الرئيسية / ثقافة / عن الاسلام ومُحاكمة التاريخ.. مقال حواري

عن الاسلام ومُحاكمة التاريخ.. مقال حواري

حمزة رستناوي

تعقيبا على محاضرتي المعنونة ( التوسع العربي الاسلامي سابقا ، غزو أم فتح ؟) بتاريخ 17 تشرين أول الجاري ، كتبت الصديقة الشاعرة السورية إنانا الصالح ما يلي: تحياتي دكتور حمزة.. واحترامي لكل الأبحاث التي تحتاج جهداً ووقتاً وقراءات مكثفة.. لديّ عدة نقاط كمداخلة لما تم ذكره في التسجيلات الثلاث ويمكن اعتبارها حالة تحليل شخصي وفردي ” سأعرض رسالة الصالح على فقرات مع تعقيبي عليها

إنانا الصالح: إن الغزو او الفتح الإسلامي كما ذكرت على اقتراب معنيهما حد التطابق لم يتجاوز الحدود المكانية الخاصة بانطلاق الرسالة.. بل اقتصر على حروب مجاورة بغاية التوسع وهذا يدلّ على سياسة تفوق العامل الديني وتهمّشه في كثير من الأحيان باعتبار الهدف كان يغلب عليه طابع الغلبة والمغلوب، أي ليس نشراً سلمياً لفكر تنويري وقبول للآخر.

حمزة رستناوي: لم يكن الاسلام معزولا عن السياقات السياسية المُعاصرة لبداياته ، ولم يكن مُؤسس الاسلام زاهدا في الدنيا. جاء نشر العقيدة المحمدية من قبل النبي محمد وخلفاءه، في ظرف التاريخي – اجتماعي يقتضي حضور سلطة سياسية تمكّنه من تحقيق هذا الهدف العقائدي. لم ينتشر الاسلام سلميا ! هذا واضح جدا ..هناك عشرات الحروب والغزوات التي خاضها النبي محمد وخلفاءه من بعده! ولا يمكن انكار ذلك ، كما لا يمكن تفسير ذلك بكونها حروب دفاعية فقط كما يذهب الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي أو الشيخ محمد حبش في كتابه الأخير النبي الديمقراطي . بالمقابل الاسلام لم ينتشر ويستمر لقرون طويلة فقط بفعل القوة العارية .. وإرادة السلطان الغاشم ! في العموم انتشار العقائد الدينية  يحتاج أبعاد وسياقات متعدّدة تجمع بين الترغيب والترهيب ، تجمع بين المصالح المادية والاحتياجات النفسية والاجتماعية وحسّ الانتماء وفق احتياجات الفرد والجماعة كذلك.. أما قضية قبول الآخر فهي لم تكن مسألة حاضرة في الفكر الديني آنذاك ..وحتى الآن .. إلى حدّ كبير! الاسلام هو عقيدة دينية تبشيرية ..وهو في تعبيراته الأكثر ظهورا لا ينظر إلى الآخر المُختلف عقائديا من منطق المساواة بل منطق  الهداية والولاء لجماعية المؤمنين. الدولة الحديثة دولة المواطنة المتساوية لم تكن قد نضجت بعدُ عالميا .. ولكن يمكن الحديث عن التسامح أو التعاون الصوري بين الفئويات الاجتماعية  المختلفة آنذاك.. وبشكل يختلف بين فترة وأخرى وبين فئوية دينية و أخرى، مثلا حظيت المسيحية واليهودية بتسامح كبير مقارنة بالفئويات الأخرى كالوثنية مثلا !

 

إنانا الصالح: فيما يتعلق بالحالة التشاركية أثناء الحروب فهي أيضاً تعتمد المصلحة والغائية ولا تحمل عقيدة التشارك الفعلية، فالأهداف كانت تقتصر على انقلابات والاستفادة من القوى لصنعها أو الاقتراب من ذوو النفوذ للحصول على مكانة خاصة معمر بن حفصون أو غيره، وربما بغية الحفاظ على الوجود  من خلال القضاء على الخطر الخارجي (أنت وابن عمك على الغريب).

 

حمزة رستناوي: التاريخ الاسلامي أو تاريخ المجتمعات الاسلامية هو تاريخ بشري انساني … ينطبق عليها ما ينطبق على غيرها. البعد العقائدي للكينونة الاجتماعية – سواء أكانت فردا أم جماعة- هو أحد الأبعاد المؤثرة ولكنه ليس البعد الوحيد أو البعد المهيمن بالضرورة! ثمة أبعاد تاريخية سكانية اقتصادية علمية سياسية كلها تؤثر وتتأثر ببعضها البعض ، والبعد العقائدي- الديني هو أحدها.

 

إنانا الصالح: إن الهيكلية التي كانت تعتمد عليها الدولة الإسلامية إن صحّت التسمية، من ولاة  وخلفاء تدلّ على فساد تاريخي وبالتالي فإن الأخلاق التي تنادي بها هذه الديانة قد فقدت قيمتها في كثير من الأماكن، ثم إن ما يأتي بالقوة يدل على ضعف في المخزون الفكري.

 

حمزة رستناوي: شكّل الاسلام في بداياته وحتى الفترة الأولى لحكم عثمان بن عفان ثورة عقائدية- سياسة مقارنة بما سبق.. معجزة النبي محمد هي الانتقال بالقبائل العربية من التشرذم والاقتتال الداخلي إلى التوحّد، الانتقال بها من الولاء للقوى الخارجية إلى اقامة مشروعها القومي- الديني ( العربي- الاسلامي) الخاص .. أتاحت ثورة الاسلام إمكانية اختراق التراتبية الاجتماعية  القبلية وتجاوزها. تجربة الخلفاء الراشدين لم تكن وراثية مثلا.. ثمّة فئات مُهمشة بل وغير عربية لعبت دورا مهما واكتسبت قيمة ومكانة رمزية في وجدان وذاكرة الجماعة المسلمة  كبلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي ..لم يكن أبو بكر وعمر بن الخطاب أصحاب مكانة قبلية أو مادية كبيرة في قريش مثلا! تم تحرير الكثير من العبيد المسلمين و عتقهم بدافع التقوى .. كان الاسلام في بداياته فرضة سانحة لتجاوز النبذ الاجتماعي والانتماء لجماعة كونية عابرة للقبيلة والقومية والطبقات ..دعوة رومانسية مُحفّزة (انّما المؤمنون أخوة) ينبغي تفهّم الاسلام ضمن ظرفه وشرطه التاريخي ..هو مفصل تاريخي بالغ الاهمية والتأثير.. ينبغي دراسة الاسلام من منطق علم الاجتماع السياسي وليس بمنطق المُحبة والكراهية!.

 

إنانا الصالح: الزكاة والجزية تنفي مفهوم التعددية بل تجعله قشرة للحصول على خزينة تساهم فيما بعد بتقوية الدولة، وتنفي فكرة أن الدخول في الإسلام هو قناعة شخصية في الغالب أي أنه يمكن أن يكون بالإكراه أو تفادياً للموت أو بأبسط الحالات للخلاص من الجزية، وبالتالي فإنه الهشاشة موجودة باعتبارها ليست قراراً حراً.

 

حمزة رستناوي: الدخول في الإسلام – أو أي عقيدة دينية أخرى- لا يكون وفقا للقناعة الشخصية والارادة الحرة فقط، ثمة عوامل متعددة مباشرة و غير مباشرة ، متفاعلة منها  الإكراه أو تفادياً للموت أو للخلاص من الجزية والضرائب ..هذا صحيح . مفهوم المواطنة المتساوية والعلمانية (بمعنى فصل الدين عن السلطة) لم يكن مطروقا آنذاك .. والتعددية التي حضرت في تاريخ المجتمعات العربية الاسلامية كانت تعددية مقيدة ونسبية بكثير أو قليل من التسامح والاقصاء لتداخل العوامل السياسية والاقتصادية، وهو ما نطلق عليه في نظرية المنطق الحيوي ب (منظومة التعاون الصوري) هذا المفهوم يشمل كذلك نماذج أخرى من قبيل الامبراطورية الرومانية حيث كانت دولة متعددة ومتفاعلة الأقوام والفئويات… خاصة على الصعيد الثقافي- الحضاري.

 

إنانا الصالح: إن رفضنا محاكمة التاريخ بمفهوم رجعي ،ورفضنا محاكمته بمفهوم معاصر فبأي مفهوم يمكن مناقشته؟ طبعاً مع وجود فكرة التاريخ المزيف أصلاً باعتباره في ذاك الزمن كان مقتصراً على وجهات نظر فردية وسلطوية و وصولية غالباً.

حمزة رستناوي: ثمّة مصطلح في نظرية المنطق الحيوي اشتغلتُ عليه سابقا يفيد في مقاربة هذه الاشكالية هو مصطلح العصر المنطقي logical  Era العصر المنطقي بالتعريف هو محصّلة تشكّل أبعاد الكينونة الاجتماعيّة في زمن ما ربطا بسياقاتها الجغرافية والتاريخية و الاقتصادية والسياسية والثقافية والتكنولوجية والإدارية ..الخ  فجغرافيا العصر مثلا: تشمل اكتمال اكتشاف الكرة الأرضية وقارة أمريكا وأستراليا والقطبين والتيقن من كروية الأرض مثلا , أما في عصر مضى : فقد  كانت طريقة تشكل أبعاد الكينونة الاجتماعية تختلف حيث الجغرافيا المقصود بها آنذاك هي ما يُمسى الآن بالعالم القديم . وتكنولوجيا العصر مثلا تشمل الكومبيوتر وهندسة الاتصالات والمحركات الانفجارية والطائرات والرؤوس النووية.. الخ   أما تكنولوجيا عصر مضى : فقد كانت تشمل المقاليع , والسيوف, والعربات التي تجرها الأحصنة والحمام الزاجل. وسياسة العصر: تشمل وجود  نظم حكم ديمقراطية دستورية منتشرة في جزء كبير  من العالم , وتشمل استقرار الدولة بحدودها و تكريس سيادتها على مجموع أراضيها و الاعتراف بذلك من قبل الدول الأخرى – طبعا مع وجود استثناءات قليلة ؟ أما في سياسة عصر مضى :  فقد كانت السياسة  تشمل – غالبا – أنظمة حكم وراثية استبدادية مطلقة الصلاحية غير مقيدة بدستور أو قانون إلا في حالات قليلة.

إنانا الصالح: إن ما حصل قديماً وما يحصل الآن لا يمكن فصلهما بالمجمل.. فالتاريخ واحد وإذا أسقطنا الحروب الإسلامية على الثورة السورية مثلاً نلاحظ أن أغلب الفئات من الأقليات إلى الأكثرية شاركت إما في الثورة أو في إخمادها ولكل منها سبب قسري لذلك، وقلة ممن كان لهم حق فعل وقول ما يقتنعون به، حيث مات الكثير من ذوي الفكر المعارض على جبهات النظام بسبب التجنيد الإجباري مثلاً.. إذاً ليس لدينا أسباب واضحة وتصلح كمقياس وتبقى القصص في طور الاحتمالات والنسبية.

حمزة رستناوي: لا يمكن إنكار وجود القانون الكوني والقانون الاجتماعي ، مشروعية القوننة هي نفسها مشروعية العلم .. ومسيرة البشرية في تطورها هي مسيرة اكتشاف القانون والقدرة على تصنيف الموجودات واكتشاف قوانين التحوّل والصيغ العلائقية. القانون ليس مطلق ولكن يعبّر عن نفسه بشكل نسبي .الأخطاء أو المجاهيل الحادثة كونيا واجتماعيا لا تنفي وجود القانون ولكن تحرّضنا على اكتشاف صيغ أكثر دقة وقانون أشمل.. عندما تنخرط فئوية عقائدية بطريقة ما في حدث سياسي كبير كالثورة السورية لا ينبغي علينا إدانة أو تمجيد هذه الفعل ، بل ينبغي علينا محاولة تفهّم وتفسير ودراسة سياقات هذا الفعل ومن ثم تقييم درجة حيويته، ولا يكون هذا بدون وجود معايير .. برهانية بدهية كونية.

 

أنانا الصالح: إن الحضارة لا يجب أن تنفصل عن بعضها فالحضارة الإنسانية واحدة وهذا الفصل هو من جعل في العالم قطبين وساهم في تغييب المفهوم الإنساني.. وهي عبارة عن انتقال الإبداع من مكان إلى آخر فحسب .

 

حمزة رستناوي: المجتمع الانساني واحد ، وكل الناس تلتزم بأولويات الحياة والعدل والحرية مالم يعقها عن ذلك عائق يحجب سريان البداهة الحيوية الكونية فيها. ينبغي رؤية الوحدة في الاختلاف ورؤية الاختلاف في الوحدة، المجتمع الانساني واحد هذا صحيح ، ولكنه يتظاهر و يوجد من خلال تعينات تاريخية جغرافية عقائدية قومية سياسية .. يمكن النظر اليها كتعينات ظرفية.

 

إنانا الصالح: أعتذر على الإطالة وكل ما تم ذكره ينطبق على جميع العقائد من منظوري الشخصي المتواضع، وتم ذكر الإسلام أنموذجاً فقط للتوافق مع ما تم ذكره في التسجيلات الصوتية. المشكلة لا تكمن في الأديان بل بمعتنقيها ومدى مرجعتيهم الثقافية والأخلاقية حسب اعتقادي…كثير محبّة .

حمزة رستناوي: لا يمكن الفصل ما بين الدين والمؤمنين بهذا الدين، أي لا يمكن الفصل ما بين الاسلام والمسلمين ، لا يوجد عقيدة دون انسان و دون اجتماع بشري، البعد العقائدي للكينونة الاجتماعية هو بعد يؤثر ويتأثر بالأبعاد الأخرى للكينونة الاجتماعية ، الأبعاد التاريخية و الاقتصادية والعلمية والسياسية.. الخ ، الاسلام هو المسلمون ، والمسلمون هم الاسلام، العقائد تعبّر عن نفسها عبر ومن خلال البشر حصريا ، الأنبياء والقديسون مشمولون بجنس البشر، لا يوجد شكل واحد للاسلام ، يوجد أشكال متعددة متفاوتة الحيوية من الاسلام- أو أي عقيدة دينية أخرى- ربطا بمعيار أولوية الحياة والعدل والحرية ، يوجد مشكلة في النص المقدّس الذي يحرض على القتل لأسباب عقائدية ، على سبيل المثال لا الحصر “من بدل دينه فاقتلوه ” حديث منسوب للنبي محمد رواه البخاري (2794) .

طبيب وكاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »