الرئيسية / ثقافة / تصور مفهوم العلمانية في ضوء الواقع السوري (القسم الثالث)

تصور مفهوم العلمانية في ضوء الواقع السوري (القسم الثالث)

العلمانية والدولة الحديثة

الرقة بوست – معبد الحسون

العلمانية مصطلح معرفي، كمفهوم، لا سياسي.. يقع خارج السياسة وهي تتأطر بدلالاته، مثلما هي تنمو وتترقى في علاقتها الاستنسابية به. ولا هو كذلك جزئية في مؤسسة السياسة؛ ولقد درجت خرافة لاقت من الذيوع والشيوع والقبول بها، كواقعة تستحق النقاش حتى لدى من يحسبون أنفسهم علمانيين؛ هذه الخرافة تضع الدين وقضايا الايمان بالله، في الصف المتقابل مع مصطلح العلمانية؛ يأتي ذلك من باب تحريض المقدسات الدينية على المجتمع المدني والدولة المدنية الحديثة، وهو الأمر الذي بات يركز مشتقات هذه الخرافة ومفاعيلها في الذهنية العامة، بفعل كثافة السجالية حول هذا المصطلح ومضمونه، والذي بات يحتله ويحققه كنتيجة نهائية لا مصدر لها، ولم يدَّعِها أحدٌ ما يوماً ما.. فما هي العلمانية إذن في ضوء الحقائق والمعارف الحديثة؟ وما صحة هذا التضاد الافتراضي، والعداوة المزعومة بينها وبين الدين ومسائل الإيمان بالدين أو بالله؟

لابد من التذكير بدايةً، أن الدولة وأشكال الحكم القديمة، والسياسة ما قبل الحديثة، أي منذ فجر التاريخ الإنساني،  وحتى انطلاقة الثورة الفرنسية، حيث بدأت بدايات ظهور تشكل الدولة القومية والديمقراطية الحديثة؛ كانت تنبني على فكرة تقوم على (مركزية) التفكير السياسي.. أي أن الدولة، من حيث تمثيل للأمة، تدور حول فكرة مركزية مستقطِبة، هي التي تبرر وجودها وتسوغ كل سلوكها السياسي.. مركزية تحيط السياسة، تفكيراً وممارسة، بإطارها الخاص وتُعَرِفُها، وتخلص إلى ان منتهى المصلحة العليا فيها ـ مادياً ومعنوياً ـ ينحصر بين محيط دائرة الفكرة وذلك المركز الذي أوجبت على نفسها أن تنتهي إليه، سواءً كان ذلك المركز حلماً قومياً، أم تشريعاً دينياً، أرضياً أو سماوياً، أم هو فكرة معتقدية معينة.. أو تصوراً مخصوصاً للإدارة العامة وللعدالة بين الشعب. وما يوجب عليها أن تنتهي إليه الدولة والأمة وسائر أفراد الشعب في نهاية المطاف..

ماعدا ذلك؛ أي كل ما لا يمكن حصره بين قطر الدولة ذات الفكرة المركزية، وبين فكرتها المركزية، يدخل في تنويع تصنيفي بين ماهو (غير مفهوم) أو (مشين غير مشرِّف) أو (محرم وغير مباح) أو (غير المفيد) أو (غير الضروري).. فالمركز هو فكرة جوهر الدولة أو الأمة أو الإمبراطورية أو المملكة أو الجمهورية، وهو غايتها  الوحيدة ومبرر وجودها.. وعلى الأمة والدولة، وقائدها أو مليكها أو رئيسها، الذي هو رأس الحكم فيها.. وعلى جميع أفراد الشعب، أن يتحملوا مسؤولية مواطنتهم وانتمائهم للأمة، بأن يكونوا جنوداً أو أفراداً فاعلين بقدر مستطاعهم ووسعهم، وذلك لإعلاء قيمة فكرة المركز وتجليته وانتصاره ـ أو الحفاظ عليه في الحدود الدنيا ـ بغض النظر عن كلفة أية تضحية يمكن أن تُبذَل في سبيل هذا المركز، وإنشاء تصور مبدئي وصفاً، بأن المركز هو الفكرة العليا وهو القانون الأعلى.

هذا ماكان يجمع، كسمة عامة، تلك الدول والأمبراطوريات والممالك والإمارات، ويصف عصورها التاريخية بالمشابهة، من حيث الجوهر، في تماثلها ببعضها.. فكل الأمبراطوريات والدول التي نهضت على خلفية مشروع ديني، أو حُلم أمجادي، أو رؤيوية قومية، أو مشروع إيديولوجي شمولي واسع، أو حلم توسعي جغرافي عابر للحدود، وغير محدد بجغرافيا متفق عليها، جميعها كانت تجتمع تحت سقف مركزية الرسالة في الحياة، ولقد كان مستساغاً وواجباً سياسياً، يُمتدَحُ عليه أهلُ السياسة ودولُها القديمة وحكامُها ـ ذلك ما جرت عليه العادة والفكر طوال التاريخ ـ حتى لو صادم الحلم أو الطموح السياسي كل الإنسانية، واقتضى أن يُحَطَّم العالم أجمع لو أمكن له، من أجل تلك الفكرة/ الجوهر، ومركزها. وحتى لو كانت التكلفة أن تدور الحروب وأن تراق دماء الملايين من البشر، وأن تُهدر كلُّ الطاقات والإمكانات الإقتصادية في سبيل أمجادية الفكرة الهدف = المركز، والتضحية بكل ماهو متاح من أجل الوصول إليها.

هذا هو المتشابه الأمثل، وربما الأوحد، الذي ميَّز العوالم القديمة وتاريخ الإنسان على مدار تقلبات الحضارة وانتقالها من مكان جغرافي إلى آخر، والحق أنه حتى بعد ظهور الفكر المادي، والتوسع في الكشوف العلمية، وبناء تصورات عالية القيمة في فهم الكون بصورة عامة، ظل هذا النزاع مستمراً حتى بين أصحاب الفكر المادي نفسه حتى اليوم، وظل السؤال قائماً ومُلِّحاً، حول قيمة المركزية في إطار فهم الكشوفات الحديثة؛ الفيزيائية والرياضية والعلمية الشاملة، والتصور النهائي حولها ـ كمُعَرِّف موثوق بالكون والحياة ـ وتفرَّق الفكرُ المعاصر إلى مدارسَ وطرائقَ قِدَدَاً، بعضُها انحاز إلى اصطناع مبدئية جديدة، تفترض بأن الإنسان وسعادته، كقيمة أولية وحيدة وعليا في هذا الكون، هو مركز الحداثة والسياسة والفلسفة والأخلاق والمصلحة العليا، وهو بالتالي الهدف المباشر للدولة ووظيفتها النهائية، وبعضُها الآخر ظل مُصرَّاً على رفضه لفكرة المركز من أساسها، بوصفها افتراضاً لم يحققه العلم، ولم تقرُّهُ المعرفة، لا النظرية ولا التجريبية.

لكن أهم إنجاز متقدم في المشروع الحضاري الحديث، والفكرة الإنسانية المعاصرة، أنها اعتبرت (كلية المصلحة العامة للإنسان/المواطن، وللأمة، هو الأساس الذي يجب أن تستوعبه السياسة بأهدافها التكتيكية والاستراتيجية البعيدة الطموح، والمطلوب هو التحقق من بناء تلك المصلحة، وتلك الكلية الهادفة إلى حماية الجماعة والفرد، والسعي المضبوط بالعلوم والمعارف لتحقيقها كواقع ملموس، واعتبار هذه الكلية هدفاً أعلى يتمُّ من أجل تحققه تنحية كل هدف موازٍ أو معارض، وتعطل أو تؤجلُ أو تقلص أو تُضبط ضبطاً رشيداً من أجله كل المعوقات الأخرى)..

هذا المفهوم التعريفي السابق، هو ما جرت التسوية الأخيرة عليه في معيار الحضارة الحديثة، وهو ما تمَّ التصالح والتهادن بشأنه، كحقيقة واقعية يُجمع كلُّ البشر عليها، (حتى أنها حظيت بلقب: “نهاية التاريخ” لدى أشد أنصارها حماساً وراديكالية)، فهي الوصف الأخير والنهائي في استقصاء كل تحقق لإرادة الإنسان وتحقق طموحه المأمول في قادم شيخوخة البشرية، ولقد انتهى التعرف على هذا المفهوم الكلي للمصلحة العامة بكون “المنفعة الإنسانية” هي أس المعارف جميعها، وهذا التعرف الحديث هو ما تسمى في عالم اليوم بمصطلح “العلمانية”.

من هذه التقدمة، فإن أساسيات معيارية المبادئ العامة، التي تنظم الفهم النظري العام، الملتزم بتصور معين لفهم المبادئ العامة الناظمة للعلمانية، من وجهة نظر سورية، هي:

1 ـ العلمانية لا تنتهي بمختصر تعريف مستسهل وشعبوي، إلى القول بأنها: (فصل الدين عن الدولة)، بل لعل الأوسع والأشمل تعريفاً، هي أنها فصل كل فكرة (مركزية) تتعارض مع التعريف بها، كمصلحة كلية عامة للأمة.

2 ـ العلمانية لم تتعارض أو تصطدم مع أي دين أو مذهب، وليس ذلك من أولية التعريف بها، حتى لدى الأمم والشعوب التي تبنتها كمنظور عام للحياة، ولا الدول التي كانت سابقة في تطويرها وتجربة مضامينها في حقل الممارسة العملية المباشرة؛ ولذلك لم نسمع يوماً عن حوادث سفك دماء، بين العلمانيين والمتدينين من أبناء شعبهم، لدى الأمم التي توافقت عليها دستورياً، ولم تَهدُم أو تغلق كنيسةً أو مسجداً، أو أي مكان عبادة ديني في ظل الدولة العلمانية، وتحت سقف قيادتها للمجتمع والدولة.

كما أن الدول العلمانية لم تقم بالتضييق على أي نشاط ديني أو حزبي يتصل بأهل الأنشطة الأخرى المناوئة؛ من ذوي الفكر المركزي أو الشمولي أو الإيديولوجي الذين لو أنهم كانوا هم رأس المجتمع، وفي سدة حكمه وقيادته، على سبيل الفرض، لفعلوا ذلك بكل تأكيد.. إلا في سياق القانون العام، الموكل بحماية أمن الجماعة والفرد، واعتبار حساسيات الثقافات الخاصة، وتباين الأعراف والعادات بين جماعات الأمة الواحدة، وتقديم مصلحة الأمة العامة على خصوصيات الأفراد والتكتلات والمكونات الأصغر، مهما كان مضمونُها المعرف لها؛ فهي التي منحت للهند الأكثر تنوعاً واختلافاً، كمثال؛ والتي حوت مئات الطوائف والأديان، سمة الاستقرار والتقدم المضطرد، في أجواء ديمقراطية صحية المناخ، بينما حَرم غيابُها عن جارة الهند ـ أفغانستان ـ  ومجتمعها ودولتها، رغم أن شعبها ينتمي لدين واحد تقريباً، ذلك الاستقرار والأمان.. فاستمرَّ تقدم الأولى، حتى قطعت شوطاً في التنمية والتقدم الاقتصادي، ووصلت إلى مستوى متقدم في غزو الفضاء والتجارب العلمية والنووية، مقابل شبه دمار كامل وشامل لجارتها أفغانستان، التي أنهكتها الحروب الدينية منذ عقود.

بل إن العلمانية، كانت لبعض الأحزاب والقوى والتيارات الدينية، السبيلَ الأسهل والفضاء الأقصر للوصول إلى السلطة، وتسنم زمامها عن طريق صناديق الانتخابات، وكما هو معروف في تركيا وأندونيسيا وماليزيا وغيرها..

3 ـ بهذا المعنى، وبهذا التعريف السابق، فإن العلمانية ليست جزئية من أجزاء المعرفة، تحتمل قابلية النقاش حول تبنيها أو رفضها، بل لعلها هي جيش المعرفة الوحيد، الموكول إليه مهمة “حجز الدولة عن المجتمع”، وحماية الأفراد حتى لا يتغول غول الدولة عليهم، أو تقيد حريتهم، أو تعتدي على المسافة والفضاء الحر، الذي يجب أن يظل قائماً ورحباً ومتاحاً للجميع، وحجز الجماعات والأفراد عن الدولة أن يخترقوها أو يتجاوزوها، بوصفها الجسد الإجرائي المكلف وظيفياً بحماية الدستور والقانون، وضامن تطبيقهما ونقلهما واقعاً على الأرض، و “الحاجوز” في أية مشاجرة يفترض فيه الحياد في الأصل، فالعلمانية ليست مؤمنة و ليست ملحدة، ولا هي عشائرية ولا هي ضد العشائرية، وليست قومية أو ذات طابع إيديولوجي متمذهب، ولا هي عدمية، إلا اذا كان بإمكان مدعي معاداة العلمانية للدين أن يبرهنوا على إلحاد جدول الضرب، أو فسوق نظرية فيثاغورث، أو وثنية تعريف الدائرة والمربع، أو جحود الهندسة والجبر والفلك والفيزياء..

بل هي روح كلية الإرادة والقرار في رسوخ المجتمع وأمنه، والراعي الناظم لحريته وحقوقه، ودورها ينحصر في توفير مناخ إيجابي وآمن، ليعيش الجميع متشاركين بحقوق وواجبات متساوية أمام القانون، بعيداً عن أي اعتبار آخر. الأمر الذي يترك باب الأمل بالمستقبل مفتوحاً على مصراعيه..

4 ـ وبهذا المعنى أيضاً، فإن الذين يرفضون العلمانية، ويقفون موقف الضدية منها، (اذا استبعدنا مؤقتاً عامة الناس التي تكون عادة مُجَهلة في فهم أبعاد الموضوع)، فإن دوافع هذه الضدية وهذا الرفض، ليس معتقدياً وإيديولوجياً كما يُظن، بل هو مصلحي نفعي في الغالب الأعم، ويرتكز على إدراك مسبق بأن العقبة الكأداء تكمن في وقوف العلمانية حاجزاً بينه وبين فكرته(المركزية)، والتي يتوسل بها السيطرة والهيمنة على المجتمع والدولة، واستثمارهما تحت ذريعة فكرة عليا مقدسة ومطلقة، وصحيحة بما لا يقبل النقاش، ترقياً نحو الاستبداد، وانتهاءاً بإزاحة ومصادرة وقمع كل ما يقف في طريقه، وما هو قيدٌ على مصلحته بالدرجة الأولى.

فالعلمانية لا تحجز بين مؤسسة الدين ومؤسسة الدولة فحسب، بل هي تفصل وتقف سداً بين الشريعة والجريمة، وبين أهل الشرائع والأحزاب والتكتلات، بكل مسمياتهم، وتُجَرِّم كل نية هجومية على الحريات والمعتقدات باسم شريعة ما، أو لصالح مذهب على آخر، وتمنع انتهاك الأعراف والقوانين والدساتير تحت مسميات: الحق المطلق، والرأي الصحيح المطلق، والصواب المطلق، والواجب المطلق الذي يجب أن يكون كما يراه أصحابه. إنها المبدأ التشريعي المُقيِّد، والروح العامة التي تمنع الافتئات والتعدي من أية جهة، لصالح الحق العام والدستور والقانون، والأصل الذي تستند إليه هو “مواطنة” الجميع، ومعاملتهم على قيد المساواة، ما يعني ـ علناً أو ضمناً ـ أنها لا تلغي ذلك الجميع، ولاتعادي طرفاً فيه أو تهادن طرفاً، بل تصادر حق أية جهة فيه من الادعاء بأنها أحق من جهة أخرى بميزات وحقوق وتصنيفات وتشريعات وممارسات سلوكية، تنتهك الحق العام، وتكسر مبدأ العدالة والمساواة في المجتمع.

5 ـ يجب التأكيد على أن تاريخ الروحانية وتطورها في عقل الانسان والحياة البشرية، منذ فجر التفتح الإنساني على الحياة وحتى اليوم، قد سار في سياقين مختلفين: الأول يمكن ملاحظته بأنه تطور المفهوم الإنساني عن “الله”، في سلسلة التقدم التاريخي، والثاني تطور الدين نفسه، من حيث هو فكرة متحولة ونشطة في مختلف مراحل حياة الإنسان وأطواره التاريخية، ودور الدين في تنظيم المجتمع والحياة؛ فالسياق الأول ـ فكرة الإنسان عن الله ـ كان دائماً متلازماً ومستجيباً لقلقه الوجودي الفردي، حول ذاته ومصيره النهائي، وما وراء الحياة والموت، وهذا القلق هو إنساني فردي بامتياز، وهو موجود ومشروع منذ عشرات آلاف السنين السالفة، وإلى عشرات آلاف السنين القادمة، إذا تفهمنا حيرة الإنسان وقلقه، وعذرنا عقله الحر والمتسائل في كل المراحل والاتجاهات.

سيماء هذه العلاقة بين الإنسان الفرد والله، لا تتشابه مع الدين وتاريخه، ولا مع دوره في حياة الإنسان، فتاريخ الدين لم يسِرْ في وحدة سبيل واحد مع سبيل الدين، ولم يتشاركا نفس الطريق على الدوام. فالدين واقع تشاركي واجتماعي متبدل ومتطور، وهو في كل تاريخه الماضي كان مؤسسة فاعلة في المجتمعات البشرية وحياة الجماعات المختلفة، وطرائق تفكيرهم وعلاقتهم ببعض، الدين “قوة الخيال البشري”، وهو مجتمعي وسياسي بامتياز. ومن هنا كانت المفارقة جوهرية بين المفهومين، وفي السياقين المختلفين؛ ومن هذا أيضاً، كانت العلمانية ،كمبدأ حداثي في السياسة والاجتماع، لا تتدخل في محتوى السياقين معاً، وإنما تبيح لنفسها التدخل في دررجة تأثيرهما لصالح أو لطالح عامة الشعب. ولا تدعي اختصاصاً يبيحُ لها أن تصادر تجربة الإنسان الخاصة به حول مفهومه الذاتي، وبالمعنى الشخصي، عن (إلهه)، والتي تجيب على أسئلته الوجودية الميتافيزيقية، ذات المحتوى الإيماني الخاص به، لكنها في السياق الثاني، تتعامل مع الدين كمنتج أفهام بشرية ومحصلة لها، وبصفته مؤسسة من مؤسسات المجتمع، له ما لجميع مؤسسات المجتمع من حقوق وواجبات، في كلية أنشطته الحرة، وعليه ما على جميع المؤسسات من واجبات وحقوق، تضمن له التدفق في سياقه الطبيعي، في فضاء المجتمع، وتلجم جنوح مؤسساته عن التعديات تجاه معتقدات الآخرين، أو المعتقدات والسلوك العام داخل دائرة معتقديه أنفسهم، وكل ذلك في إطار الالتزام الصارم بالدستور والقانون العام.

6 ـ يجب التفريق الحاسم بين العلمانية كمبدأ معرفي شامل في حجز فوضى الدولة والمجتمع العام، وإعادة تنظيمه وتأهيله قانونياً تحت سقف الدستور والعقد الإجتماعي، وبين “النزعة العلمانوية” الساذجة، والتي تتبنى مبدأ اللاتدين واللادينية، كنظير موازي للعلمانية، وتتخذ من العلمانية دريئة وحصناً تتوسل به، ومن خلاله، أن تكون طرفاً في خصومتها مع الدين، فهي تُجيّش العلمانية في صفها وتحتازها، تعزيزاً لمعركتها في مواجهة فكرة الآخرين عن (الله والدين)، وبهذا المعنى الاستعمالي للعلمانية، تُفقدها شرطها وحيادها ووظيفتها المعرفية.

إن استثمار العلمانية من قبل التيار العلمانوي، لا يقتصر على هذا الجانب، بل إن كثيراً من المستنقعات العلمانوية الضحلة قد قصرت ساحات معاركها مع الآخر المخالف، دعماً لهشاشة قواها ومواقفها المشكوك فيها إزاء مناوئيها، وتزييفاً متقنعاً بالعلمانية، فالنزعة الستالينية كانت تقدم نفسها بوصفها “علمانية شيوعية”، والأحزاب القومية ذات النزعة الشوفينية جميعها، ومن مختلف المشارب العرقية، والتي مايزت بين مواطنيها أنفسهم، وبين المواطنين الآخرين في مبادىء الحق والعدل والمساواة، كلها كانت تشرب من ذات الينبوع، وتتدثر بالعلمانية لتسويق نفسها، بل أكثر من ذلك، فحتى بعض الأحزاب الدينية والأقلوية والطائفية المستحدثة، والمشتقة من ظروف العاصفة السورية التي لا تستقر فصولاً، ولا تثبت عند مشهد واحد، شرعت في ـ مُعَمَّيَات الأزمة الطاحنة ـ تسوقُ لنفسها وتروج لسياساتها، باعتبارها بناءً سياسياً ينتمي إلى العلمانية.

إن الشراكة مع الشيطان لا تحتاج إلى رأسمال أو تفويض أو براهين، وهذا ما يجعل كلَّ مدعٍ للديمقراطية ديمقراطياً، إذ لم تمنع هذه الشراكة حتى حافظ الاسد وبشار الأسد، من تقديم نفسيهما بوصفهما “آخر قلعة من قلاع العلمانية في الشرق الاوسط”.

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »