الرئيسية / ثقافة / في أدب الثورة دفاعاً عن الفرح

في أدب الثورة دفاعاً عن الفرح

مروان حفار

لقد أصبحت المقابر كالهندباء؛ تنبت في كل مكان. أصبحت القبور كالعشب الأخضر، تنمو دون أن تستأذن أحداً.. لقد أصبح الحزنُ معطفَنا الوحيد، و أصبحت الكآبة شمسَنا الساطعة…

تمادى الأسى حتى سرق وجوهَنا، واستبدلها بأقنعة عاجزة عن الضحك.. كلُّ ما سبق مفهوم جداً في ظل ما جرى و يجري.. فإن الدولة البوليسية ـ دولة إخافة الناس ـ تفعلُ ذلك، لأنها تريدهم كائنات عاجزة عن الفرح.. كائنات تخاف من الفرح، كائنات لا تتصور أن الفرح حقٌ لها.. الدولة البوليسية أمُّ الأحزان جميعها، ولأنني أقف ضد هذه الدولة، ومخابراتها القمعية، عليَّ أن أبوح بهذا البوح..

فرحي ليس إهانة لأحد، ولا ينطلق أبداً من استخفاف، أو تهميش أو تجاهل أو استهزاء بأحزان وآلام الآخرين.. بل أكثر من ذلك، فأنا أعتقد أن الذي يفرح، وهو لا يدرك كوارث الحياة، لم يفرح بعدُ فرحي.. لَيْس إنكاراً لحق أيٍّ كان بأن يحزن، بل هو إيمانٌ مني بأن الفرح فضيلة و قيمة عليا.. كما يقول الفيلسوف الهولندي “إسبينوزا”: ” الفضيلة ليس في ما ينتج من عمل الخير؛ أكان اعتقاداً بجزاء أخروي، أو جزاء معاش.. الفضيلة هي الفرح الذي ينتج بالخير ذاته.. الفرح جزاء كل خير” ..

أدافع عن الفرح في كل اللحظات، وفي كل المناسبات، وهذا يبدو جنوناً، و لكني لا أرى جنوناً إلا في الهجوم على الفرح. هل تدّعي أن الإنسان بوسعه أن يرقص بعد المجزرة؟ أجل..! و أكثر من ذلك. أنا أعلم جيداً عجز الإنسان النفسي والجسدي عند، و بعد، تعرضه للفجائع. و مع هذا، أدرك عمق رغبته بالتحرر منها.. أجل، يستطيع الإنسان أن يضحك و يرقص ويحب بعد المجزرة. هكذا نعلم القتلة أننا هنا لنمارس حقنا في الحياة الكريمة. وهكذا نعلم أنفسنا أبسط الحقائق التي تقول إن الفرح ليس عدوا لأحد.

إنني أفرح لإدراكي لكمية القهر الموجودة في هذا العالم، لا تبريراً لها، و لا دفاعاً عنها. بل لكي نستمرّ في أن نحاربهم، و لا يحارب أفضل الحرب إلا الإنسان الفرح.. الذي يريد فرحاً للآخرين.. أنا أفرح.. أي أنا أقاوم. بينما الإنسان الكئيب المسحوق، كلما حارب هُزم أكثر.. فهو ينقل تعاسته الداخلية، وعالمه الكئيب المشوه داخله إلى الخارج. و نحن نرى، ورأينا هو كذلك دائماً، وعبر جميع المراحل.

إن المتطرفين هم أعداء الفرح الأوائل. فهم يريدون لغيرهم عالماً مُظلماً، أو عالماً ضبابياً من دون شمس. جميع الذين لا يريدون لغيرهم الفرح أعداء طبيعيون للثورة. الثورة هي قمة الغضب، و قمة الفرح في آن معاً. فرح أننا موجودون، ولا يمكن تهميشنا. فرح أننا نستحق أن نتنفس بسعادة. فرح أننا تمردنا على السلطة، وركلنا المستحيل و بصقنا عليه. جوهر الثورة ودستورها أن الحقَّ حقٌ مشروع لكل المواطنين. فماذا يفعل الجلاد والملثم ومن شابههما؟ هم يمنعون الناس من الفرح، من التفكير بعالم أجمل. عالم أقل تعاسة على الجميع.

أقول أحياناً، إن الشهداء أعداء الفرح، لأن وجودهم يعني غيابه، و غيابه سبب وجودهم.. وأنا لا أتحدث إلا عن الفرح الإنساني السامي؛ لا عن شهوة التملك، ولا السعادة المؤقتة التي تجلبها المناصب أو الشهرة أو السلطة أو المال أو الألقاب أو الحالة الاجتماعية.. الخ.. إنني أتحدث عن فرح عميق عميق، ومتجذر تجذر الحب فينا. أعلم أن فرحي قاسٍ ومؤلمٌ لأولئك الذين سحقتهم الحياة، كما سحقتني.. فالفرح عملية صعبة تماماً؛ كالحب، ولم يكن يوماً سهلاً كما صُوِر لنا، وكما رسم في الأفلام والقصص، وخلال الأساطير. كيف يفرح الذي لا يملك إلا قوت يومه؟ كيف يفرح الذي لم يكمل تعليمه؟ كيف يفرح المصاب؟ كيف يفرح الذي فقد أحد أحبته؟ كيف يفرح المنكوبون عموماً؟

ببساطة، هو يفرح لأنه مايزال موجوداً. يفرح لأنه نجا من الإبادة. وحتى إن لم يخبرْ أحداً بعدُ، بأنه مهمٌ في هذا الوجود، فأنا أخبره بذلك الآن. إنه مايزال هنا، ومازالت الفرص موجودة ليوم أجمل من الذي قبله.. بالطبع، الذي ينتظر ليصلح كل العالم لن يفرح أبداً. ولكن الذي يرى في إصلاح أي جزء من هذا العالم، أمراً مهماً، فهو سيكافئ نفسه بالسعادة.

الفرح عدو الفقر، عدو الظلم، عدو الاضطهاد، عدو اللا مسؤولية، عدو الإنتهازية، عدو اللامبالاة. الفرح صديق للحرية، والحرية مؤلمة، والفرح كذلك.. هذا الألم يعني أننا أحياء، و لإننا ندرك هذه الحقيقة، نحتفل بالفرح، ونحتمل آلام الوجود. كل إنسانٍ عليه أن يجد فرحه الخاص به، قبل أن يطالب بفرح جماعي. ربما في الرياضة، وربما القراءة، وربما في هواية ما.. ربما في النوم باكراً، وربما في الحب، وربما في الإيمان.. ربما في أمور بسيطة أخرى؛ كالاستيقاظ كل صباح للبحث في تفاصيل الحياة حولنا، عن سبب يدعونا للفرح. كيف تفرح و كل هؤلاء الضحايا يسقطون؟ أجل! أفرح بدايةً، لإنني لم أشارك في قتلهم، ولا في التحريض على قتلهم. وأفرح  ثانياً، لأنني أحمل إيماناً قاطعاً بأنهم أرادوا أن يعيشوا فرحين، وأنهم عاشوا لذلك، وقتلوا لحرمانهم من ذلك الفرح. وأفرح ثالثاً لأنني أريد، وأطالب، وأتمنى، وأسعى لعالم أفضل للجميع.. أقلّها عالمٍ داخلي سعيد للجميع.

لقد تحملنا الحزن و تبعاته طويلاً، فلنجرب أن نتحمل الفرح. لنجرب أن نهزم الدولة البوليسية بمظاهرات فرحة في قلوبنا. بصراخنا العالي بأن الشعب يريد إسقاط منظومة الكآبة، الشعب يريد.. ويحق له أن يفرح.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »