الرئيسية / مقالات رأي / من الرفيق، إلى الشيخ، إلى الهافال..

من الرفيق، إلى الشيخ، إلى الهافال..

صالح الحاج صالح..
عندما أطلق سكان حيّ  “الرّميلة ” بالرقة  هذا الاسم على حيّهم،  لكثرة الرّمل والغبار المثار عندما يتحرك الهواء، أو لأرضه المُرْمَلة برمل الفرات وحصيّاته الناعمة الملساء التي تركها النهر وراءه حين غادر مصطبته الأولى والثانية فالثالثة عبر الزمن ليستقر في واديه الحالي لصق تلالِ جرداء تحدّ مجراه الأيمن، مخلفاَ وراءه أثراً منه للناس، ومفسحاَ لهم كلما تكاثروا مكاناً كي يستقروا فيه ويعيشوا بجواره. وقتها لم يكن بخلدهم أنّ التسمية ستغصَّ بها الجهات الرسمية، وترى فيه اسماً معيباَ بحقها،لا ينسجم مع  بهجة الأسماء وثوريتها في مرحلة الأسدين، فَفُرض  اسم” الصالحية ” كاسمٍ لحيّهم، وصدرت بذلك أوامر إدارية وتعليمات، حملتها الخرائط والمخططات .

 لم يرتضِ أحداً من سكان الحي والمدينة إبدال اسماً اختاروه لحيٍ في مدينتهم باسمٍ جديدٍ، رغم “أُبّهة” الاسم وارتباطه بأشهر أحياء العاصمة ذا الفاعلية التجارية الكبيرة والسكان الأنيقين – قد يكون هذا السبب تحديداً في رفض الناس للاسم الجديد-. لم يتداولوه  في يومياتهم، واعتبروا تلك الرشوة الرسمية من الجهات المسؤولة تغطيةَ لفقرهم، وتعمية رسمية  تخفي عشوائية وبشاعة منظر بيوت حيّهم، وشوارعه المليئة بالقمامة ومياه الصرف الصحي باسم حيِّ راقٍ  في العاصمة، وبالعموم هذا التبديل ما هو إلانهجاً ثابتاً لحكم الأسدين وحزبهم القائد بإخفاء الكثير من المسميات والهويات المحلية، وإحلال مسميات جديدة له، تكرّس لهم سطوة سلطةٍ تريد أن يبدأ التاريخ بها ومعها،وتحذف و تهمل ما كان قبلها  .

فعدا حي الرّميلة اختار الناس لقراهم وبلداتهم وأماكن سكنهم أسماءً، استمدوها من خلال علاقتهم بالمكان وانطباعهم الأول عنه، أومن خلال طريقة اكتشافهم له، وتعرفهم عليه، شأنهم فيهذا شأن أمم الأرض قاطبةَ، وأرخوا لحياتهم وسنين عمرهم اعتماداَ على أحداث مروابها، وعاشوها، أو كانوا شهوداَ عليها. علاقتهم تلك بالزمان والمكان شكّل لهم جزءً من ذاكرةِ وثقافة ووعي وهوية.  فيها بطولاتهم وخيباتهم، فيها آمالهم وآلامهم تناقلوها من جيل إلى جيل..ذاكرتهم ربطت الأحداث وأسمتها بظواهر طبيعة شاهدوها وعاشوها. ” سنة جَمْدِت الفرات “” سنة الثلجة الكبيرة ” ” سنة الجوع ” ” سنة الفلتة” فالأسماء والمصطلحات لا تستمد من الواقع فحسب بل تسهم في تشكيله، وبالتالي هي فعل ثقافي، وتغييرها فعل سياسي، ومثل ما حصل لحي الرميلة عمد الرقيب الرسمي في عهد الأسدين وابتداءَ من عقد ثمانينيات القرن الماضي على تغيير الكثيرمن مسميات القرى والبلدات. مرة باسم منع الابتذال، ومرة باسم التعريب، ومرة ثالثة باسم الثوريّة، كي ينسجم ويتطابق مع مرحلة الأسدين ويبدأ انطلاقاً منها، سعياً إلى تأليف تاريخي، يُصنع عبر صور وتماثيل تحتل الفضاء العام، ومسميات تمحو تاريخ وذاكرة، وتبدأ بتاريخ وتؤسس لذاكرة أخرى .

 الأمثلة ليست قليلة في منطقة أعرفها. طمست فيها الكثير من المسميّات التي اختارها الناس؛فقرية  “خربة الجحشة” تصبح الروضة ، و”الجلبيّة  ” تصبح الثورة، و”سليل قرّان”تصبح الثامن من آذار و”كوجك ” تصبح الحرية و”بندر خان “تصبح الكنانة….. مسميات جديدة لا تشكل إلا جزءً من كثيرٍ من قرى والبلدات التيتمّ  تغيير أسمائها في منطقة محددة؛ فما أبالك بعموم سوريا !.

 أما مابني من مشاريع حديثة وقرى في عهد الأسدين؛ فقد اختيرت لها أسماء ترتبط  بأسماء العائلة أو مشتقة من أفعالهم ومناسباتهم، وتكاد تنحصر بهم على كامل الجغرافية السورية؛ فهناك مزرعة الأسدية ومزرعة تشرين ومزرعة التصحيح ، وبحيرة الأسد وشارع باسل ودورا باسل وحديقة 7 نيسان وجامع الباسل، وساحة الرئيس، ومدارس الوحدة والثورة والعروبة والبعث. وجامعة تشرين والبعث، ويقيناً لا تخلو مدينة سورية من ضاحية باسم الأسد والفرسان، وإحلال بشر أي”تجديدهم” بمن يوثق به، م ولديهم القدرة والقناعة للدفاع عن الاسم والولاء له .   

استسهال استبدال عائلة الأسد أسماء الأماكن بأسماء مرتبطة بهم، واستباحة ذاكرة السوريين ، سهل لأشباههم ” داعش وحزب الإتحاد الديمقراطي ، وحزب الله ” بنهجٍ مماثل مرتبط بفلسفة المسيطر (مذهبية ، قومية ،دينية) وجعل تاريخ سوريا وذاكرة السوريين نهباً لكل العصبيّات؛ فداعش التي شطبت اسم دولتين وأزالت الحدود بينهما لحظة إعلانها، من تصورِ أنّ عالماً بلا دول، ولا حدود، ولا اعتراف شعوب ببعضها، ولا التزامِ بمواثيق وعهود دوليّه، يسهل لها إعادة صياغة تاريخ وجغرافية المنطقة ومسمياتها،بما يتطابق مع رؤيتها لعالم تريد صياغته هي عبر إدارة وإرادة توحش، ورأيت في نفسها إلهِ يعلّم الناس أسماؤهم؛ فلم يعد لمقاتليها وقادتهم أسماء اختارها لهم أهاليهم، وعرفوا أنفسهم بها وعرفهم محيطهم بها طيلة السنوات التي سبقت لحظة ولادتهم الثانية بحضن تنظيم ” الدولة الإسلامية “. وإنما أصبحواجميعاً  نسخاً متكررة ومتطابقة بالاسموالشكل والملبس . أبو عدي الرقاوي وأبو عدي الإدلبي وأبو عدي الشيشاني وأبو عدي الفرنسي .اسم واحد للعشرات وربما المئات، وكذلك أبو قتيبة وأبو بكر وأبو محمد .فقط ما يميّز اسماً عن آخر، المكان القادم منه حامل الاسم ” المنشأ “وكأنهم دمى أنتجها مصنع واحد بعجالةِ لحظة ازدياد الطلب عليها. بهذا تفوق على مثالها الأسدي، وإن كان لأجهزة الأسد الأمنية  بعض الأثر في منع انتشار أسماء محددة خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي .

كذلك حاولت داعش محو أسماء مدن وبلدات، عدا العصية على التحويل  لقوة ارتباطها بذاكرةالناس (الرقة ، الموصل.. ) فدير الزور تصبح ولاية الخير، والحسكة تصبح ولاية البركة، ودير حافر تصبح دار الفتح، وعين العرب / كوباني تصبح عين الإسلام، ومسكنة تصبح مسلمة. يقول احد قيادي داعش بهذا الشأن، الهدف من تغيير الأسماء ” قطع الجسورمع مراحل سابقة ، وإرساء واقع جديد ”

محاولة داعش بارتكازها على قاعدة الأسماء لم يمنحها أي معنى سياسي، ولم يسهم في شرعية وجودها بل جلب السخرية عليها. أسماء ومسميات بينت  مدى انفصالها  – فكراً وقيادة ومنهج – عن الواقع، من خلال إحياء أموات منذ مئات السنين لهم بعض الأثر الطيّب في وجدان الناس لتحولهم من خلال حاملي أسمائهم إلى وحوش تفتي وتقطع رقاب البشر .

أما حزب الإتحاد الديمقراطي الذراع السوريلحزب العمال الكردستاني، سعى وبكل قوة وقبل  سيطرته على أيةٍ أرض ِ يكون له  فيها السطوة؛ إلى إطلاق مسميّات عبر الميديا وعبر تصريحات قادته على الجغرافيا التي ستغزوها قواته لاحقاً، وكأنهم يريدون عبر إطلاق المسميات تأويل التاريخ بشكل خرافي ، وأن المسميات ما هي إلا وجه آخر لوجودهم ” أوهام الكهف ” حسب تسمية فرانسيسبيكون . فأطلقوا اسم ” روج آفا ” على منطقة لم تذكر أي وثيقة تاريخية أنهذا الاسم كان موجوداً في يوم ما . ” روج آفا ” تعني غرب كردستان ،وكردستان الغير موجودة بالأصل من الناحية القانونية والشرعية الدولية ولا منالناحية الفعلية، ما هي إلا وهم حتى الآن، وهم معتمد على وجود افتراضي لدولة  محددة جغرافياً، ومسميات جهاتها الأربع معتمدةًعلى هذا الوجود الافتراضي. هوس عصبي من حزب الإتحاد الديمقراطي من خلال اطلاق مسميات لخلق واقع جديد، يطابق تماماَ الهوس الذي كان وراء إحصاء عام 1962 ومشروع الحزام العربي وإصدار المرسوم التشريعي رقم 36 ، 12/ 8 / 1971 الذي نص على تغييرأسماء وقرى وبلدات محافظة الحسكة ، ومنطقة عين العرب” كوباني ” وعفرين إلى أسماء عربية – طبق المرسوم فعلياً مع إحلال سكان جدد في محافظة الحسكة ابتداءًمن عام 1974 بعد غمر بحيرة الفرات لقرى في محافظتي الرقة وحلب- .

عشرات البلدات والقرى تم تغيير اسمها في محافظة الحسكة بالعودة إلى اسم كان يطلق عليها قبل المرسوم المذكور أعلاه – وهذامحق – بالإضافة إلى عشرات البلدات والقرى التي تم تزوير أسمائها على يد قوات حماية الشعب و حزب الإتحاد الديمقراطي BYD .حيث بدأ التزوير بترجمة الاسم الأصلي إلى اسمٍ باللّغة الكردية  له نفس المعنى ( تل أبيض تترجم إلى كري سبي ،رأس العين إلى سري كاينيه ..تل تمر تصبح كري خورما..وهكذا) كخطوة خجولة ومحرجة نوعاً ما، وبخطوة تالية يمحى الاسم الأصلي من الذاكرة ويبقى الاسم المترجم، وأحياناً تتم الإحالة إلى اسم قديم قبل تحويره عبر مئات السنين على يد شعوب ورثت جغرافية المنطقة، ليحوّر إلى اسمِ يطابق اللغة الكردية (تل رفعت ، المحور في بداية القرن الماضي عن اسم تل أرفاد واستمر طيلة مئات السنين. يحور إلى أرباد – كترجمة كردية- اعتماداً على اسم أرفاد الأشوري وهو اول ذكرللمدينة 5000 ق.م ) بمعنى أن ورثة الأشوريين هم الإتحاد الديمقراطي وما بينها خلال آلاف السنين يجب أن يزال.

لم يتعلم الاٌتحاد الديمقراطي BYD  من نظام آل الأسد بفرض أسماء بلدات ومدن لم يسمها قاطنوها، ولا من داعش باللجوء إلى التاريخ واستحضاره بطريقة كاريكاتورية عندما حاول مناصروه وإعلاميوه عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر قناة روهانا ترويج وتعميم اسم ” روكا، ومابوك ، وشاه باء ..” لمدن ” الرقة ومنبج وحلب” على التوالي .

قوى البغي السابقة أغراها النجاح النسبي للتجربة الإسرائيلية منذ بداية مشروعها بتغيير تدريجي لأسماء مدن وبلدات فلسطينية،انطلاقاًمن أن احتلالها للأرض الفلسطينية أبدي، وما عليها سوى تثبيت مسميّات عبرية لترسيخه في عقول الأجيال القادمة، وعندما يحل اسم جديد ويعمم ،ويتم تداوله، يمحى من الذاكرة الاسم القديم وما ارتبط بتلك الأسماء والمسميات من حياة بشر وتاريخ وثقافة ووجود، مما يسهل عليها تثبيت مقولة ” أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض ” وإبادة من تبقى فزيائياً أو تهجيرهم. بشار الأسد عندما شعر بالعجز في فترة ما من حربه على السوريين ، ابتدع اسم ” سوريا المفيدة ” وفي مرة تالية امتدح نفسه على كسب مجتمع متجانس، بلون واحد  (..خسرنا خيرة شبابنا وبنية تحتية كلفتنا الكثير من المال والعرق لأجيال، صحيح؛ لكننا بالمقابل ربحنا مجتمعاً أكثر صحة وأكثر تجانساً بالمعنى الحقيقي وليس بالمعنى الإنشائي أوبالمجاملات، هذا التجانس هو أساس الوحدة الوطنية، تجانس العقائد، تجانس الأفكار، التقاليد، العادات، المفاهيم، الرؤى، على تنوعها واختلافها. التجانس لايعني التطابق، التجانس يعني أن تكون متكاملة مع بعضها البعض، عندما تتكامل تشكّلا للون الوطني الواحد، هذا اللون الوطني الواحد هو الذي يشكّل الأساس للوحدة الوطنية الجامعة لكلّ أبناء الوطن الواحد..)

 التماهي التام مع الدولة الوحيدة الباقية في العالم كدولة مستعمرة لأرض غيرها ونجاحها حتى الآن في تعميم مسمياتها وطمس مسميات الفلسطينيين ووجودهم ، مثال أغرى الأسد وداعش والـ BYD الساعين بفرض أنفسهم كقوة احتلال من خلال تغير ديمغرافية المكان المسيطر عليه ،وذاكرة سكانه ومسمياتهم للمكان . لكن هل تدوم الحالة الإسرائيلية عند ناسخي تجربتها، وتوليد اسرائليات تعم المنطقة ؟ .المثال الداعشي يقول لا؛فبعد طردها من المناطق التي سيطرت عليها، اختفت مسمياتها وعاد مقاتلوها إلى أسمائهم التي عرفوا بها، أو اختفوا تحت أسماء أخرى، وكذلك حمية الترويج لإسم ” روج آفا ” بدأت بالتآكل بعد فشل مشروعهم. أما في الحالة الأسدية المحمية من دول عظمى كالحالة الإسرائلية، فقد عاودت تطل برأسها من خلال إعادة تماثيل العائلة في البلدات والمدن التي استعادت العائلة الأسدية السيطرة عليها، واستحضرت مسميات جديدة من كوريا وروسيا وإيران وإطلاقها على حدائق وشوارع في قلب دمشق في ذات المكان الذي فتك به السلاح الكوري والروسي ودمر بنيانه ، وحيث انتشرت الميليشيات الإيرانية ومليشيا حزب الله  وهجرت سكانه. اسم ” كيم ايل سونغ ” الذي أُطلق على اسم حديقة وشارع ودوّار في منطقة كفر سوسة و تسمية عشرات الجوامع والأحياء بأسماء مذهبية ترتبط بإيران، ستدوم بدوام سلطة الاحتلال الأسدية  لسوريا،وعندما تزول ستزول معها مسمياتها ،كما زالت مسميات داعش وتآكلت مسميات الـ   BYD.

كاتب سوري مقيم في هولندا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »