الرئيسية / كتاب الموقع / قوى الرفض وقيادة المجتمع

قوى الرفض وقيادة المجتمع

قاسم الهندي 

الثورات لا تجلب شيئاً جديداً، بل تجعلنا نعيد قراءة المفاهيم مرة أخرى، بطريقة أخرى، تكون صحيحة لفترة معيّنة.

ما حدث في الرقة بعد جريمة اغتيال الشيخ بشير الهويدي، و حالة الغليان الشعبي التي أعقبت الجريمة، تضعنا أمام مفهوم (التصحّر السياسي)، وهل فعلاً يوجد مجتمع مصحّر سياسياً !

ضمن الطرح الكلاسيكي لمفهوم سياسة (أحزاب) نعم، المجتمع السوري مصحّر حتى العدم سياسياً.

لكن من الذي يحرّك الجماهير في مثل هذه الظروف، في غياب أشكال السياسة (الأحزاب) في إمكانية قيادة المجتمع!

نحن بحاجة إلى إعادة تقييم مفاهيمنا، خاصة باتجاه مفهوم الدولة، والذي يؤسّس عليه كل فعل سياسي يقود المجتمع.

في حالة الدول المستبدة (النظام السوري)، يعيش المجتمع ضمن دولة (سلطة)، تبتلع دولة (مجتمع) الذي يعيش به.

و تعيش الدولتان السلطة والمجتمع بجانب بعضهما، لكن بعملية قهر من الأولى باتجاه الثانية.

و حالة تسالم تصل حدّ الرضوخ.

العوامل السلبية في استمرار الدول (الطائفية القبلية القومية)، تكون هي نفسها العوامل في نشوئها، لكن شرط تجاوزها لأجل الاستمرارية.

في دولة (السلطة)، تعيش دولة (المجتمع) ضمن قوانينها الناظمة لمعيشتها، ولا يتعدىّ دور الدولة (السلطة) إصدار الأوامر(القوانين) كأي سلطة احتلال. هي لا تمتلك قوانين بل مجموعة أوامر، وما على المجتمع سوى تنفيذها (لا توجد أوامر تنفّذ سوى على مضض).

بينما يكون المجتمع يصنع قوانينه الخاصة به، والخالية من أي منظومة للأوامر .

بتوافق غير معلن، لكن متّفق عليه، دون الإعلان عن ذلك، بحكم أنها تحت ظل احتلال دولة (السلطة)؛ وهو ما يتوافق مع مقولة الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك (وحده وجود القواعد العامة المشتركة يجعل الوجود المسالم للأفراد في المجتمع ممكناً)، حالة العزل بين المجتمع و السلطة، لا تدرك السلطة منه سوى أنها استطاعت تدجين المجتمع.

هذا التوافق غير المعلن بين أعضاء المجتمع ،يؤدّي لتقوقع المجتمعات الرازحة تحت هكذا سلطات إلى حدّ الانكفاء

لكن هذا الانكفاء/التقوقع ينتج قوى رفض، قادرة على قيادة المجتمع في حال تغوّل السلطة أكثر، لأن هذا التغوّل يكون هو الأخير للسلطة باتجاه المجتمع، من حيث تجريفه (مسألة وجود)، و ليس تصحيره فقط.

هنا السلطة لا تكون واعية أنها بتعزيزها لسياسة التفرقة والعزل تكون بنفس الوقت تزرع بذور انهيارها، واندثارها .

فتعتقد أنها تستطيع أن تفعل ما تشاء بالمجتمع دون أي ردّ فعل منه، بحكم أنها استطاعت أن تبعد ممثّليه الافتراضيين (الاحزاب)، عن إمكانية التأثير بالمجتمع أولاً، و الاستيلاء على السلطة تالياً.

قوى الرفض التي تحرّكت بالرقة (قبائل)، والتي ينظر لها بشكل مدرسيّ للمعرفة على أنها قوى ما قبل دولتية (دولة)، ما هي إلا محاولة من المجتمع لإعادة استلام زمام الأمور والتعبير عن ذاته، وإن كان عن طريق الرفض بداية (الرفض هو الأساس).

تاريخياً الدولة الحديثة انبثقت من هكذا قوى

انبثقت العلمانية مثلاً  من أصل الدين، و قواعده الصارمة، هي لم تأتِ من عدم، ولا هي مشروع فكري جاء بوحي لفلاسفة الأنوار و طبّقوه على أرض الواقع، بل نتيجة لفاعلية مجتمع، بكل أشكاله و تقلّباته.

في حركة التاريخ لا يوجد ما هو سلبي، و حتى الفاعلية السلبية عبر التاريخ، مردودها إيجابي (حركة كالفن كانت نتيجتها إصلاح ديني)، والتي بدورها أسّست لشكل الدولة الحديثة التي نتغزّل بها في أوربا وأميركا وغيرها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »