الرئيسية / مقالات رأي / الشوايا شجون وتساؤلات

الشوايا شجون وتساؤلات

رشيد الحاج صالح 

فيما يتعلق بموضوع الشوايا والزوبعة التي أثيرت بسبب مقال محمد برو أودّ أن ألفت الانتباه إلى عدة نقاط:

على الرغم من أن السوريين يصنّفون بعضهم مناطقياً, وأحياناً عرقياً ودينياً, وهي عادة درجت بشكل واضح خلال حكم النظام الأسدي، إلا أن التصنيفات المناطقية ما زالت تثير نوعاً من الحساسية المفرطة, وغالباً ما تتحول إلى نوع من السباب والشتائم والنقاش اللاعقلاني, وفي كثير من الأحيان اللاأخلاقي. مع أن الأمر يبدو عادياً، وكل شعوب الأرض لديها مثل هذه التصنيفات.

قرأت مقال محمد برو ولم أجد أي نوع من التحقير المتعمد أو المحاولة المقصودة لتكوين صورة سلبية عن الشوايا. كلمة شوايا وردت في سياق عادي، والصدفة هي التي جعلت من جلاده المباشر شاوياً. برو أفصح عن مشاعره السلبية تجاه جلاده لا أكثر وهذا أمر مفهوم. الصفات الجسمانية الخشنة التي أوردها عن الشاوي الذي التقاه صفات معروفة عنّا نحن الشوايا، بل إنها صفات كثيراً ما يتفاخر بها أغلبنا.

ملاحظتي على كاتب المقال أنه أشار إلى الجلاد الصغير ولم يشِرْ إلى الجلاد الكبير, الجلاد الذي جعل من شخص بسيط ريفي يمتنهن أقذر مهنة في التاريخ.

نحن الشوايا لدينا مشكلة مع مصطلح شاوي إذ أننا من جهة نفتخر بأننا شوايا وعندنا صفات حميدة كثيرة (الشجاعة، الكرم، الطيبة.. ), ومن جهة ثانية نتحسّس من أي شخص يذكر كلمة شاوي. طبعاً السبب في ذلك أن هذه الكلمة غالباً ما ترد في سياق سلبي يجعل منّا جهلة وقليلي تعليم وغير متحضرين. بالتأكيد لا هذا صحيح ولا ذاك. يتحول جميع البشر في ظل الأنظمة الدكتاتورية إلى نسخ متشابهة، أياً كانت المناطق التي يعيشون فيها. ولا يوجد فئة اجتماعية أو مناطقية أرقى أو أفضل أو أسوأ من فئة أخرى. أراد النظام الأسدي لكل السوريين أن يكونوا جهلة ومنافقين وهمجاً ورخيصين، ومجرمين عندما تقتضي الضرورة. وهذا يعني في التحليل الاجتماعي أن كل المجموعات المناطقية والدينية تجد سهولة في وصف المجموعات الأخرى بصفات سلبية وكيديّة.

الشوايا مثل باقي مناطق سورية الأخرى عانوا من التهميش والإفقار الممنهج وتسلط الأجهزة الأمنية وتدني مستوى التعليم (حافظ الأسد كان يحقد عليهم أكثر من غيرهم لأنه كان يعتقد أن ولائهم الحقيقي لصدام حسين).

المشكلة تعقّدت عندما أخذت مجموعات اجتماعية ومناطقية بالعزف على وتر النظام وتبنّت التنميط السلبي للشوايا على الرغم من أنها شريكة للشوايا في التهميش والإفقار والتسلط وقلة الكرامة. سوّق النظام، من تحت الطاولة، في الثمانينات بأن الشوايا همّ من دمّر حماة على الرغم من أن غالبية عناصر سرايا الدفاع من الساحل. مثلما سوّق في بداية الثورة بأن الشوايا موالين له ثم أخذ يسوّق بأنهم دواعش وحاضنتهم الراسخة.

النقاش حول التنميطات المناطقية والدينية والعرقية أمر يحتاجه السوريون اليوم، على أن يكون نقاشاً عقلانياً وعلمياً هادئاً، يستند إلى العلوم الاجتماعية وطريقة تناولها للأفكار النمطية, بعيداً عن المهاترات والأفكار المسبقة. نقاشاً يوضح أن كل المجموعات المناطقية والدينية تنحطّ وتفقد أخلاقها في ظل أنظمة دكتاتورية تسلطية لا ترى في شعوبها إلا مجرد رعاع وخدم وتابعين صغار، وبالمقابل كل تلك المجموعات ترتقي وتتحضر ويزداد شعورها بكرامتها ومكانتها في ظل أنظمة تحترم البشر وحقوقهم.

في أواخر 2011 أخذت وتيرة المظاهرات تزداد بالرقة فاستدعاني محافظ الرقة آنذاك عدنان السخني وطلب مني المساعدة في وقف المظاهرات (كنت وقتها عميد كلية الآداب بالرقة). حجّة المحافظ كانت أن الرقة مدينة هادئة وأن الشوايا – حسب كلامه – يتّصفون بالوفاء ولا يجوز أن يتخلّوا عن النظام عندما يحتاجهم، وأن هناك منصباً كبيراً ينتظر أبناء الرقة إذا ما هدأت المظاهرات فيها. طبعاً بعد أشهر قليلة خرجت أطول مظاهرة في الثورة السورية من الرقة وتمّ فصلي من جميع جامعات سورية. الإضافة المهمة والبليغة التي أضافها المحافظ أن المظاهرات إن لم تهدأ فإن ذلك المنصب الكبير قد يذهب للديريين وفهمكم كفاية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »