الرئيسية / ثقافة / ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) ـ الجزء الأول ـ

ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) ـ الجزء الأول ـ

الرقة بوست – معبد الحسون

مضت حوالي أربعين سنة على قراءاتي الأولى لرواية ديستويفسكي ” الأخوة كارامازوف “،  والتي أكثر ما استوقفني فيها فصل (المفتش الكبير)، حيث يسرد إيفان العدمي، والثائر الملحد، على مسامع شقيقه إليوشا ـ المتدين ، والذي قرر أن يلتحق بالدير، ويعيش بقية حياته راهباً ـ هذه القصة الفانتازية المتخيلة، والتي يسميها مسرحية من تأليفه.. وما زلت أتذكر أنني عند قراءتي الأولى لفصل المفتش الكبير، لم أستطع إكمال قراءته، وانتابتني ما يشبه القشعريرة.. وخلال سنوات طويلة مضت حين أعدت قراءته أكثر من ست أو سبع مرات على الأقل، كنت أشعر وكأنني أقرأه لأول مرة.. والحق أن إحدى ميزات فصل (المفتش الكبير) ــ بخصائصه السرية ــ أنه لا يُقرأ دفعة واحدة، ولمرة واحدة في الحياة، وبفهم وحيد وذو اتجاه واحد.. إنه البانوراما التي لا تستطيع الحكم على ألوانها إلا بإصدار عدة أحكام..

لستُ أبالغ لو قلت بأن فصل(المفتش الكبير) ليس أميز ما كتبه ديستويفسكي طيلة حياته ( ولنذكر بأنه توفي بعد أربعة أشهر عقب الانتهاء من مخطوطة الأخوة كارامازوف)، بل لعل هذا النص النبوئي، والمتوسم في شمولية الماضي والمستقبل، هو واحد من أهم وأخطر النصوص، التي أنتجتها البشرية على مدار تاريخها الطويل.. وليس في هذا مبالغة كما أعتقد..

يختلق إيفان هذه الحكاية المتخيلة التي يقول بأن أحداثها الفنية المفترضة في اسبانيا، في مدينة إشبيليا في القرن الخامس عشر، حيث بلغ نشاط محاكم التفتيش الذروة.. كان رئيس تلك المحاكم الجهنمية التي تأمر يومياً بإعدام الناس حرقاً بالمئات، (بتهمة الزندقة والكفر والخروج على الطريق القويم للمسيح)، كاهناً عجوزاً قد جاوز التسعين، إنه المفتش الكبير الأعظم، الذي يعقد محكمته اليومية، ويأمر في نهايتها بإلقاء أعداء الله والمسيح إلى النيران..

مشكلة إيفان أكبر وأعمق من مشكلة ملحد عادي، فهو لا يرفض “فكرة وجود الله”، لكنه يرفض “عدالته”، وهو يؤسس هذا الرفض على حتمية كمال الله، ومطلق أخلاقه وصفاته، مقابلة مع الضعف البشري والنقص الأصيل في الكائنات الإنسانية التي لا تستطيع أن تصل إليه.. فلنعد إلى قراءة هذا النص المرعب، نص المفتش الكبير.. قاضي محكمة التفتيش في القرون الوسطى.. يبدأ إيفان الحديث إلى أخيه اليوشا بسرد المسرحية كالتالي:

{ ظهر الرَّبُّ خفية دون ضوضاء، والغريب في الأمر أن جميع الناس سرعان ما عرفوه.. انجذب إليه الجمهور بقوة لا تقاوم، وأحاط به واحتشد حوله، تابع خطواته.. فسار هو بين الجمهور صامتاً وهو يبتسم ابتسامة عطفٍ لا نهاية له . إن شمس المحبة تتَّقد في قلبه، ويشع من عينيه الضياء والقوة، فينتشران بين المؤمنين ويشعلان المحبة فيهم. وهو يمد ذراعيه نحو الشعب ليباركه. إن ملامسته وملامسة ثيابه، تملك القدرة على شفاء المرضى. فهذا شيخ من الجمهور، أعمى منذ طفولته، يهتف قائلاً على حين فجأة: ” ردّ إلي البصر، يا رب، حتى أستطيع أن أراك”.. فما هي إلاَّ لحظة حتى سقطت الغشاوة عن عينيه، فإذا هو يرى الرب. وبكى الشعب تأثراً، وأغرق بالقبلات الأرض التي مشى عليها المسيح الذي ظهر فجأة.. وتعالت الصرخات تقول: إنه هو ، ما من شك في ذلك.. وأخذ الأطفال يرمون الأزهار أمامه منشدين..

سار المسيح حتى وقف في الساحة ،أمام كاتدرائية أشبيلية، في اللحظة التي أحضر فيها المصلون، بين عبرات الحضور، تابوتاً صغيراً مفتوحاً أبيض، يرقد فيه جثمان بنيَّة في السابعة من عمرها.. إنه هو، لا يمكن إلاَّ أن يكون إياه.. وهي البنت الوحيدة لرجل من أعيان سكان المدينة. إن الميتة مغطاة بالأزهار . وكان كاهن المدينة قد تقَّدم نحو التابوت وقد ظهرت عليه الحيرة وقطب حاجبيه، فصاح الجمهور يقول للأم المحزونة:” سيقيم لك ابنتك ” ..فأجهشت أم البنيَّة الميتة باكية، وارتمت على قدمي المسيح وضرعت إليه وهي تمد نحوه ذراعيها قائلة:” إذا كنت أنت هو حقاً فأحيِ ابنتي “..

توقف الموكب، ووضع التابوت على الأرض عند قدميه.. فألقى على جثمان البُنَيَّة نظرة تفيض بالعطف، وتحرَّكت شفتاه في رفق، فما إن نطق بهذه الكلمات حتى خرجت الطفلة من التابوت، وجلست مبتسمة، ونظرت حولها بعينين محملقتين تملأها الدهشة . إنها تمسك بيدها باقة من ورود بيضاء كانت قد وضعت في يدها.

اضطرب الجمهور وصاح وبكى، ومر في تلك اللحظة نفسها من الساحة، أمام الكاتدرائية، الكاردينال كبير المفتشين. إنه شيخ في التسعين من عمره، طويل الجسم، منتصب القامة، معروق الوجه غائر العينين، غير أن في عينيه شعلة ساطعة. إنه لا يرتدي الآن ثوب الكاردينالية الأرجواني الفخم، الذي ظهر به للشعب الليلة البارحة، حين كان يرمي إلى النيران أعداء الكنيسة الكاثوليكية . وإنما هو يلبس في هذه المرَّة ثوب الكاهن، المصنوع من الصوف الخشن . وعلى مسافة منه يتبعه معاونوه العابسون وخدمه والحرس المقدس.

وقف الكاردينال أمام الجمهور وتأمَّله من بعيد . لقد رأى كل شيء، رأى التابوت عند قدميه، ورأى الطفلة تُبعث من الموت، فأظلم وجهه واكفهر . إنه يقطب حاجبيه الكثيفين الأبيضين ، ويومض في عينيه بريق متوحش كاسر . وهذا هو يشير إليه بسبابته آمراً الحرس بأن يعتقلوه . وكانت قوة هذا الرجل كبيرة بحيث استطاع أن يُخضع الشعب الخائف لإرادته، وسرعان ما ابتعد الجمهور وفتح الطريق أمام الحرس التابع له، فإذا بهؤلاء، وسط صمت الموت الذي خيَّم على حين فجأة، يضعون أيديهم عليه ويقتادونه . وسجد الجمهور بحركة واحدة أمام المفتش الكبير الذي بارك الجمهور صامتاً وانصرف .

أخذ الحرس السجين إلى المبنى العتيق، وحُبس في زنزانة مظلمة ضيقة مقببة في القصر القديم لمحكمة التفتيش المقدسة . انقضى النهار، وهبط الليل ،الهواء معطَّر بعبق أشجار الرّند والليمون. هي ليلة من ليالي اشبيلية الثقيلة الحالكة الخانقة الحارة، وفجأة، في الظلمات، فُتح الباب الحديدي، وتقدَّم المفتش العجوز يسير في الممر ببطء حاملاً بيده شعلة. وقف لحظة على عتبة الزنزانة وتفرَّس في وجه السجين طويلاً. ثم اقترب منه آخر الأمر بخطى صامتة، ووضع الشعلة على المنضدة وقال له:

ــ أهذا أنت إذن؟ أهذا أنت؟ وعندما لم يتلق جواباً، أسرع يضيف:” اصمت لا تقل شيئاً، وما عساك تعلمني على كل حال؟ إنني أعرف سلفاً كل ما تقوله لي . وبأي حق تريد من جهة أخرى، أن تضيف شيئاً آخر إلى ما سبق أن قلته؟ لماذا تجيء اليوم تزرع الاضطراب في حياتنا؟ إنك جئت لتبث فينا الاضطراب، ما في ذلك ريب، وأنت لا تجهل ذلك . فهل تعلم مع هذا ما الذي سيقع غداً؟ إنني لا أعرفك، ولا أريد أن أعرفك! هل أنت هو حقاً، أم لست إلا طيفه؟ لأنني سأحكم عليك بالإعدام، وسآمر بإحراقك مثلما آمر بإحراق أسوأ الزنادقة. إن ذلك الجمهور نفسه الذي كان يقبِّل قدميك منذ بضع ساعات، سيهرع غداً، بإشارة بسيطة مني، ليزيد من لهيب النار . هل تعلم ذلك؟ لا شك أنك تعلم ذلك.. ألقى عليه الكاردينال هذا السؤال، ثم أضاف يقول شارد الفكر نافذ النظرة ،دون أن يحوِّل بصره عن سجينه لحظة واحدة.

” لست أفهم جيداً يا إيفان ” ـ قال إليوشا وهو يبتسم، وكان إلى ذلك الحين يصغي إلى أخيه صامتاً ـ ” ماذا يعني ذلك، أهذه تهاويل مضطربة أنشأها خيالك المحموم، أم أنت تريد أن تقول أن الشيخ قد اخطأ وخدعه ظنه ” ؟

قال ايفان ضاحكاً:” لنسلِّم بأن هناك خطأ ما، ما دامت واقعية هذا العصر قد أثرت عليك أنت أيضاً ،إلى حد لا تستطيع معه أن تقبل تهاويل خيالية غريبة . لنفرض أن هناك غموضاً ما، إذا كنت تحرص على ذلك . ثم أردف ايفان يقول وهو يضحك مرة أخرى : يجب أن لا ننسى أن هذا العجوز هو في التسعين من عمره، ومن الجائز أن يكون قد جُنَّ منذ زمن طويل في عزلته المتكبرة المستعلية. ولعل منظر السجين قد أدهشه . ولعل هذا كله لم يكن أيضاً إلا هذيان رجل عجوز قد أهاجه إحراق المائة زنديق الذين أحرقوا في الليلة البارحة، أو أهاجته هلوسة من تلك الهلوسات التي تسبق الموت في بعض الأحيان، وأن الأمر واحد على كل حال، سواء أكانت تهاويل خيالية أو أخطاء . إن المهم أن هذا الشيخ سيقول في هذه المرة، وهو في التسعين من العمر، سيقول ما في قلبه ،وما فكّر فيه صامتاً طوال حياته.

ــ ” والسجين؟ هل هو صامت؟ هل هو ينظر إلى زائره دون أن يفتح فمه بكلمة؟ “.. قال ايفان شارحاً وهو ما يزال يضحك : على هذا النحو إنما تجري الأمور. ألم يُفهمه الشيخ العجوز أنه ليس من حقه أن يضيف شيئاً إلى ما سبق أن قاله في الماضي؟ بل إن هذا في رأيي سمة من السمات الأساسية للكاثوليكية الرومانية: ” لقد عهدت برسالتك إلى البابا، ومن اختصاص البابا أن يقرر الآن . فلا تأت إلينا لبثّ القلق والاضطراب في حياتنا بغير طائل، لا تأت الآن، لا تأت قبل الساعة المحددة على كل حال.. فهذا ما يقوله صانعو الكنيسة الرومانية على الأقل، أو هذا ما يقوله اليسوعيون “، لقد قرأت هذا بنفسي في كتاباتهم اللاهوتية.

يتبع ………

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »