائف والمذاهب المكوّنة للمجتمع السوري.

شخصيات الرواية كثيرة، وكلها عين على ما يجري غير فاعلة عدا شخصية جدعان، وهو الشخصية المتكاملة التي يستعين الكاتب في تركيبها على استعادة الأحداث التي تمر بها سورية، ويعايشها مع الشيخ راسم. أمّا سالم بن جدعان ورمز استمراره – روائياً وواقعياً – فهو الشخصية الوحيدة التي تنمو باطّراد، وغالباً ما كان الكاتب يرسمها رسماً تمثيلياً عبر الشخصيات الأخرى، بعد هروبه الأول مختاراً، إذ يبلور الكاتب تكوينه الثقافي والمؤثرات الاجتماعية والسياسية التي تلعب دوراً كبيراً في إرساء مداميك شخصية معقدة التركيب، لتتكامل بوصوله إلى إيطاليا، ثم يعود فجأة للظهور، ليختفي في الهروب الثاني مطارداً كمهرب للآثار، مطلوب القبض عليه، وهو رمز لاندحار وانكسار وهرب اليسار السوري في تلك الفترة. وبهاتين الشخصيتين يكرّس الكاتب انهيار القيم والأفكار الواعدة بتحقيق مجتمع العدالة والديمقراطية، كما يؤكد سقوط بِنى المجتمع قديمه وحاضره، وفضح التناقض بين الفكر والممارسة. أمّا عميد شخصيات الرواية الحاضر دائماً، وإن غاب أحياناً، فهو الشيخ راسم الذي تنمو الشخصيات من خلاله وعبر العلاقة معه، وتحديداً جدعان. إنه رمز لمرحلة الخمسينات بكل ما فيها من صراعات وتناقضات وإنجازات اجتماعية وسياسية وثقافية وما جدعان إلا اللبلاب الذي تسلق قامته، ليصير بعدها إلى منزوٍ مهملٍ، ولكنه لا يموت أو يهرب أو يُخفى كالآخرين، فهو الوجه المستمرّ على الرغم من كلّ التغيّر والتبدّل في الوجوه الأخرى في المسار الروائي، وهو الموحي بتغيّر الواقع أيضاً. الشيخ راسم عضو البرلمان والآمر الناهي والمالك المقتدر يحتضن جدعان سائقاً لسيارته ومصرّفاً لشؤونه وأمور بيته، ومن خلاله تتكوّن شخصية جدعان المتلوّنة الانتهازية، حيث استثمر ملازمته الشيخ راسم لحياكة علاقاته وشخصيته التي ستكون على النقيض، بل المواجه المحارب له. والملفت في شخصيات الرواية الأساسيين موتهم أو هربهم، ما عدا الشيخ راسم، يبقى ثابتاً مع انكساره، إيحاءً بأن تلك الفترة التي يمثلها مازالت حيّة النسغ، ويمكن أن تستمر فيه حياة البلد وتتعافى على الرغم من أمراضها والأخاديد التي ارتسمت في مسيرتها من انقلابات وأنظمة كان آخرها انقلاب حافظ الأسد.

لقد غابت الشخصية النسائية الإيجابية الفاعلة المتنامية، وبغياب العالية رمز الطهرانية التي تخلّف جدعان الصغير متابعاً اسم جده وربما تفكيره وسلوكه؛ لأنه سيقوم على تربيته في فترة هرب أبيه، والعالية ليست مجرد أنثى، بل توحي بأنها رمز البلد التي أنجبت وتكالب على مصيرها الانتهازيون الوصوليون لتحقيق مآربهم، تظهر المرأة التقليدية واللعوب والمناضلة السلبية، ووجودها في سياق الرواية بلا فاعلية أو تفاعل مع الحدث إلا بمقدار خدمتها في إجلاء صورة جدعان، و رسم ملامح شخصية سالم المتمسك بالعالية، ثم المُساق لغرائزه مع زوجة القبطان وابنتها.

يلحّ الكاتب على دور معلّم المدرسة في نشر الثقافة والوعي، وهو غالباً من خارج الحدرة، ومع تغيّر الفترة السياسية يتغير المعلّم، ليؤكّد على دور المدرسة في إنتاج القِيم والأفكار التي تلائم أوتتماشى مع السلطة التي تتسيّد الموقف في البلاد، أو قدرة هذه الفئة أو تلك على وضع اليد على هذا الجانب، فقد بدأت مع المعلم نادر” البكداشي” القادم من حمص بأفكاره الشيوعية، ومذهبه العلوي بعد الاستقلال، لتنتهي مع سيد المنياوي المصري زمن الوحدة، ليأتي دور مؤيد الدين شيخ عمر الإدلبي الإسلامي مفتتحاً فترة الصراعات البعثية، فينشط في مواجهة أضداده الشيوعيين ويعمل على نشر التدين والفكر الديني، مستمراً مع دور حافظ الأسد والتغييرات التي قام بها لإرساء نظام حكم استبدادي طائفي، وتمكّن من قمع السوريين وتفتيت قواهم السياسية والاجتماعية، مصحوباُ بشخصية مرعي بن جعفر البعثي الانتهازي كتّاب التقارير المزاود على القِيم والأفكار، المشهر سيف البعث وشعارات الزيف في كل مكان.

لقد استطاع الكاتب أن يرسم عبر السرد الروائي خارطة الصراع الاجتماعي والثقافي والسياسي في سورية، بلغة بسيطة سلسة، غابت عنها غالباً الجمالية والوهج لحساب التأريخ أو المباشرة، واستطاع بتقسيم النص وعنونة فقراته أن يشي أو يحدّد المرحلة التاريخية التي يعرض لها، إلا أنه لم يوفّق فنياً في أكثر من منعطف، لارتهان سرديّته لفترة امتدّت ثلاثة عقود، اضطرّ أن يمرّ على بعض مفاصلها ذِكراً بلا حركة في النصّ أو فعل للشخصيات، ولكن السقطة الأكبر –كما أراها- التزامه أدلجة النصّ مسبقاً، ليكمل ذلك برؤية جدانوفية في هدف الأدب والفن، تمثلت باستمراء الكاتب وضع مقتطفات نظرية هي بمثابة خلاصات لكل المذاهب والطوائف التي تشكل سورية، فيبدأ بالمرشدية فالدروز فالعلويين فالاسماعيلية، ثم المسيحية وطوائفها، والإسلام بسنّته وشيعته.

بقي أن نقول إن ( الحدرة ) -اسم القرية- إن كان حقيقياً في الواقع أو أراده الكاتب لغرض ما، فإنه محمّل بدلالات رمزية كثيرة، أولها وأهمّها الإيحاء بالنزول بما يحمل من معان للتراجع أو النكوص والتخلف أو الانهيار والهزيمة، يجعل ذاكرة العوسج والصبار لبنة أولى لإسماعيل خليل الحسن في مشروع روائي واعد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »