الرئيسية / ثقافة / ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) ـ الجزء الرابع والأخير

ديستويفسكي.. الباحث عن الله في إعادة قراءة ( المفتش الكبير) ـ الجزء الرابع والأخير

الرقة بوست – معبد الحسون

لقد قمنا بإصلاح العمل الذي قمت به، فبنيناه على ” السلطة” و” المعجزة” و “السر”، وابتهج الناس إذ رأوا أنفسهم يُقادون من جديد كما يُقاد قطيع، ورأوا أنفسهم يتحررون من تلك الهِبة المشؤومة التي وهبتها لهم، فكانت مصدر أنواع من العذاب قاسوها.  هل كنا على صواب حين عملنا على هذا النحو؟ هل يمكن أن يؤخذ علينا حقاً أننا لم نحب الإنسانية حباً كافياً، لعلمنا بضعفها الروحي، وخففنا عنها الحمل في كثير من الإلحاح، حتى لقد أبحنا لها أن يرتكبوا الخطيئة، شريطة أن يستأذنوننا في ذلك؟ فلماذا تجيء الآن لتبث الفوضى في عملنا؟

مالك تحدِّق إليّ هكذا صامتاً بعينيك الرقيقتين النافذتين؟ أحرى بك أن تغضب. إنني لا أريد مجيئك، لأنني أنا نفسي لا أحبك. ولست أحاول أن أخفي عنك ذلك، لأنني أعلم من ذا الذي أخاطب، أليس كذلك؟ ثم إنك تعرف كل ما قد أقوله لك، أقرأ ذلك في عينيك . ففيم المواربة والحالة هذه؟ إن سرَّنا لن يخفى عنك . فلعل ما تريده إذن هو أن تسمع هذا السر من فمي..؟ ليكن لك ما تريد: ألا فاعلم أننا لسنا معك، بل معه ” هو “، وذلك هو سرنا. لقد كففنا عن أن نكون معك منذ زمن طويل وتحيزنا له ” هو “. منذ ثمانية قرون قَبِلْنا منه ماسبق أن رفضته أنت بقوة. أعني الهِبة الأخيرة التي عرضها عليك وهو يشير لك إلى ممالك الأرض، لقد قبلنا أن نأخذ من يديه روما، وأن نأخذ السيف من قيصر، وأصدرنا قراراً بأن نكون لهذا العالم ملوكه الوحيدين،

رغم أننا لم ننجز إلى الآن عملنا.

ولكن من المذنب في هذا؟ إن هذا العمل ما يزال في بدايته، ولكنه بدأ، ولا بد من الصبر طويلاً قبل أن نصل به إلى غايته، ولكننا سنبلغ هدفنا وسنصبح سادة الكون.  وسيتاح لنا عندئذ أن نفكر في سعادة مشتركة تنعم بها الإنسانية. لقد كان في وسعك أن تقبل السيف من قيصر في الماضي، فلماذا رفضت تلك الهِبة الأخيرة؟ لو اتبعت الوصية الثالثة التي نصحك بها الروح القوي، لكان في وسعك أن تحقق كل ما تتمناه الإنسانية، وهو أن تعرف من تطيع، وإلى من تعهد بقيادة ضميرها، وبأي وسيلة توحِّد جميع البشر في مجتمع كمجتمع النمل، مجتمع واحد كبير منظَّم . ذلك أن الحاجة إلى الوحدة الشاملة هو ثالث هموم النفس الإنسانية وأكثرها قوة . لقد حاولت الإنسانية في جميع الأزمان أن تنظِّم نفسها على أساس شامل . إن هناك أمماً كثيرة عظيمة كان لها تاريخ مجيد، ولكن شقاءها كان كبيراً على مقدار نبلها، لأنها أحست أكثر من غيرها من الشعوب بالحاجة إلى توحيد النوع البشري .

إن الغزاة الكبار، من أمثال تيمورلنك وجنكيز خان، الذين مروا على الأرض مرور إعصار مخرب وعاصفة مدمرة، كانوا يتوقون إلى أن يصبحوا سادة العالم بأسره، ولكن شوقاً عميقاً واحداً إلى توحيد جميع الشعوب كان يحرِّكهم دون أن يشعروا بذلك . فلو أنك قبلت قانون القياصرة، لكان في وسعك أن تبني الإمبراطورية الشاملة وأن تكفل السلام للإنسانية إلى الأبد . على من يقع عبء حكم البشر إن لم يقع على أولئك الذين يحكمون النفوس منذ الآن ويملكون مصادر رزقهم؟ لقد أخذنا السيف إذن من قيصر، وإذا فعلنا ذلك فقد أنكرناك أنت لنتبعه “هو”.. ستنقضي قرون طويلة يغيب فيها الفكر الحر، وتنتشر نظرياتهم العلمية وأكل لحوم البشر، ذلك أنهم ما داموا قد شرعوا في بناء برج بابل بدوننا لا بد أن ينحدروا حتماً إلى أكل لحوم البشر، ولكن الوحش سيأتي بعد ذلك إلينا زاحفاً، وسيلعق أرجلنا التي سيبللها بدموعه الدامية. وسوف نركبه، ونرفع نحو السماوات كأساً نقشت عليه هذه الكلمة:” السر “..

ويومئذ إنما ستدق ساعة السلام والسعادة للإنسانية. إنك فخور بصفوتك المختارة، ولكن الصفوة وحدها معك، أما نحن فسوف نعرف كيف نحمل الطمأنينة إلى جميع النفوس . ما أكثر الذين كانوا يتطلعون إلى خدمتك، بين أبناء هذه الصفوة المختارة، وهؤلاء الأقوياء، فانتظروك عبثاً، ثم سئموا من هذا الصبر الطويل العقيم، فوقفوا قوى فكرهم وحماسة قلبهم على غايات أرضية صرفة، وانتهى بهم الأمر إلى رفع راية حريتهم عليك !ألست أنت الذي أعطيتهم راية الحرية هذه؟ أما نحن الذين نهشُّ على البشر بعصانا، فإن البشر سيكونون سعداء معنا، وسيعزفون عن التمرد علينا، ولن يبيد بعضهم بعضاً كما يفعلون بفضل الحرية التي تركتها لهم. وسوف نعرف كيف نقنعهم من جهة أخرى بأنهم لن يكونوا أحراراً إلاَّ متى تنازلوا عن حريتهم، وسنكون قد ألزمناهم بخضوع لا رجعة عنه .

هل ما نقوله لهم هو الحقيقة أم هو كذب؟ إنهم لن يلبثوا أن يدركوا أنه هو الحقيقة، لأنهم سيتذكرون العبودية والآلام التي قادتهم إليها حريتك . إن العلم وحرية الفكر ستؤدي بهم إلى طريق غير نافذة، لأنه سيلقيهم في اضطراب لا مخرج منه، زاخر بالمعجزات المحيَّرة، فأما العصاة الأقوياء منهم فسيدمِّرون أنفسهم، وأما العصاة الضعاف فسيقتل بعضهم بعضاً. ولكن الجمهرة الكبرى من الضعاف، فإنهم سيزحفون على أقدامنا قائلين لنا: “أنتم على حق، إننا نعترف بهذا الآن، لأنكم كنتم وحدكم تملكون أسراره . نحن نعود إليكم، أنقذونا من أنفسنا”.. وعندما يتلقون الخبز من أيدينا، سيرون حق الرؤية أنهم هم الذين أنتجوه بعملهم، وأننا أخذناه منهم لنوزعه بعد ذلك بدون أيَّة معجزة . سيفهمون أننا لم نقلب الحجارة إلى خبز، ولكنهم سيغتبطون بأنهم أطعموا على أيدينا وليس من الخبز نفسه، لن ينسوا قط أن الخبز الذي صنعوه كان، بدوننا، يتحول في أيديهم إلى حجارة، حتى إذا رجعوا إلينا تحولت الحجارة خبزاً لهم .

سيعرفون كيف يقدِّرون بعد الآن قيمة الخضوع النهائي ! وحتى يعرف الناس ذلك لن تكون حياتهم إلا شقاء . فمن ذا الذي ساهم أكثر من غيره في قلة الفهم تلك؟ من الذي خرَّب تلاحم القطيع وبعثره في طرق مجهولة؟ ولكن القطيع سيتجمع من جديد وسيعود إلى طواعيته، إلى الأبد في هذه المرة . وسوف نهب عندئذ لهذه الكائنات الضعيفة الجبانة سعادة متواضعة وادعة هي السعادة الوحيدة التي تناسبهم . سنعلمهم أخيراً أن لا يزهوا بأنفسهم، لأنك قد رفعتهم فجعلتهم متكبرين . سنبرهن لهم على أنهم لا قوَّة لهم ولا شجاعة، وأنهم أطفال يُرثى لحالهم، ولكن سعادة الأطفال هذه هي أعذب سعادة. سوف يصبحون خجولين وينظرون إلينا نظرتهم إلى حماة يحمونهم، وسوف يتراصون حولنا خائفين كما تتراص أفراخ الدجاجة حول أمها. سوف يدهشهم ويرعبهم أن يلاحظوا قوَّتنا، فخورين بأن لهم سادة يبلغون هذا المبلغ من القوة والذكاء، عرفوا كيف يسيطرون على هذا القطيع المكوَّن من آلاف الملايين من البشر. سوف يرتعشون خوفاً أمام غضبنا، وتتخدر عقولهم وتدمع أعينهم كالنساء والأطفال .

ولكنهم بإشارة منا، سوف ينتقلون بمثل هذه السرعة إلى الفرح والمرح والغبطة، ضاحكين مغنين كالصبية الصغار. وسنجبرهم على العمل طبعاً، ونهيئ لهم في ساعات فراغهم حياة مليئة باللعب والغناء والرقصات البريئة. وسنسمح لهم أيضاً بأن يأثموا ما داموا ضعافاً إلى هذا الحد من الضعف، وسيحبوننا كالأطفال بسبب تسامحنا. سنقول لهم إن كل خطيئة يمكن التكفير عنها إذا هي ارتكبت بموافقتنا. سنبيح لهم أن يأثموا لأننا نحبهم، أما العقاب فسنأخذه على عاتقنا. سوف يحبوننا على أننا مخلصون لهم، لأننا نقبل أن نكون مسؤولين عن خطاياهم وذنوبهم أمام الرب . ولن يكتموا عنا سراً، سنبيح لهم أو نحظر عليهم، تبعاً لدرجة طاعتهم، أن يعيشوا مع نسائهم أو خليلاتهم، وأن يُنجبوا الأطفال أو لا ينجبوا، وسيخضعون لتوجيهاتنا فرحين. سيُفضون إلينا بأخفى ما يعانون من آلام، وأخفى ما يضطرم في ضميرهم من أنواع العذاب . وسنفصل في جميع الحالات، وسيرتضون حلولنا سعداء، لأنها ستحررهم من القلق الذي يعانيه المرء متى كان عليه أن يتخذ قراراً حراً. وسيكون جميع الناس سعداء، جميع هؤلاء الملايين من البشر، باستثناء بضع مئات من الألوف الذين ستقودهم، سنكون وحدنا أشقياء، نحن الذين نملك السر . سيكون في هذا العالم مئات الملايين من الأطفال السعداء، لن يكون فيه إلا مائة ألف من الأشقياء هم الذين أخذوا على عاتقهم تحمُّل عذاب المعرفة، معرفة الخير والشر. وسوف يموت أولئك موتاً غامضاً، ينطفئون باسمك وادعين مسالمين، فلا يجدون في الحياة الآخرة إلا العدم .

ولكننا سنعرف كيف نحتفظ بسر الموت، ومن أجل سعادتهم سوف نصف لهم جمال المكافآت السماوية والحياة الأبدية . لئن كان بعد القبر حياة أخرى فلا شك أن هؤلاء ليسوا ممن ستوهب لهم تلك الحياة.

إن النبوءات تزعم أنك ستعود في يوم من الأيام لتحقق نصراً جديداً على الشر، وأنك ستظهر محاطاً بمن اصطفيت من أصحاب النفوس القوية المتكبرة الذين أنقذتهم، لسوف نجيب عندئذ بأن هؤلاء إنما أنقذوا أنفسهم وحدها، أما نحن فقد جئنا بالخلاص للناس كافة .

يقال إن الزانية الدنيئة التي تركب الوحش، والتي تحمل بيديها ” كأس السر”، سيجللها الخزي والعار ذات يوم،  وأن الضعاف سيثورون من جديد فيمزقون رداءها ويعرون جسدها ” النجس “، ولكنني سأنهض عندئذ فأشير إلى آلاف الملايين من الأطفال السعداء الذين يجهلون كل خطيئة، ونحن الذين نكون قد أخذنا على عاتقنا خطاياهم لنحقق سعادتهم، سوف نمثل أمامك ونقول لك:” أحكم علينا إذا كنت تستطيع، إذا كنت تجرؤ “..

ألا  فاعلم أنني لا أخشاك، وأنني عشت أنا أيضاً في الصحراء أقتات بالجراد وجذور النبات، وباركت الحرية التي وهبتها للبشر . وكنت أتهيأ لأن أدخل سلك صفوتك المختارة، وأن أكون واحداً من الأقوياء المتكبرين الذين يتألف منهم جيش أتباعك الصغير، وكنت أحترق شوقاً إلى أن أكمل ” جيش عددهم الصغير”، ولكنني رجعت إلى صوابي، ولا أريد أن أخدم عقيدة طائشة . لقد عدت وانضممت إلى صف أولئك الذين يعملون في ” إصلاح ما قمت أنت به “، تركت المتكبرين وانضممت إلى المساكين.. لأعاون في تحقيق سعادتهم .

إن ما أعلنه لك اليوم سيتحقق، وإن مملكتنا ستُبنى في هذا العالم . أعود فأكرر لك : إنك سترى غداً هذا الجمهور المطيع يسرع بإشارة مني إلى إضرام ألسنة اللهب، لأني سآمر بحرقك لأنك جئت لإعاقة ما نقوم به من عمل . لئن وجد من يستحق أن يهلك في النار، فهو أنت. سوف تُحرق غداً. انتهى كلامي..

صمت المفتش الكبير وأخذ ينتظر من سجينه رداً. ولكن صمت السجين قد أثقل على نفسه . لقد اقتصر أسيره طوال مدة كلامه على أن يحدق إليه بنظرة رقيقة نافذة، عازماً على أن لا يدخل في مناقشة معه . كان العجوز يؤثر على ذلك أن يجيبه السجين ولو بكلمات لاذعة أو رهيبة . ولكن السجين لم ينطق بكلمة واحدة . وهذا هو يقترب من العجوز فجأة فيطبع قبلة رقيقة على شفتيه الشاحبتين شحوب شفتي من بلغ من عمره التسعين، كان ذلك كل جوابه . ارتعش العجوز بتأثير هذه القبلة، واختلج شيء ما في طرفي فمه، واُتجه نحو الباب ففتحه وقال لسجينه: اذهب الآن، ولا تعد بعد اليوم ابداً.! وأومأ بيده إلى “الشوارع المقفرة من المدينة ” .. وانصرف السجين..

ــ وماذا حصل للعجوز؟

ــ حرقت القبلة قلبه، ولكنه لم يعدل عن فكرته..

……………….

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه : أليس ما تنبأ به ” المفتش الكبير” هو واقع البشرية اليوم ..؟ وهل يختلف النظام العالمي، لعالم الهيمنة والعولمة الذي تحيا به مليارات البشر اليوم عن المخطط الجهنمي الكبير الذي تنبأ به ديستويفسكي في القرن التاسع عشر..؟

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »