الرئيسية / ثقافة / تصور مفهوم العلمانية في ضوء الواقع السوري (القسم الثاني)

تصور مفهوم العلمانية في ضوء الواقع السوري (القسم الثاني)

الرقة بوست – معبد الحسون

الدين منظوراً من ثلاثة أبعاد:                                         

يبعث الحوار المحتدم بين نخب مثقفة علمانية وإسلامية، حول مفهوم العلاقة بين العلمانيين والدينيين، وحول التأطير الحقيقي للعلمانية والدين، بوصفهما إحدى أهم الإرادات السياسية، أو التي تعبر عن نفسها ونشاطاتها كفاعل جوهري في الحقل السياسي السوري، على وجه أخص؛ يبعث كل ذلك الجدل إنذارات سوء فهم كبيرة وكثيرة.. هذه الإنذارات المستثارة هي نتيجة طبيعية ومنطقية يمكن إرجاع أسبابها إلى اختلاط المعرفي بالإيديولوجي، والعلمي بالشعاراتي، والذاتي الرغبوي بالموضوعي. وغالب ما يكتب وينشر في هذه المرحلة من مراحل تطور القضية السورية، حول هذا المبحث، يبني أساسيات تصوره في إدارة كل حوار جرى ـ أو يجري ـ حتى يومنا هذا، عن الدين وعن العلمانية، بوصفهما شيئاً منجزاً، استوفى استقلالية معناه الذاتي والموضوعي، فأصبح له تعريفه القائم على تصور مسبق من الواصف لكل منهما، بأن بنية كلا المصطلحين قد استقل بماهية خاصة منفصلة، وما على المتحاورين بعد ذلك إلا أن يستثمروا المصطلحين في سوق المحاورة السياسية والنقاش الدائر، كمنتج لغوي ومعرفي قد تم التوافق على معناه، وفُرِغ منه حتى صار اليوم مفهوماً من الماضي، وعلى كل طرف من “العلمانيين” أو “الدينيين” ان ينتصر على الآخر متسلحاً به لدحض ذلك الآخر.

تعريف العلمانية المألوف، المدرسي المبسط والمستسهل، والقائم على أنها الفصل بين الدين والدولة، يحاول أن يتوسل المعنى بأن كل إشتراك أو إشراك للدولة مع مضامين قداسية لديانة من الديانات ـ جزئياً أو كلياً ـ هو تورط بتبني أساسيات، أو فرعيات معتقدية لدين من الأديان، مهما كبرت أو صغرت، من قبل مؤسسة الدولة. ومنذ البداية سوف نلاحظ أن كل سبب هذا الاضطراب واختلاط المفاهيم ببعضها، وفيما بينها، هو ما يجعل إمكانية التحاور، أو بسط جسور التفاهم ومقاربتها، سوف تبدو عملية مستحيلة. لذلك سوف أعتمد قاعدة أساسية من أجل تفكيك المسألة موضع التنازع، وإرجاعها إلى جذرها الأساس: إن أي دين من الأديان التي عُرِفت في تاريخ العالم ـ قديمه وحديثه ـ كان ظهوره يتوافر على ثلاثة منظورات؛ كان الدين يتجلى من خلالها، بغض النظر عن قيمة هذه المنظورات الثلاثة وبغض النظر كذلك عن وزنها الحقيقي، سواء بالنسبة للمؤمنين بها أو لغير المؤمنين، وكذلك بغض النظر عن تصالح هذه المنظورات الثلاثة فيما بينها، أو تصادمها واختلافها مع بعضها. والذي أعنيه بالمنظور الذي يتجلى الدين من خلاله؛ هو ذلك الملموس الواقعي من حقيقة الدين، أي دين، ومقدار اقترابه أو ابتعاده عن أفراد المجتمع بصورة خصوصية فردية، أو بالمجتمع والسياسة بصورة عامة.

المنظور الأول للدين (ولسوف أدعوه “منظور الدين كمعتقد”)، هو ذاك الذي يشتمل على العقائد الدينية، ودرجة قوة وضعف، أو خبو واشتداد هذه المعتقدات، وقوة الإيمان بها في أنفس الأفراد، أو درجة سطوة هذه العقائد وتأثيرها على وجدان الأشخاص، أو استحواذها على سرائرهم ومخيلتهم، ومقدار تفاعلها في نفوسهم في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية.. كل ذلك في محاولة النفس الفردية فك رموز الكون ومستودع أسراره الغامضة وأسئلته الوجودية، بطرائقها الخاصة، ومن خلال تجاربها النفسية الباطنية التي تنتصب أمام الإنسان مثل جدارٍ مُصمت، فتظل الرغبة الإنسانية المغامرة الحائرة، شغوفة وتواقة إلى اقتحام ذلك المجهول العصي على التفسير، إلا من خلال أجوبة الدين، والإدلاج في ليله، أو الإطلاع على عوالمه المغيبة، والمجهولة الكامنة وراء أسرار الحياة والموت والوجود.. ذلك مادعوته بالمنظور المعتقدي للدين، وهو لا يعدو أن يتجاوز إيمان الأفراد وانفعالات الوجدان، وتقلب السرائر والضمائر..

أما المنظور الثاني الذي يتجلى من خلاله الدين، فهو الذي يتجلى في سياق مقارب لثقافات ماضي أمة، أو عدد من الأمم والشعوب، (وهو ما سوف أدعوه “منظور الدين كثقافة جمعية” متوارثة من الماضي)، فهو ثقافات الماضي القريب والبعيد، وتراكماته ذات الصلة بالدين. إنه ذلك الشيء الذي ترَبَّتْ عليه وألفته المجتمعات ـ في المظهر والعادة والحاجة النفسية ـ واعتادته أجيال متعاقبة من منظور أولي مسبق للطقوس والعبادات والعادات والقيم، وكثير من المظاهر الإجتماعية، والمُركَّبات ذات الأثر المتبادل سوسيولوجياً بين الأفراد، وهو مجمل قيم الجمال والخير كما تركزت وتم تناقلها وتداولها من التاريخ البعيد، والتي أورثها وأشركها الدين في الحياة الخصوصية والطبعية للشعوب، فتوارثتها أجيال هذه المجتمعات جيلاً بعد جيل. أو تشاركت هي والمجتمعات الإنسانية الأخرى في إنضاجها وتطويرها، ثم اعتيادها بمرور الزمن، بغض النظر إن كان أفراد مجتمعاتنا اليوم، شديدي الإيمان بها أو كان لها رسوخ معتقدي في وجدانهم.

يلعب المنظور الثاني للدين (الدين كثقافة جمعية)، دوراً رئيسياً في تشكيل الهوية الجماعية لشعب من الشعوب، أو لمجموعة من الناس، فهو كالمادة اللاصقة التي تربط الناس ببعضهم وتجمعهم في حزمة، وتُعَرِّفهم كشعب أو قومية، وهو ما لا يستطيعه المنظور الأول (المعتقدي)، ولا المنظور الثالث (المؤسسة السياسية أو الإجتماعية).. وغالباً ما يصبح المرء في غير وارد أن ينتزع كل هذا القوام الكثيف والمتراكم، من عادات الماضي وتقاليده الحبيبة والأليفة، بمثل هذه الخفة والسهولة التي يتخيلها أو يطالب بها أفراد غير متدينين، أو هم في أحسن الاحوال لا يكنون لتلك الثقافة الجمعية المتوارثة كل هذا التوقير، أو لا يبدون حرصاً على الاستمساك بها. وسوف أسوق مثالاً من الثقافات المحلية لشعوب الشرق الأوسط، بما أسميته منظور الدين كثقافة جمعية، بتقاليد الأعياد الدينية وطقوس شهر رمضان والصيام والإفطار والسحور ومواسم الحج والعادات الدارجة في الزواج والولائم والجنائز، وزيارات القبور وتلقين الموتى وختان الأطفال، وعبارات كثيرة تشارك هذه الطقوس في التمني والاستقبالات والتوديع، واستهلال اللقاءات العامة والخاصة، تشارك الدين أو يشاركها في كل هذه الطقوس والثقافات المحلية ذات الاعتياد الجماعي المنحدر من ثقافة دينية.. إنه كلمات التخاطب المألوفة: ” السلام عليكم”، “أسعد الله أيامكم”، “جزاك الله خيراً”.. وهو أعياد الفطر والأضحى، واحتفاليات رمضان، وتوديع الحجاج واستقبالهم، وهو الزهو والإشادة بمئذنة ملوية سامراء والجامع الأموي وقصر الحمراء في قرطبة، والفخر ببطولات علي بن بن ابي طالب وخالد بن الوليد، والاستئناس بالأناشيد الصوفية، وأشعار ابن الفارض والحلاج وابن عربي والرواس..

أما المنظور الثالث، فهو ما يمكن أن يتجلى الدين من خلاله، من حيث هو مؤسسة رسمية متحكمة، أو معترف بها من قبل المجتمع والدولة، أو من قبل التنظيمات والمؤسسات والأحزاب والتجمعات المدنية الأهلية التي أملتها الحضارة الإنسانية في توالٍ بحسب حاجتها ودرجة تطورها المتاح، في مختلف عصورها وحتى يومنا هذا؛ أي الدين كما يتجلى كسلطة مُعَلِّمة وموجهة ومقررة في التشريعات وطرائق العيش، والأخلاق الجماعية، وفي عادات وامتيازات الطبقة الدينية ـ أو تلك التي تعمل في الحقل الديني جزئياً أو كلياً ـ والتي تحرص على تطابق ذهنية وسلوكية المجموع الجماهيري العام بذهنيتها وأخلاقها هي، وكل ما يعمل المجتمع أو السلطات على تنظيمه وترشيده والحث عليه أو النهي عنه.. (وهو ما سوف أدعوه بمنظور الدين كمؤسسة رسمية من خلال المجتمع والسياسة)..

من خلال تقسيم الدين الى هذه المنظورات الثلاثة، قد نصادف من يعترض علينا بالقول: إذن هل الدين، أي دين، منفصلاً عن تجريداته التخيلية والتأملية، ومتصلاً بتجلياته الواقعية؛ والمنظورة والمشمولة بحكم التاريخ وتطوره الصارم؛ هل كل دين واحد هو في الحقيقة ثلاثة أديان منفصلة في تجليها الحسي الشعوري، ومتصلة في واقع لا تمايزها الحدسي واللاشعوري؟ إن كان يرضي رغبة القارئ أن نجيبه بأن كل دين في الحقيقة هو حقاً ـ بهذا المعنى ـ ثلاثة أديان فإنني سوف أقرر بأنه ثلاثة أديان، أو هو ثلاثة في واحد، أو هو الواحد المنشطر إلى ثلاثة، ودون استطالات لغوية تنزع الى توثيق حقيقة أي دين من الأديان، في وصف من الأوصاف. أو بتعبير آخر: هل الدين ـ أي دين على ظهر الأرض ـ هو ذلك الشيء الثلاثي الأبعاد، والذي ليس بوسع باصرتنا التخيلية أن تنظر إليه إلا كشيء واحد مجموعي، ويصعب كثيراً على الحاسة والعقل معاً، أن يفردا هذه الثلاثة الملتحمة، كطيف الموشور الضوئي، إلى أبعاضها الواقعية المنفصلة..؟ سواء كان كل ذلك نوع من التنفل في القول، أو استطالة في التعابير، فان الدين، أي دين، كموجود واقعي، لا يعدو أن يكون، على وجه الحقيقة، هو ملتقى هذه الثلاثة في المخيال العام للشعوب الانسانية جميعها.

 

قبل أن نتقدم بالفكرة خطوة إضافية، سوف نؤكد على ملاحظتين هامتين: الأولى هي أن المنظور الأول للدين هو حاجة إشباعية فردية، بالمعنى الذي يتعذر ـ إلى حد الاستحالة ـ نقله من مجاله الفردي إلى مجال جمعي، مثلما أن المنظور الثالث، هو جمعي بالمعنى الذي يتعذر أيضاً، إلى حد الاستحالة، نقله من مجاله الجمعي إلى مجاله الفردي. أما المنظور الثاني، فليست صفة الفردية أو الجمعية أصيلة فيه إلى حدود الثبات، فهو متلون متبدل، وله قابلية جدلية على التطور وتعدد الصياغة، وكسب خصائص جديدة، يصح أن تكون رهناً بالأفراد والجماعات على حد سواء.

 

أما الملاحظة الثانية، فهي أن هذه المنظورات الثلاثة للدين، لا يمكن أن تعمل إلا باستقلالية تامة عن بعضها البعض، وهي قد تتآزر وتتضافر، وقتاً من الأوقات، فيما بينها، مثلما يجوز عليها واقعاً، أن يعادي بعضها البعض الآخر، وأن ينافره.. وأحياناً قد تصل الى حدود العدوان على بعضها، وإلى ما يشبه الدخول والشروع في حرب استئصال فيما بينها، تصل الى حدود انتزاع بعضها من الوجود، وقد يكون العكس هو الصحيح؛ فقد يغذي بعضها طرفاً ويصونه ويقويه، وذلك حسب حاجة كل منظور من هذه المنظورات الثلاثة إلى التقوي والتعاضد في سبيل البقاء والانتصار..

إذا أقررنا بالتوافق على استقلالية منظورات الدين عن بعضها، فإننا بالبديهة سوف نطرد فكرة أو ريبة متحصلة لدينا بأنه من الممكن أن يحل بعضها محل بعضها الآخر، أو ينوب عنه، فكما أن “أ” لا يمكنها قطعياً أن تحلَّ محلّ “ب”، أو “ج”، كعناصر طبيعية كاملة الإستقلال، كذلك فإن هذه المنظورات الثلاثة، يتعذر عليها أن تنحلَّ ببعضها وفيما بينها، أو أن تتطور كتكوين بنيوي خاص بكل منظور، بحيث يحيل هذا التطور الثلاثة إلى واحد..

من هنا علينا ان نسبق بالأسئلة والاستفسارات التالية: هل العلمانية المقصودة، موضوع نقاش النخب الفكرية والثقافية والسياسية، السوريين والعرب، والتي تلجأ عادة إلى تعريفها الكلاسيكي؛ بأنها فصل الدين عن الدولة، هي علمانية مميزة لهذا الفصل بين هذه المنظورات الثلاثة مجتمعة، أو هي قاطعة بالفصل لبعضها عن بعض؟ وهل قامت الأمم المتقدمة والمتحضرة اليوم، والتي رسخت العلمانية، كمبدأ عام، يؤسس للدولة الحديثة، بفصل بعض منظورات الدين الثلاثة عن الأمة والدولة، أم بفصلها جميعاً عن الأمة والدولة؟

الولايات المتحدة، ومعظم دول الاتحاد الاوربي، وتركيا والهند وماليزيا وأندونيسيا والبرازيل وحتى إسرائيل، على سبيل المثال لا الحصر، وهي الدول التي تُحسب عادة من أوائل الدول الرافعة لشعار علمانية الدولة والمشجعة عليه، أو التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة ومن نفوذ، أن تتوسع في مفهوم العلمانية وتحض عليه وتشجعه، سواء في الداخل بين مواطنيها او في الخارج من خلال شبكة ثقافاتها وعلاقاتها الدولية المتشابكة، ولن يصعب علينا اليوم بأن نلاحظ أن دساتيرها وقوانينها الراسخة، (جميعها دون استثناء)، تقف من المنظور الأول للدين موقف الحياد، إن لم أصفه بعدم المبالاة أو الاكتراث، والتي تعده ضرباً من حقوق الأفراد وحريتهم الشخصية، شأنه في ذلك شأن أحلام مواطنيهم الخاصة بهم وحدهم، وخفية طواياهم وضمائرهم الشخصية. أما من حيث المنظور الثاني للدين، فإن هذه الدول العلمانية، في مثالنا السابق، توليه أهمية وعناية خاصة، وتحتفي به كجزء من تراثها السالف وثقافتها المتصلة بالحاضر.

 

أما المنظور الثالث للدين، فإن جميع هذه الدول، (وأشدد على مفردة الدول وليس المجتمعات)، تحيده بحدة وصرامة، وتحاذر أن تصطبغ دولها الحديثة بأية صبغة من شأنها أن توصف بأنها، في الكل أو الجزء، قد سمحت بتسرب أي أثر للدين (في تجليه كمنظور ثالث)، للدولة وأجهزتها وتشريعاتها ومؤسساتها أو إنفاقاتها من مواردها المالية، أو مخططاتها القريبة أو البعيدة.. وكما أن المنظورين الثاني والثالث يمكن توثيقهما، تاريخياً، فإن المنظور الأول، وعلى خلافهما، لا يمكن توثيقه أو رصده أو رسمه أو حصره في منظومة مبينة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »