الرئيسية / مقالات رأي / الرقة بين الواقع والمأمول

الرقة بين الواقع والمأمول

محمد صبحي 

يشارف السوريون بكل تكويناتهم السياسية والاجتماعية، المرور بالذكرى التاسعة للاحتجاجات السورية، التي بدأها سوريون في العاصمة دمشق؛ للتعبيرعن رفضهم النظام القائم، ثم انتشرت إلى الأطراف لتعم أحداثها وتتحكم بكافة المفاصل لواقعنا السوري.

وحين نحاول تأمل هذا الواقع الممتد عبر الذاكرة السورية طويلا أو قريبا، فلا بد أن نتوقع جملة من التداعيات المعرفية والتاريخية الحديثة، التي راكمت الكثير من الأنماط المكونة للفكر أو السلوك الانسانيين لحياة السوريين كمجموع سكاني ترتكز على وجوده الدولة السورية.

إن ترابط السلسلة المنطقي والموضوعي، يقودنا إلى تلك التراكمات في الوعي السوري، والتي تصل حلقاتها الى مرحلة انبثاق القومية العربية، في بداية القرن الماضي كاتجاه عبر عن وهن انتشارها المترامي بالشكلانية الهزيلة، التي تجلت فيها فالنكبات والنكسات عناوين ومدلولات شارك فيها الانسان السوري لمجموعه العربي بكثير من المرارة والخيبة، ليصل هذا الانسان إلى محاولات غير مستدامة من التأسيس الديمقراطي للدولة السورية في ستينيات ذلك القرن، حتى أصبحت القومية عاملا معيقا ومستفزاً في الوطنية السورية  لقوميات أخرى عبرت عن نفسها بمظلومية المضطهد كرد فعل على الأغلبية العربية فيما بعد.

شعور قومي زائف

تعتبر فترة البعث القومي في سوريا، إحدى مؤشرات الفشل في الدولة السورية ومحاولاتها الاتحادية مع دول عربية أخرى على حساب المواطنة السورية حين استهلكها الالتزام الشكلي بقضايا النضال والكفاح العربي في المنطقة، كما ربطت النخبة العسكرية سطوتها على الحياة السياسية بذرائع الدعم للمشروع القومي في ظلال حالة الأحكام العرفية، وفشل التنمية، وازدياد معدلات الفقر، وغياب العدالة، وانتشار الفساد في مفاصل الدولة، وصار الواقع السوري محددا بهذا الانحدار حتى اندلاع تلك الاحتجاجات التي يمكن اعتبارها بداية لتحوّل جديد يختلف السوريون في توصيفه بحسب انتماءاتهم وولاءاتهم الجديدة، ما بين معارضٍ للنظام ومؤيدٍ له وما بينهما هامش كبير يضم انتماءات وهويات فرعية استيقظت أو كان مستيقظة لكنها لا تستطيع الحركة في ظروف المراحل السابقة كالتيار السياسي الممنوع من العمل في سوريا والذي يحق للنظام اعدام منسوبيه بحكم الدستور.

انتهى في العام 2000 حكم الأسد الأب ولم يكن عهد الابن ليبتعد كثيرا عنه، لأن تركة الفساد والقمع كانت كبيرة، فتبخرت احتمالية النجاح لأي دور إصلاحي وتنموي في وكان آخر الفرص ما بين العامين 2005-2006 حين قمع النظام إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي في سوريا، ولم يفِ بوعوده في الإصلاح الدستوري ولم يلغِ حالة الأحكام العرفية ولم القوانين التمييزية ضد الكورد كما أنه لم يسمح بتوسيع الهامش الديمقراطي في الحياة السياسية السورية وظل ينتهج ذات القمع وذات القهر اتجاه السوريين.

 

المعارضة والحل البديل

لم تصمد الاحتجاجات السلمية 2011 أكثر من السنة الأولى لها وتسللت إلى المشهد بحضانة من التيار الإسلامي في سوريا وامتداده في المنطقة، مشاريع مرتبطة بالعمل الفصائلي المسلح من خارج سوريا وداخلها.

تأخرت بيانات المعارضة في إدانة هذا النمط الجهادي الذي استثمر في حالة الاحتجاجات السورية، بالمقابل كان النظام منغمسا في الصراع وأكثر خبرة في توظيفات العنف المسلح لإدانة معارضيه من جهة ووصم الاحتجاجات ضده بصفة الإرهاب الدولي والحصول على الدعم في محاربته، بينما بقيت المعارضة تتكئ على مسند الاستعطاف الديبلوماسي لدول العالم في تصريف شؤونها السياسية، إلى أن وجدت نفسها مقحمة في مسار تفاوضي ليس شرطه الوحيد نفض يدها عن الفصائل المتطرفة  كأحد إفرازات الفوضى في سوريا كما رآها المجتمع الدولي،  وانما تحميلها من السوريين أنفسهم  الفشل في إدارتهم البديلة للبلاد وعمم المجتمع الدولي نتيجة مفادها أن الحل العسكري لا يمكن الركون إليه لأن سلاح المعارضة أصبح ينتقل إلى أيدي متشددون باتو خطرا على الدولة السورية والمجتمع ويمكن أن يتجاوز ذلك كل العالم، كما انخرط في هذا التوجه موالون للنظام ورماديون ومعارضون باعتبارهم خاسرون أيضا من انتشار الفوضى المتوحشة.

مناطق الاستقرار الجديدة

بعد صراعات مسلحة دامت بضع سنوات انتهى واقع المشهد السوري إلى التزام أطراف الصراع بقرارات خفض التوتر والتصعيد، فاستطاع النظام استعادة السيطرة من خلال عمليات التجميع لإمكانياته العسكرية وموارده في مناطق متصلة النفوذ في الجنوب والغرب والوسط من سوريا، تديرها حكومة النظام بشكل مباشر بإشراف روسي ومشاركة ايرانية، كما استطاعت المعارضة والغالبية الإخوانية إلى تسخير مؤسسات المعارضة والدعم الإقليمي والدولي لها من تجميع مواردها وإقرار السيطرة أيضا على مناطق محددة، من خلال ما يعرف بعمليتي درع الفرات وغصن الزيتون في مناطق من الشمال الغربي في سوريا، تدار هذه  المناطق من قبل المعارضة السورية وفصائلها المسلحة والمجالس المحلية التابعة لها بإشراف تركيا.

يضاف إلى هاتين الرقعتين من السيطرة، رقعة جديدة، نتجت عن السيطرة لقوات سوريا الديمقراطية مدعومة من التحالف الدولي على مناطق في الشمال الشرقي من سوريا وهي إما مناطق كانت تحت سيطرة قوات الحماية الشعبية أو مناطق مجاورة تم انتزاعها من خلال مشروع الحرب على الإرهاب، في شرق الفرات، وهي تدار وفق مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية.

خارطة النزاع

عندما وصل واقع سوريا إلى هذا المشهد الجغرافي والإداري لا شكل بأنه التعبير عن واقع المشاريع المتباينة لأطراف الصراع وبناء على التباين قد لا يمكن إدماج هذه المشاريع والوصول فيها إلى واقع جديد إلا من خلال آليتين اثنتين:

التصفيات بين اللاعبين: ويحصل ذلك من خلال حروب جديدة ومستمرة بين أطراف الصراع تغذيها مرجعيات دولية وإقليمية مرتبطة بها فوق الأرض السورية، على حساب استقرار المجتمع السوري، ليتم تمكين طرف وتوسعه على حساب آخر وليقضم وجوده إما جزئيا أو كاملا ومن نتائجه أن يتأخر الاستقرار حتى تتفق المرجعيات الداعمة لأطراف النزاع فيما بينها فتحصل التهدئة وانهاء الحروب بعد اقتسام المصالح.

مازال النظام يحاول فرض السيطرة على كامل التراب السوري وإعادة السوريين إلى بيت الطاعة بالرغم من التحديات التي تواجهه في مطالبة المجتمع الدولي له بعودة آمنة للسوريين والالتفات إلى إدارة البلاد بعيدا عن أسلوب المركزية الشديدة التي أنتجت الاستبداد، وهو بذلك يحتفظ بعلاقات دولية مع روسيا لكنه يختلف مع حليفتها تركيا ويتفق مع إيران لكن الموقف الأمريكي مازال يطالبه بتقليص النفوذ الإيراني إلى أبعد حد ويجري حاليا استهداف الوجود الإيراني في سوريا لفك ارتباط النظام بهذا الحليف الايراني.

نستطيع القول أيضا أن هذه الأجندات مازالت تلقي بظلالها الثقيلة على علاقة النظام بالمعارضة وتعثر المسار التفاوضي حول اللجنة الدستورية وغيرها من مخرجات التفاوض.

من جهة أخرى مازالت العلاقة التفاوضية تتذبذب فيما بينه وبين الضلع الثالث بوقائع السيطرة على سوريا في مسألة التقارب وإحياء المفاوضات المتعسرة فيما يتعلق بمصير منطقة شرق الفرات في سوريا، إذ ن هناك محاولات إعلامية تركية مستمرة بالإعلان عن عزمها الدخول إلى شرق الفرات وما ينسحب على هذا الموقف في علاقاتها مع الأطراف الفاعلة، ليتم تجميد كل هذه المواقف بعد إعلان الجانب الأمريكي رفضه التخلي عن حلفائه في الحرب على الإرهاب، والاستعاضة عن التدخل التركي باقتراح الجانب الأمريكي انشائه لمنطقة آمنة على طول الحدود في شرق الفرات.

أن التقارب الوحيد بين الأطراف المحركة للصراع يتمثل في اتفاقهم  على هدف الحرب على الإرهاب وإن كان هناك حالات من التوظيف السياسي لهذه الغاية الدولية، يتمثل ذلك في سماح بعض الأطراف لنفسها باتهام الخصوم أحيانا، بدعم الفصائل والتنظيمات المصنفة بالإرهاب، وإلصاق هذه التهمة بطرف حسب ما تفتضيه مجريات الصراع والضغط على الخصوم بين حين وآخر في مسألة انتزاع المكاسب السياسية أو الديبلوماسية على طاولة المفاوضات، وخاصة عندما يشتد أوار السجال الإعلامي للخصوم في محاولة تحليل الأحداث والمواقف على نحو يخدم أهداف جهة على حساب آخرين.

يتميز الواقع السوري بحركة شديدة التعقيد، فبالإضافة إلى تبلور بعض مناطق السيطرة والنفوذ آنفة الذكر، لايزال هناك تواجد لمسائل خلافية فيما تحاول الدول الراعية لمسارات التفاوض وبما يتعلق بمشروع الحرب على الإرهاب أو تفكيك بعض الفصائل الإسلامية التي يمكن اعتبارها متطرفة حين يتم تقييمها في الأوساط الدولية. وليس أدل على ذلك من وقائع السيطرة على إدلب والوعود بتفكيك فصائل توصف بالتطرف هناك.

الآلية الثانية: بعد فشل الحسم العسكري في سوريا ظهر الميل في رعاية وتوجيه الجهد الدولي إلى بناء الموقف من القضية السورية على احتمالية انهيار الدولة السورية ومؤسساتها وتفاضلات التركيز على انجاح المفاوضات أكثر منه تغييرا عنيفا جذريا للنظام، ثم التمسك بتعريض النظام ورموزه لاختبارات العملية الديمقراطية وضمان حقه في الترشيح والانتخاب والتداول السلمي بمقابل ضمان مشاركة المعارضة، ظنا منهم أن هذه العملية تساهم في تسريع التفاوض على استكمال العمل لتشكيل اللجنة الدستورية وتأسيس إجراءات أخرى من شأنها أن تنقل سوريا بعيدا عن حالة الانسداد في الواقع السياسي السوري، ودفعا لعجلة الاستقرار الحكومي وزيادة احتمالات الإمكانية في  إعادة الاعمار فيها، فتسريع وتطبيق الإجراءات العامة من شأنها أن تسرع أيضا بالعدالة الانتقالية، وهم يسوقون جملة من المبررات  لهذا التوجه أهمها: أن سوريا ليست التجربة الوحيد في حالات النزاع أو الصراع في المنطقة بل أصبح التعامل مع هذا النموذج مكرور في بلدان كثيرة على امتداد الشرق الأوسط وبلدان أخرى حصلت فيها نزاعات وحروب في العالم.

وإن كان ذلك ما أصبح معلنا في توجهات ومواقف الدول الفاعلة في الملف السوري فما هو موقف السوريين في داخل البلاد أو خارجها في مناطق ودول الشتات وكيف يمكنهم تقييم التطورات في الحالة السورية وتعبيراتها الإقليمية والدولية؟

لم تعد سوريا بالنسبة للسوريين مملكة الصمت بعد العام 2011 واستطاع السوريون التعبير عن أنفسهم في المنصات الافتراضية والواقعية من مواقع وتوجهات شتى، لكنها مع كل الأسف مازالت مملكة للخوف الذي يسكت قطاعات واسعة من السوريين تفرضها عليهم إما ضرورات الولاء ومقايضة حريات التعبير بالأمان للحفاظ على حياتهم في بيئات مختلفة ومتناقضة إلى حد التناحر.

فبدلا من الدستور صار لديهم دساتير وتجبر الأنصار على الالتزام بفحواها وبدلا من الجيش السوري صار لدينا ميليشيات وفصائل وقوات تؤمن السيطرة وتحافظ على النفوذ لجهة دون غيرها ومستعدة للتناحر إذا اصطدمت الأجندات التي تتصل بها وفي كل الأحوال يتم اعتبار السكان المدنيين مجرد رهائن يمكن التلاعب بمصيرهم خدمة لمصالح فئة دون أخرى.

أمام كل هذه الوقائع العنيفة لابد وأن تجتاح المجتمع المحلي في سوريا حالة من الرهاب السياسي والفكري والتنظيمي والإداري التي تحول حتما دون ممارسة الإرادة الحرة واستبدالها بإرادة الاتباع القسري الذي يسمح بالمصادرة لهذه الإرادة وتجلياتها العامة، وتفشي ذلك في ظل الانتشار الكبير لفوضى السلاح على طول البلاد وعرضها.

هذا التوصيف لا ينطبق حتما على من اختار النزوح والهجرة في بلدان الشتات السوري خارج البلاد، فهم إما ممن أدمجوا في بيئات وبلدان جديدة، منحتهم حقوقه الإنسانية بوتائر مختلفة ووجدوا فيها مغريات الاستمرار بالعيش في هذه المواطن الجديدة، أو أنهم ممن ينتظر وفق قراءات خاطئة وذات ثقة بالحلول العسكرية أو أصحاب القراءات السياسية التي تعتبر أن الحلول سياسية وإن طال انتظارها ويؤمنون بالحل التفاوضي وإن لم يأت بالنتائج المرجوة في التغيير الجذري في سوريا.

سياسة المحاور والاستقطاب

قد يقسم التدخل الدولي والإقليمي المستقبل السوري إلى محاور تعبر عن توافق المصالح أو تنافرها وهو ما قد يطيل من احتمالية الوصول إلى حلول ناجعة في الحالة السورية، ما يدفع أيضا باتجاه تكريس اللامركزية الموسعة، أمر واقعا، يمكن أن ينتج عنها تقلصا لسلطة المركز، وتنظيما جديدا، على نحو يحق مصالح الأطراف في توسيع صلاحياتها الإدارية والسياسية والاقتصادية وتقاسمها مع الحكومة المركزية على نحو تفاوضي وليس أدل على ذلك من وجود إدارات تابعة لكل طرف وقوة يمكن أن تحمي هذه الإدارات يساهم في ذلك وجود كتلة من المحازبين والمناصرين يعملون على إنجاح تجربة كل طرف على حده وبالرغم من وجود مؤشرات للصراع المسلح فيما بينها إلا اننا نستطيع الوثوق أيضا بوجود بعض المفاوضات على التنسيق والتبادل البيني في مختلف المجالات التي تدفع للاستقرار في هذه الجزر السورية لتبقى الحالة مفتوحة على احتمالات الحرب والسلم في قادم الأيام.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »