الرئيسية / ثقافة / ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) الجزء الثالث

ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) الجزء الثالث

الرقة بوست – معبد الحسون

ولكنّ الإنسان يتطلع إلى الخضوع لحقيقة مؤكدة لا تُجحد، حقيقة يحترمها جميع الناس برضى جماعي.. إن حاجة هذه المخلوقات الضعيفة ليست إلى اكتشاف قوة يمكن أن يطيعها هذا الفرد أو ذاك من الأفراد، وإنما إلى اكتشاف حقيقة عليا يمكن أن يؤمن بها الجميع، ويمكن أن ينحني لها الناس كافة، فهذه الحاجة إلى الإشتراك هي بعينها الهم الرئيسي الذي يعذب الناس كافة، ويعذب الإنسانية جملة منذ أقدم عهود التاريخ. فباسم هذا التطلع إلى العبادة الجماعية المشتركة إنما أفنت الشعوب بعضها بعضاً خلال الأحقاب. كانت الشعوب تصنع آلهة ثم تأخذ تتشاتم، وسيبقى الحال على هذا المنوال إلى ما لا نهاية.. اتركوا آلهتكم وتعالوا اعبدوا آلهتنا، وإلا فالموت لكم ولآلهتكم.. وسيبقى الحال على ما هو عليه إلى نهاية العالم، وحتى بعد زوال الآلهة سيظلون يسجدون لمعبودات جديدة .ولقد كنت تعلم هذا السر الجوهري من أسرار الطبيعة الإنسانية، فليس يمكن أن تجهل هذا السر، ولكنك رفضت الراية الوحيدة التي تملك قوة جذب مطلق، والتي قدمت لك لكي تدفع بجميع البشر إلى الإنحناء أمامك بغير تردد، أعني راية الخبز الأرضي . ولكنك رفضت هذه الراية باسم الحرية وباسم الخبز السماوي؛ فانظر الآن فيما صنعت ! أنظر فيما فعلت باسم الحرية ! أعود فأقول لك إنه لا قلق أرسخ في قلب الإنسان من قلق الحاجة إلى العثور على من يستطيع أن يضحي له سريعاً بالحرية التي وُهبت له، وهو المخلوق التعيس منذ ولد .

ولكن لا سبيل إلى التصرُّف في حرية البشر إلا بتهدئة ضميرهم . ولقد كان في وسعك أن تتخذ الخبز راية لا تخطئ . أطعم الإنسان يطعمك، فلا شيء في هذا العالم اعز على الجحود من الحاجة إلى الأكل . ولكن إذا استولى غيرك عندئذ على ضمير البشر تركوك وعدلوا حتى عن خبزك ليتبعوا ذلك الذي يكون قد أخضع نفوسهم . في ذلك كان رأيك صحيحاً. إن سر الوجود الإنساني ومبرره ليس في إرادة الحياة، بل في الحاجة إلى معرفة السبب الذي يدعو الإنسان إلى الحياة . فالإنسان ما لم يكن على يقين من هدف حياته، لا يقبل أن يوجد في العالم، بل يؤثِرُ أن يدمِّر نفسه، ولو ملك الخبز وافرا كل الوفرة . تلك هي الطبيعة الإنسانية . ولكن ما الذي حدث؟ حدث أنك بدلاً من أن تسيطر على الحرية الإنسانية أردت لها مزيداً من النمو . فهل نسيت أن الإنسان يؤثر هدوء نفسه، بل الموت على أن تكون له ملكة حرية الاختيار في معرفة الخير والشر؟ لا شيء يأخذ اللب في الوهلة الأولى أكثر من حرية الضمير، ولكن لا شيء في الواقع يعذب الإنسان أكثر مما تعذبه هذه الحرية . فبدلاً من أن تحمل للإنسانية الأسس الراسخة الثابتة الباقية للهدوء النفسي إلى الأبد، عرضت عليها كل ما غير عادي وغامض ومحيَّر. لقد اخترت ما يتجاوز قوة البشر، كما لو أنك لا تحب البشر . أنت يا من جئت لتهب حياتك من أجلهم ! إنك بدلاً من أن تسيطر على الحرية الإنسانية وسعتها، وبذلك حملت العالم الروحي للبشرية بالآلام التي تولِّدها هذه الحرية في نفوس البشر . أردت من البشر أن يمنحوك حبهم بحرية وأن يتبعوك بإرادتهم، مفتونين بشخصك . ألغيت القانون القديم الذي كان قاسياً، فأصبح على الإنسان أن يميِّز الخير والشر بنفسه، مستلهماً حكم قلبه، غير مسترشد في تردده إلا صورتك أمام عينيه . أفلم تتنبأ، إذاً، بأن البشر سينوءون بهذا الحمل الرهيب، حمل حرية الإرادة، فينبذوا في يوم من الأيام صورتك ويشكُّوا في تعاليمك؟

لسوف ينادون في النهاية بأن الحقيقة لم تكن فيك، فمن المستحيل دفعُهم إلى اضطراب وعذاب أشد من الاضطراب والعذاب اللذين دفعتهم إليهما حين تركت لهم كل هذه الأنواع من القلق، وكل هذه المشكلات التي لا سبيل إلى حلِّها. لقد وفَّرت أنت نفسك الأسباب اللازمة لهدم مملكتك، فليس لك أن تتهم أحداً بتدميرها، فهل هذا ما عرض عليك مع ذلك؟ ليس على الأرض إلا قوى ثلاث تستطيع وحدها أن تتغلب على ضمير هؤلاء المتمردين، وأن تخضعه في سبيل سعادته نفسها، ألا وهي: المعجزة، والسر، والسلطة. ولقد رَفضت هذه القوى الثلاث جميعاً، وأعطيت الناس مثلاً من أجل أن يحتقروها. فحين نقلك الروح الرهيب (إبليس) إلى سطح المعبد وقال لك: إذا أردت أن تتأكد أنك ابن الرب فألق بنفسك في الفضاء، لأنه كتب أن الملائكة ستتلقفه وتسنده فلا يقع ولا يتحطم، وعندئذٍ تعلم أنك ابن الله، وتبرهن على قوة إيمانك بأبيك، ولكنك رفضت هذا العرض ولم تلق بنفسك في الفضاء . صحيح أنك تصرفت في تلك اللحظة تصرفاً فيه ما في تصرف إله من عظمة وجلال، ولكن هل تتصور أن البشر، وهم جنس ضعيف متمرد، يملكون من القوة الروحية ما يملكه إله؟ لقد فهمت في تلك اللحظة أن حركة بسيطة هي أن تهم بإلقاء نفسك في الفضاء كانت ستعني إغراء الرب، فلو قمت بها لكنت بطلب المعجزة تبرهن على قلَّة إيمانك، فإذا حُرمت من الإيمان تهشمت أسوأ تهشم على الأرض التي جئت لتخلِّصها وتنقذها، وتهلل الروح المحتال جذلاً وطرباً.

ولكنني أعود فأسألك : هل أمثالك كثيرون في هذا العالم؟ هل تعتقد ولو للحظة واحدة أن البشر يمكن أن يقاوموا هذا النوع من الإغراء؟ هل في طبيعة البشر أن يتنازلوا عن المعجزة وأن يعتمدوا على حكم القلب وحده في الساعات العصيبة من الحياة، أمام المشكلات الخطيرة الأليمة التي تعرض للنفس؟ لقد كنت تعلم أن موقفك البطولي سينتقل بالكتب المقدسة إلى آخر العصور، كنت تأمل أن يقتدي البشر بك فيقبلوا أن يظلوا وحيدين مع اللَّه لا يطلبون معجزة من المعجزات . ولكنك لم تقدر أن الإنسان متى جحد المعجزة أسرع يجحد الرب، لأنه يبحث عن العجائب وليس عن الرب؛ وأنه لكونه لا يستطيع أن يحيا بغير معجزات، سيخلق بنفسه معجزات، وسيتبع أباطيل السحرة وخزعبلاتهم، ولو كان متمرداً وكافراً وملحداً.

إنك لم تنزل عن الصليب حين دعاك الجمهور إلى ذلك صائحاً من باب الاستهزاء :انزل عن الصليب فنصدِّق أنك أنت.. لأنك مرة أخرى لم تشأ أن تنزل وتستعبد البشر بالمعجزة، وإنما أردت أن يجيئوا إليك بدافع الإيمان لا بتأثير العجائب وكنت تريد أن يهبوا لك محبتهم أحراراً لا أن ينصاعوا لك عبيداً، أذهلتهم قوتك . هنا أيضاً أسرفت في تقدير البشر وأنزلتهم منزلة أعلى من منزلتهم، ذلك أن البشر عبيد رغم أنهم مفطورون على التمرد . أنظر فيما حولك: ماذا أصبح البشر بعد انقضاء خمسة عشر قرناً؟ ما عدد أولئك الذين رفعتهم إلى مستواك؟

أحلف لك أن الإنسان أضعف وأسوأ مما ظننت ! هل يستطيع هو الوضيع أن يحقق ما حققته أنت؟ إنك حين احترمته ذلك الاحترام كله قد تصرفت كمن فَقَدَ عطفه عليه، لأنك سألته فوق ما يطيق، أنت الذي أحببته أكثر من نفسك ! فلو أنك قدَّرته أقل مما قدَّرته، إذن لطلبت منه أقل مما طلبت، ولكن موقفك عندئذ أقرب إلى المحبة، لأن العبء عليه يكون عندئذ أقل ثقلاً. إن الإنسان ضعيف وجبان . لا يهمني أن يكون الآن قد ثار في كل مكان على سلطتنا، وأنه يرى في عصيانه الآثم هذا مجداً يعتز به. ذلك غرور الأطفال، إن البشر يشبهون تلامذة صغاراً ثاروا في المدرسة وطردوا معلمهم. ولن تدوم فرحتهم، وستكلِّفهم ثمناً باهظاً.

سوف يهدمون المعابد، ويجري الدم سيولاً على الأرض. وسوف يدرك هؤلاء الصبية الأغبياء، أن ضعفهم لن يتيح لهم أن يعيشوا زمناً طويلاً في التمرد والعصيان . وسيعترفون وهم يسكبون دموعاً باطلة أن الذي وهب لهم روح العصيان قد غرر بهم وسخر منهم . سيقولون هذا بحزن، وسيكون كلامهم تجديفاً يجعلهم أعظم شقاء، لأن الطبيعة الإنسانية لا تحتمل التجديف، ولا بد أن تثأر لنفسها منه آخر الأمر .

القلق، الاضطراب، العذاب، ذلك هو المصير الذي كُتب على البشر الآن، بعد أن تحملت أنت كل ما تحملته من أجل أن تهب لهم الحرية!

يروي رسولك الكبير أنه قد شاهد، في رؤيا، جميع المشتركين من البعث الأول، فرأى اثني عشر ألفاً من كل سبط.. لقد كانوا، مهما يكثر عددهم، أقرب إلى آلهة منهم إلى بشر : قاسوا ما قاسيتُ، وعاشوا عشرات السنين في الصحراء القاحلة، وأضناهم الجوع، واقتاتوا بالجراد والنبات . إن في وسعك أن تعتز بأبناء الحرية هؤلاء الذين وهبوا لك محبتهم أحراراً، وارتضوا طائعين مختارين أن يُضحوا في سبيلك بأنفسهم في صورة رائعة . ولكن تذكر أن هؤلاء ليسوا إلا بضعة آلاف، وأنهم أشبه بآلهة منهم ببشر . والآخرون؟ ما ذنب الآخرين إذا هم لم يستطيعوا أن يحتملوا ما احتمله الأقوياء من محن؟ هل تأثم النفس الضعيفة حين لا تعرف كيف تسمو إلى فضائل مخيفة إلى هذا الحد؟ أتراك جئت من أجل هذه الصفوة وحدها؟ هل أنت لا تفكر إلا فيها ولا يخطر ببالك من عداها؟ إذا كان الأمر كذلك فهو سر يفوق ما نملك من قدرة على الفهم؛ ومن حقنا في هذه الحالة نحن أيضاً أن نلجأ إلى السر، وأن نُعلم الجماهير أن الأمر الأساسي ليس هو المحبة ولا الخيار الحر للقلب، وإنما هو الخضوع الأعمى لما لا سبيل إلى معرفته، وأن يطيعونا إذن ولو عارضهم في ذلك ضميرهم . وهذا بعينه هو ما فعلناه.

يتبع ……….

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »