الرئيسية / ثقافة / ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) ـ الجزء الثاني ـ

ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) ـ الجزء الثاني ـ

الرقة بوست – معبد الحسون

” هل من حقك أن تكشف لنا ولو عن سرٍ واحد ، من أسرار العالم الذي جئت منه “؟ ..ألقى عليه العجوز هذا السؤال.. لا، ليس من حقك أن تفعل.. ولم ينتظر الجواب، بل أضاف يقول فوراً: ليس لك أن تضيف شيئاً إلى ما سبق أن قلت في الماضي، وذلك حتى لا تحرم البشر من تلك الحرية التي كنت تقدرها قدراً عظيماً حين عشت على الأرض. إن كل كشف جديد قد تأتي  به يؤثر سلباً على حرية الإيمان، لأنه سوف يبدو كمعجزة من المعجزات، وقد رأيت منذ خمسة عشر قرناً أن ضمان حرية الإيمان أمر أساسي..” وأضاف العجوز، المفتش الكبير:

ــ ” لقد جئتكم بالحرية.. ألم تكن تردد على مسامعهم ذلك بغير كلل ولا ملل..؟ ولقد رأيتهم بعينيك قبل قليل ..” هؤلاء البشر الأحرار “..

قال العجوز وهو يرسم على شفتيه ابتسامة متفكّرة على حين فجأة .. ثم أضاف العجوز وهو يلقي عليه نظرة قاسية:

ــ ” إن هذه الحرية هي من صنعنا، وقد كلفتنا جهوداً لا نهاية لها.. ولكننا أتممنا عملنا أخيراً باسمك . لقد اضطررنا خلال خمسة عشر قرناً.. وقررنا أن نظل نتحرك جاهدين بهذه الحرية، ولكن الأمر قد انتهى الآن، انتهى تماماً.. ألا تظن أنه انتهى إلى الأبد؟ إنك تنظر إلي بوداعة ولين ورفق، فلا شك أنك تقدِّر أنك إن أظهرت استياءك كنت تشرفني تشريفاً لا أستحقه ! إن البشر هم في هذا اليوم بعينه أشد اقتناعاً منهم ، في أي وقت مضى بحريتهم الكاملة، ومع ذلك فالواقع أنهم تنازلوا عنها ووضعوها في أيدينا بكثير من المذلة..  ذلك هو عملنا.. ألم يكن ذلك هو ما كنت تفعله! ؟ ألم تكن هذه هي الحرية التي تنشدها لهم..؟ تابع العجوز يقول:

ــ  لقد تحدثتْ إليك في الصحراء الروحُ الرهيبةُ العميقة، روح الدمار والعدم…

(( يقصد المفتش بذلك الشيطان، وهو يشير إلى ما جاء في إنجيل متى/الأصحاح الرابع:  ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليُجرَّب من إبليس/فبعد ما صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة، جاع أخيراً/فتقدم إليه المُجَرِّب وقال له: إن كنت ابن الله فقل أن تصير هذه الحجارة خبزاً/فأجاب وقال: مكتوب : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله/ثم أخذه إبليس إلى المدينة المقدسة، وأوقفه على جناح الهيكل/وقال له: إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنه مكتوب: أنه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك/قال له يسوع: مكتوب أيضاً: لا تجرب الرب إلهك/ثم أخذه أيضاً إبليس إلى جبل عالٍ جداً، وأراه جميع ممالك العالم ومجدها/وقال له: أعطيك هذه جميعها إن خررت وسجدت لي/10 حينئذ قال له يسوع: إذهب يا شيطان لأنه مكتوب: للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد))..

لقد تحدثتْ إليك في الصحراء الروحُ الرهيبةُ العميقة، روح الدمار والعدم، وتروي لنا الكتب المقدسة أنه أغواك، أليس كذلك؟ هل نستطيع في الواقع أن نتخيل حقائق أكبر من الحقائق التي عرضها لك في أسئلته الثلاثة؟ لقد رفضت أنت تلك الحقائق آنئذ، وتصفها الكتب المقدسة لنا بأنها غوايات، ومع ذلك، لئن وجدت على هذه الأرض في يوم من الأيام معجزة صادقة كبرى، فإن تلك المعجزة إنما تحققت في ذلك اليوم بعينه، وفي تلك الغوايات الثلاث . لقد كانت تلك الأسئلة معجزة من المعجزات لمجرد أنها ألقيت. لنفترض مثلاً، أن هذه الأسئلة الثلاثة قد تبددت دون أن تترك أثراً في الكتب المقدسة، وأن علينا أن نعثر عليها اليوم ونعيد بناءها وأن نكتشفها من جديد، حتى نضمها إلى النصوص المقدسة، لنفترض أننا نعمل جميعنا لتحقيق هذا الهدف، تخيلوا لو أننا جمعنا كل حكماء الأرض ورؤساء الدول وأمراء الكنيسة والعلماء والفلاسفة والشعراء، وقلنا لهم: ” تخيَّلوا لنا ثلاثة أسئلة لا تكون على مستوى الحدث فحسب، بل تلخص بالإضافة إلى ذلك، مستقبل العالم والإنسانية في ثلاث جمل إنسانية بسيطة؟.. فهل تظن أن كل حكمة الأرض المجتمعة في هؤلاء الرجال، تستطيع أن تفعل شيئاً يشبه بقوته وعمقه، تلك الأسئلة الثلاثة التي ألقاها عليك في الصحراء ذلك الروح القوي العميق؟

إن تلك الأسئلة الثلاثة وتلك الحادثة المعجزة، تشهد بأن الأمر لم يكن أمر عقل إنساني عادي، بل أمر فكر خالد مطلق . ذلك أنها تضم في ذاتها، كل التاريخ المقبل للإنسانية، وتقدِّم رموزاً ثلاثة تنحل فيها جميع تناقضات الطبيعة الإنسانية، التي لا سبيل إلى حلها. إن تلك الحقائق لم تكن ظاهرة آنئذ ظهوراً واضحاً، لأن التطوُّر الذي تطوره العالم بعدئذ لم يكن معروفاً؛ أما الآن، بعد انقضاء خمسة عشر قرناً، فإننا نرى أن كل شيء تنبأت به تلك الأسئلة الثلاثة، قد تحقَّق تحقيقاً يبلغ الكمال والتمام.. إننا لن نستطيع أن نضيف إليها شيئاً أو أن نحذف منها شيئاً بعد اليوم. فاُحكم في الأمر بنفسك : من ذا الذي كان على حق، هل أنت أم سائلك؟ تذكر السؤال الأول من تلك الأسئلة الثلاثة، ليس نصّه بل معناه العام.. تريد أن تمضي إلى الناس خالي اليدين، إلا من حرية وُعدوا بها، حرية لا يستطيعون بحكم ما فُطروا عليه من بساطة وجهل أن يفهموها، عدا أنهم بالإضافة إلى ذلك، يخشونها ويخافون منها، لأنه ليس هناك، ولم يكن هناك، في يوم من الأيام، حالة لا يطيقها البشر والمجتمع مثلما لا يطيقون الحرية.. هل ترى هذه الحجارة في الصحراء الوعرة المحرقة؟ حوِّلْها إلى خبز تُهرعْ إليك الإنسانية كقطيع جائع، وتصبح شاكرة لك مطيعة إياك، ولكنها ستظل ترتجف خوفاً من أن تسحب يديك، وتُحرم هي من الخبز، غير أنك لم تشأ أن تحرم الإنسان من الحرية، فرفضت العرض قائلاً لنفسك: لا حرية صادقة حيث تُشترى الطاعة بالخبز.

لقد أجبت بقولك: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. أفكنتَ تجهلُ إذن أن روح الأرض ستثور عليك باسم هذا الخبز الأرضي نفسه، وأنها ستقتلك وتغلبك؟ وأن الجمهور سيُهرَعُ حينئذٍ نحوها قائلاً:” من ذا الذي يستطيع أن يقيس نفسه بهذا الوحش الذي وهب لنا نار السماء؟ لسوف تنقضي قرون، ويأتي يوم تنادي فيه العالم الإنساني بأن الشر لا وجود له، وأن الخطيئة تبعاً لذلك لا وجود لها، مؤكدين أن هناك جائعين فحسب.. أطعمهم تجعلهم فاضلين.. وبهذه النصيحة إنما سيحملون الراية ضدك وسيقوِّضون معبدك.  وسيقيمون في موقع برج بابل القديم الرهيب، وفي مكانه مبنىً آخر، صحيح أن البناء لن يتم، كما لم يتم في المرة الأولى، ولكن كان في وسعك مع ذلك أن توفر على الإنسانية آلام هذه المحاولة الجديدة، وأن تختصر من عذابها ألف سنة . ذلك أن البشر إنما سيجيئون إلينا نحن بعد أن يجهدوا في بناء برجهم مدة عشرة قرون.. سيجيئون باحثين عنا كما فعلوا في الماضي، وسيجدوننا في الأقبية التي كنّا قد لجأنا إليها، لأننا سنُضطهد ونعذب من جديد، سيجيئون قائلين لنا: “أطعمونا، لأن الذين وعدونا بنار السماء قد خدعونا “.. وسننهي عندئذ بناء البرج، لأن الذين سيطعمون البشر يستطيعون وحدهم أن يتموا هذا العمل حتى النهاية. وسوف نطعمهم، سوف نطعمهم نحن ولا أحد سوانا، وسوف نفعل ذلك باسمك، كاذبين عليهم مستمدين سلطتنا منك. بدوننا لن يستطيعوا أن يعيشوا في هذا العالم، وسيظلون دوماً جائعين.. لن يهب لهم العلم خبزاً ما ظلوا أحراراً، ولكنهم سينتهون إلى أن يرموا حريتهم على أقدامنا، وسيدركون هم أنفسهم أن الحرية لا تتفق وخبز الأرض، ولا تتيح أن يصيب كل منهم من هذا الخبز كفايته.. وسيضرعون إلينا قائلين : ” استعبِدونا ولكن أطعِمونا “..لأنهم لن يتوصَّلوا إلى اقتسامه بالعدل في يوم من الأيام، وسيقتنعون كذلك باستحالة أن يكونوا أحراراً، لأنهم ضعاف فاسدون صغار النفوس سريعون إلى التمرد والعصيان.

لقد وعدتهم بخبز السماء، ولكنني أسألك مرة أخرى: هل يقاس خبز السماء بخبز الأرض في نظر الكثرة التي ستظل إلى الأبد فاسدة عاقة؟ إذا كانت ألوف من الناس أو كانت عشرات الألوف من الناس مستعدة لأن تتبعك في سبيل خبز السماء، فماذا تفعل الملايين والمليارات من الكائنات التي لن تحس بأنها قادرة على أن تتنازل عن خبز الأرض في سبيل خبز السماء؟ أتراك لا تعطف إلا على بضع عشرات من ألوف النفوس الكبيرة القوية، وهل يجب على ملايين البشر، هل يجب على الجموع التي لا نهاية لعددها، كرمل البحر، هل يجب على هؤلاء الذين هم ضعاف، ولكنهم يحبونك أيضاً، أن لا يكونوا إلا مادة مسخرة للكبار والأقوياء؟ إننا نحن نرى غير هذا الرأي، وإننا نهتم بالضعفاء، إنهم شريرون عصاة، ولكنهم سيصبحون في آخر الأمر أكثر الناس طاعةً وخضوعاً..

سوف يُعجبون بنا ويُعدُّوننا آلهة، لأننا نكون قد رضينا، حين صرنا قادة لهم، أن نحملَ عنهم عبء حريتهم وأن نسيطر عليهم، فإلى هذا الحد ستكون هذه الحرية قد أصبحت كريهة في نظرهم..! وسوف نوهمهم مع ذلك بأنهم إنما يطيعونك أنت، وبأننا نحكمهم باسمك.. سوف نكذب عليهم في هذه المجال أيضاً، لأننا لن نسمح لك بعد الآن بأن تتدخل في شؤوننا. وسيكون هذا الكذب الضروري عذابنا. ذلك ما كان يعنيه السؤال الأول في الصحراء، ولقد رفضت نداء الروح الجبار باسم الحرية التي وضعتها في أعلى منزلة، وفضلتها على كل شيء . ولقد كان ذلك السؤال يخفي مع ذلك كل سر هذا العالم . فلو رضيت أن تعطي الخبز، إذن للبَيتَ ما تنتظره الإنسانية انتظاراً أبدياً منذ عهود سحيقة، وهو أن تجد من تعبده . وكلما كان الإنسان حراً، كلما سعى دون توقف وتحمل المشاق والعذاب من أجل أن يجد شخصاً يعبده .

يتبع …………

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »