الرئيسية / ثقافة / مهاجر أم لاجئ؟!

مهاجر أم لاجئ؟!

يوسف دعيس

هيه.. هيه.. أنت هناك، ما الفرق بين المهاجر واللاجئ؟! كانت هذه آخر جملةٍ سمعتُها من الرجل الطويل والضخم، صاحب المعطف الذي يتدلّى أسفل الركبة، ذي الشاربين المفتولين.

لا أعرف إن كنتُ قد غبت عن الوعي بسبب ضربة على رأسي من الخلف، أم بسبب ضربة شمس، أو لعلي رقدت على فراشي، ثم غفوت بشكل طبيعي، وأنا أستمع لموسيقى هادئة، عادة ما أسمعها قبل النوم… فجأة رأيت نفسي وسط شارع عريض، على الأرجح هو شارع تل أبيض وسط مدينة الرقة. رنّ هاتفي النقال. أجبت بعبارة مقتضبة: اتبعيني إلى البيت آنسة هالة، أعدت هاتفي إلى جيب معطفي، وتابعت سيري، كانت آثار القصف والدمار في كل مكان، المباني متشابهة، واجهاتها كأنها لمبنى واحد، مداخل الشوارع الفرعية هي الأخرى متشابهة، ولم أعد أفرّق بين شارع بيتنا والشوارع الأخرى، لذلك، عدتُ أدراجي إلى مركز تقاطع شارع تل أبيض مع شارع 23 شباط، وبدأت أعد الشوارع الواحد تلو الآخر، ثم دخلت في الشارع الرابع الذي قدّرت بأنه الشارع الذي فيه بيتي، وبدأت أعد المباني إلى أن وصلت إلى المبنى الخامس على اليمين، كانت كلها قد فقدت واجهاتها، وبعضها دُمّر بشكل كبير. قبل أن أدلف إلى مدخل المبنى، صادفني رجل، اعتقدتُ أنني أراه للمرة الأولى، رغم أن وجهه كان مألوفًا. كان شاحبًا، نحيل الجسد، في أوائل الخمسين من عمره. قدرت أنه خارج للتو من المشفى، بعد رحلة علاج طويلة، لعلّه مصدور أو مصاب بأحد التهابات الكبد التي تنتشر كثيرًا في المدينة وريفها، كما تناقلت ذلك تقارير إخبارية عدة، في الصحف والمواقع الإلكترونية، كما لم توفر ذلك المحطات الفضائية. بادرني بصوت خفيض: أنا توفيق، قريب الحاج صالح صديقك، ألم تعرفني؟ أراك عندنا، يا حيّاك الله. قلت: أسأل عن الحاج صالح. ما هي أخباره، وأين استقر؟ سكت برهة، ثم قال: الله يرحمه.. الله يتقبلّه من الشهداء، مات تحت القصف.. تفضل.. تفضل. قلت: شكرًا.. يبدو أنني تهت عن بيتي. تابعت سيري إلى الشارع الفرعي الذي يليه، فهناك بيتي على ما أعتقد، أخرجت هاتفي النقال، لكي أتفقد هالة التي كانت تسير خلفي، زمور لسيارة كانت تسير ببطء خلفي، ثم بدأت بتجاوزي ببطء، سلّم عليّ سائقها، هو الآخر كان وجهه مألوفًا، لكن الذي يجلس إلى جواره، أعرفه جيدًا، إنه محمود.. محمود الذي قضى على الحدود. محمود الذي أصابته رصاصة في صدره وهو يحاول العبور إلى تركيا، لكنّه حيّ يرزق، كيف أراه أمامي، وقد حضرت عزاءه في تركيا! أكد ابن عمّه أنّ دفنه تم على الحدود التي تفصل البلدين، كان الهاتف ما يزال بيدي، فتحته وأعدتُ الاتصال بهالة مرة أخرى، قلت: أظنني أضعت البيت.. اتبعيني.. أعدت الهاتف إلى جيب معطفي، ثم تابعت سيري.. ما زالت صورة محمود ماثلة أمامي، وأنا أبحث عن جواب: هل مات محمود فعلًا على الحدود، أم أنه ما زال حيًا؟! أخرجتني كلمة مرحبا من دوامة الأسئلة. قلت: أهلًا حسن.. هلا أبو الأيهم، ثم انتابني الفزع، قلت في سري: يا إلهي حسن هو الآخر قد مات. جذبني من ذراعي وهو يردد: انظر ماذا فعلوا بي. ثم أنزل بنطلون البيجاما، وبدأ يشير إلى آثار الكدمات، ثم رفع قميصه، كانت بقع زرقاء تميل إلى السواد تنتشر في كل مكان من جسده، ثم قال: انظر إلى وجهي، عيني اليمنى بالكاد أفتحها، ثم كاد أن يبكي، لكني هدأت من روعه، فعاد إلى رفع بنطاله، وأنزل قميصه، وأخفى عينيه بنظارة سوداء، وتابع مسيره.

وصلت إلى الشارع الثاني الذي كنت أعتقد أن بيتي فيه، هو الآخر أحاق به الدمار. البناء الذي أسكنه لم يتعرض للدمار مثل المباني المجاورة. رغم أن أغلب واجهته قد تعرضت للقصف. اختفت الشبابيك، وسقطت واجهات البلاكين، واختفى حديدها وأصص الزهور التي كانت تتطاول بأخضرها وأحمرها وأصفرها.. دخلت المبنى وبدأت بعدّ درجات السلم الحجري. وقفت أمام مدخل شقتي، لم يكن هناك لا باب ولا شيء يشي بأي لون من ألوان الحياة، إلا صوت طرقات خفيفة كانت تتردد من داخل الشقة، دخلت إلى الصالون، كان هناك صبي يقلع بلاط الغرفة الكبيرة، قلت: ماذا تفعل؟ قال دون أن يرفع رأسه: التفتْ لعملك. ثم تابع طرقه وهو يحاول اقتلاع البلاط. قلت: هيه هيه هذا بيتي.. انتفض واقفًا. ثم دفعني صارخًا: أبو علي!؟ التفت إلى حركة مفاجئة من خلفي.. لم أشعر بشيء، بعد رؤيتي عصًا غليظة تنهال بقوة على مقدمة رأسي، وآخر جملة كانت تتردد على مسامعي: هيه.. أنت مهاجر أم لاجئ؟!

جيرون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »