الرئيسية / ثقافة / تصور مفهوم العلمانية في ضوء الواقع السوري

تصور مفهوم العلمانية في ضوء الواقع السوري

الرقة بوست – معبد الحسون

ينبغي أن أستهل استهلالاً بتعريف هذه المصطلحات الأربعة: الدينية ـ اللا دينية ـ السحرية ـ الإلحاد. حتى يمكن للقارئ المتابع لسياق هذا البحث، أن يستوعب ما الذي تعنيه مضامين هذه المصطلحات المختلفة عن بعضها؛ كما استعملت في البحث، وذلك لتكوين رؤية خاصة بالمفهوم الذي نبحثه في هذه المقالة..

الدينية تستوعب كل الدلالات الإيمانية التي تقرُّ بوجود خالق ـ وبشكل مخصوص، حسب صفات الله الخالق، كما صورته الديانات الإبراهيمية الثلاث.. فالله هو من خلق الكون والإنسان من العدم. وله خطة خلاصية، مناطُها وموضُوعها هو الإنسان وحده، محددة ومقررة سلفاً بشأن هذا الخلق. ومركزية هذا الخلق وهذا الوجود بأسره، هي الإنسان. فهو أغلى وأثمن جميع المخلوقات، وهو الذي يستأثر بجلِّ اهتمامات هذا الإله الخالق العظيم، الذي لا يحيط به العقل ولا البصر ولا الخيال، والذي يظل حريصاً على أن يسدده ويرشده نحو سبيل الإيمان الكامل والخلق الرشيد، الأكمل والأفضل، وذلك بحسب دلالات التعاليم والتوجيهات الأخلاقية، والأوامر والنواهي والمحذورات والمحظورات، التي حددتها الكتب والنصوص المقدسة، حسب كل دين من الأديان.. فكل شيء في حياة الإنسان، إما أن يكون حلالاً أو حراماً، مباحاً أو مكروهاً..

والإنسان المؤمن بديانة من الديانات الإبراهيمية، يظل على اعتقاد لا يتزعزع، طوال حياته، بأنه محط اهتمام متواصل من قبل هذا الإله، وهو موضع رعاية ومراقبة، في ظاهر أعماله وباطنها، وأنه هو الأثير الأهم في هذا الكون من قبل الإله، بل إنه هو الأثير الأوحد في الوجود، وهو متصل الإحساسات والمشاعر والتفكر دائماً بالإله، ويبيت على اعتقاد راسخ، بأن الإله نفسه، هو الآخر، دائم الاهتمام به طوال الدهر.. وقلما ساوره الشك بأن نهايته، وحياته الأخرى بعد الموت، سوف تكون غير سعيدة أو ظافرة، وأنه ـ مهما فعل في هذه الدنيا ـ فلا يساوره الريب أبداً، بأن الله سوف يتفهم موقفه في النهاية، وأنهما سوف يصلان إلى تسوية قائمة على اعتذار وتوبة المخلوق من الخالق، وتفهم الخالق وغفرانه في مآلات الأمور، لكل هذا الذي بدر من عبيده من البشر الضعفاء، ولكل سعي الإنسان في الحياة الدنيا، وصولاً إلى الشروع في مرحلة ما بعد الموت؛ وهي مرحلة السعادة الأبدية، والحياة الخالدة في جنات النعيم..

هذه تخطيطية مختصرة وملخصة لطبيعة وبنية التفكير الديني، والإلحاد هو إنكار هذه التخطيطية كلها، سواء ما يتعلق بجانبها الاعتقادي أو الأخلاقي أو التشريعي أو العبادي.. أما اللا ديني، فإن قوام تفكيره يكون أقل طموحاً من هذا التصور البعيد الشأو، والشديد الشغف بالعناية الإلهية والرعاية الأخروية بعد الموت وانقضاء هذه الحياة الدنيا. إنه لا يستطيع أن يحتمل فكرة عدم وجود خالق مسبب للكون، أو علة أولى أساسية هي التي صنعت هذا الخلق الواسع المعقد الرحيب، ولكن يبقى على انفصال مع التصورات التي رسخها الدين، عن الخلق والخالق، وعن الشريعة والتعاليم، وعن الأخلاق الدينية بالمجمل. إن اللا ديني يشارك الديني في علة الوجود، ولكنه يكل جميع قضايا الحلال والحرام، والأخلاق الحميدة وخلافها، وكل ما اتصل بمفهومي الخير والشر، يكلها جميعاً إلى عقله وضميره. فهو ديني، بتصور ما، وفي مستوى من المستويات، ولكنه نحى شرائع الديانات الإبراهيمية وعباداتها ومناسكها، وكل ما تحض وتردع من أخلاق وسلوك، وركن إلى ضميره وحده، وعقله وحده في تحديد أي موقف أخلاقي وسلوكي من هذا العالم.

أما العقل السحري، فهو يختلف كثيراً عن تصور العقل الديني واللا ديني، إذ هو يعتقد بوجود “ميزة” أو “قدرة خاصة” في شيء من الأشياء، أو في بعض منها. كأن يعتقد مثلاً، أن هذا الحجر، أو هذا النبات، أو الوثن أو حيوان مخصوص بعينه، أو كوكب من الكواكب أو النجوم، أو ظاهرة سماوية فلكية معينة، يستشعر إزاءها بالتجلة والخوف والرهبة، أو شيء من الأثاث أو الأشياء الخاصة المطروحة في الطبيعة والحياة بعامة.. هذه الأشياء، كلها أو بعضها، تمتلك قدرة معينة على التأثير: الأذى مثلاً، أو النفع، أو المقدرة على الشفاء، أو الحماية من الأعداء، أو جلب السعادة أو تقليل الأضرار، أو تكثير المال وجذب الأرزاق والمشتهيات.

والعقل السحري لا يجد تعارضاً بين الإيمان بالإله، وبين اعتقاده الخاص بقدرات هذا الحجر أو الشجر، أو حيوان معين، أو المزار أو المقام أو أثر من قماش، أو أداة من الأدوات التي يستعملها الإنسان في حياته العامة. وفي حالات أقل ينسب إلى الإله ـ حتى لا يقع في محذور الوثنية أو الشرك أو تعدد الألوهية ـ أنه هو من منح هذه الموجودات تلك القدرات الخاصة، وأنه لحكمة غامضة ومجهولة، لا يعلمها إلا هو ـ أي الله ـ قد أودع تلك القدرات المميزة والمتميزة في هذه الأشياء من خلقه.. لكنه، من حيث الأصل، وفي النسبة الغالبة من البشر، لا يربط كثيراً بين قدرات الإله، وخصائص القدرة لدى هذه الموجودات، أو المخلوقات البسيطة الشأن.

هذا العقل السحري أقدم من العقل الديني بما لا يقاس في عمره أو تاريخه. فالأصل الإنساني بدأ بمرحلة السحر قبل أن ينتقل إلى الدين، ربما بفارق يتراوح بين مائة ألف أو مائتي ألف عام قبل ظهور الديانات. فأصل السحر وبذرة المعتقد، والطوطمية الإنسانية البدائية الساذجة، جميعها ترجع إلى تلك الحقبة السحرية من طفولة الإنسانية. ومع أن الدين لم يفارق المرحلة السحرية فراقاً فاصلاً وحدياً قاطعاً، بل ظلت رواسب المرحلة السحرية عالقة في جميع الديانات دون استثناء، بيد أن الدين كان واعياً لخطورة تأثير السحري على المعتقد الإلهي، لذلك ناضل الدين نضالاً عنيفاً، وعبر كل تاريخه الطويل، ضد مظاهر السحرية وتصوراتها، وللحد من تأثير التفكير السحري على المعتقد الإلهي، وظل يضع الخطوط والفوارق والفواصل التي تمايزه عن السحر والتصور السحري، والإيمان السحري بتأثير الأشياء على مصير الإنسان، ودرجة خطورة هذا التأثير على الاعتقاد، بسحب القدرة المطلقة من لدن الله الكلي القدرة، ونسبتها إلى بعض مخلوقاته البسيطة.

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »