الرئيسية / ثقافة / رواية الشياطين: شيجالوف و “الشيجالوفية”

رواية الشياطين: شيجالوف و “الشيجالوفية”

الرقة بوست – معبد الحسون

نحن هنا أمام وضع ملائم وشديد التبادلية الجدلية الحادة في لقاء الأضداد، فمن حيث نزل كيريلوف بفكرته عن الألوهية، إلى مجرد قدرة البشر على الإقدام على أن يتحدّوا الموت وينتحروا، دون أي دافع أو شعور مسبق بشقاء الحياة أو بالعظمة، أي أن يموتوا بشجاعة وبمحض إرادتهم، (كما مات المسيح)، رفع شاتوف فكرة الألوهية ونهض بها؛ من مجرد فقراء روس وفلاحين معذبين ومهانين وأشقياء في هذا العالم، ليصعدوا إلى السماء وليتحولوا إلى آلهة. وفي منتصف الطريق، بين الألوهة النازلة من فكرة كيريلوف، والألوهة الصاعدة من فكرة شاتوف، سوف تتحد الفكرتان في مُرَكّب واحد.. ألم يكونا معاً رفيقَين في تنظيم واحد مع شياطين بطرس فيرخوفنسكي؟ ألم يهاجرا إلى أوروبا وأمريكا معاً، ويتصادقا ويتعاونا على مشقات الحياة؟ ألم يكسبا لقمة العيش من العمل كحمالين على أرصفة الموانئ ومسح الأحذية.؟ وحين عادا إلى روسيا سكنا معاً في بناء واحد، و “في غرفتين يفصل بينهما جدار”، وإن باتا لا يُكلم أحدهما الآخر إلا قليلاً، ولأسباب موجبة وضرورية.. والمبنى الذي يسكنان فيه معاً يقع في بناية فيليبوف، (شارع النملة)..!! إنه التبشير مرة أخرى بمجتمع روحي راقٍ ومتكامل ومتعاون أشد التعاون مثل مجتمع النمل.. هذا الارتباط الرمزي، ما وراء الروح المنشطرة بين شاتوف وكيريلوف، يجعل من ضديتهما، واحداً اصطراعياً، متحداً ومنفصلاً في آن، ولقد عبرت داريا اجناتيفنا، زوجة شاتوف أفضل تعبير عن مصير هذا الاتحاد الذي يشبه واحدية أقنومية في شخصين: {ظنوا في بادئ الأمر أنها تهذي، لاسيما وأنهم لم يستطيعوا أن يفهموا من الذي قُتل: أهو كيريلوف أم هو زوجُها؟ “..” وحققت الشرطة مع ماريا اجناتيفنا، (زوجة شاتوف)، التي لم تكن قد فقدت وعيها بعد، وعندئذٍ إنما اكتشفوا أنها لم تكن قد قرأت الرسالة، وأنها لا تستطيع أن تذكر كيف استنتجت موت زوجها من موت كيريلوف. كانت لا تزيد على أن تصرخ قائلة أن زوجها قد قُتل مادام كيريلوف قد قتل، “لأنهما كانا معاً”.} (والتنصيص بهلالين من دويستويفسكي).

 

ــ 3 ــ

 

الشياطين ليست انتصاراً للإيمان كما قد يُتَوَهم، وإنما هي رثاء واحتقار لدونية الإنسان وتناقضاته الداخلية، وللاستسلام الروحي الذي يجمع الخير والشر معاً في مجال تشاركي موحد.. فالشيطان ليس من يرتكب الجريمة فقط، ولا هو من يحرض عليها، ولا من يقترفها ويشارك فيها بسهمٍ من الأسهم.. إنه كل أولئك؛ وقبلهم، من يقف مكتوفاً صامتاً عاجزاً أمامها.. ولهذا؛ تساورنا الريبة قليلاً بأن دويستويفسكي إنما ذهب ـ ربما دون أن يقصد ـ إلى أن جميع، أو معظم، من في الرواية، هم شياطين.. بمعنى من المعاني..

 

الشر لا يمكن أن يُعرف لوحده، فوجوده يكتمل بتضاده مع الخير، ولا يمكن للخير أيضاً أن يُعرف لوحده، فوجوده يكتمل كذلك بتضاده مع الشر.. والتناقض فيما بينهما يخلق كثافة في الوجود الإنساني، يمنحنا قدرة على رؤية الضد، مما يجعلنا قادرين على أن نتخيل الحياة مجردة من مبدأ ما، وذلك حين نعاين أضدادها؛ باعتبار أن الشرَّ ليس منفصلاً عن الخير، وباعتبار أن الخير ليس منفصلاً عن الشر، فكلاهما يُعرف بالآخر.. فكما أن كيريلوف ليس مجرد رجل أفسدت عقله الفلسفة والعزلة عن الناس، كذلك فإن ستافروغين ليس مجرد إله فقد إيمانه بنفسه، ولذلك لم يعد راغباً في أن يطالب “رعيته” بأن تؤمن به.. ولا كذلك بطرس فيرخوفنسكي، مجرد مخلوق حقير، يحاول أن يلعب دور القدر بكل قسوته وعشوائيته، إما لخدمة أفكار لا تبدو مختلفة في خياليتها عن أبيه ستيفان، أو لتحقيق مصالح غامضة.

مثالية ستيفان تروفيموفيتش وطفيليته واغترابه في الزمان والمكان، لا يقل خطراً وضرراً عن ابنه، الشيطان الأكبر،  بطرس فيرخوفنسكي الذي كان يسوّق لوهم مستقبل الإنسان، باعتباره كائناً رفيعاً قادراً على قيادة مصيره الوجودي، فلا يختلف في هذا أيضاً عن أبيه، ولا يبالي في خضمّ ذلك بأي شيء يهدد وجاهة النصر الوهمي، الذي يجب أن يتسلق على سقوط الأخلاق والدين والله.. لهذا، لا توجد قضية أكثر تعقيداً من الأخلاق، بما تمثل من انعكاس مثالي لمعضلة الأضداد هذه، والوقوف أمام مفترق طرق تؤدي إلى دروب متضادة، لا يمكن الجمع بينهما في صعيد واحد. وهي موضوع دوستويفسكي المفضل، في جُل رواياته، والشياطين لا تعد استثناء :{في تلك اللحظة، بينما كنت أحتسي الشاي وأثرثر مع عصبتي إنما استطعت أن أدرك إدراكاً واضحاً جداً، أول مرة في حياتي، أنني لا أفهم “الخير” و “الشر” ولا أحسّهما؛ وإنني لم أفقد الشعور بهما فحسب، بل إن الخير والشر في ذاته لا وجود لهما (وقد أمتعني هذا كثيراً)، وإنهما ليسا إلا وهمَين من الأوهام الاجتماعية، وإنني أستطيع حتماً أن أتحرر من كل وهم اجتماعي، ولكنني إذا بلغتُ هذه الحرية فقد هلكت.} ـ نيقولاي ستافروغين ـ
هل كتب ديستويفسكي هذه الرواية مندفعاً بتجربته الخاصة مع جماعة بتراشفسكي، التي أدت إلى الحكم عليه بالإعدام، ثم تخفيف الحكم عليه واستبداله بالسجن والنفي؟ أم أنه كتبها فعلاً بعد حادثة مقتل الطالب إيفانوف على يد جماعة سرية في جامعة بطرس الأول؟ أم كان مدفوعاً للتصدي لدعاوي الإشتراكية الجديدة التي طالبت بالدم والنار؟ ربما كانت جميع تلك الأسباب مجتمعة. إلا أنها كانت مجرد شرارة، وهي، بكل تأكيد، لم تسيطر على توجهات العمل .

 

ــ 4 ــ

 

بعد أكثر من ستين عاماً مضت على كتابة رواية الشياطين، أصدر ستالين أوامره بحظر قراءة الشياطين في الاتحاد السوفياتي، ومنع تداول أدب دويستويفسكي أو طباعته ونشره بين عموم الشعب، وقد سئل يومئذٍ: ولكن دويستويفسكي كاتب روسيا الكبير..!؟ أجاب: نعم.. ولكنه أيضاً رجعي روسيا الكبير.. ولو ساورتنا الريبة وقتها بأن ستالين إنما كان يقرأ نفسه يومئذٍ، لأدركنا بأن شياطين ديستويفسكي، ليسوا هم ستالين والحزب وروسيا الجديدة التي كانت إحدى تجليات رواية الشياطين فحسب، بل ربما كان الغرب عموماً، لا روسيا خصوصاً، هو بعض إلهامات دويستويفسكي وتجلياته.. وليس من خلال هذا المجنون الجانح، بطرس فيرخوفنسكي ومجموعته فحسب، بل من خلال واحد من أبرز رموز هذه الجماعة: “شيجالوف”.. فالشيجالوفية هي النبوءة التي تشفُّ حتى تقرأ المستقبل، والستالينية هي تحقق تلك النبوءة.. يقدم لنا دويستويفسكي شخصية شيجالوف التقدمة التالية: {إن شيجالوف هذا قد وفد إلى مدينتنا منذ قرابة شهرين، “..” لم أرَ في حياتي وجهاً كوجه هذا الرجل عبوساً وتجهماً، بل وحداداً. لكأنه يتوقع دمار العالم وخراب الكون لا في وقت قريب أو بعيد، وفقاً لنبوءات يمكن أن تتحقق ويمكن أن لا تتحقق، بل في وقت محدد معين، بعد غد مثلاً، في الساعة العاشرة والدقيقة الخامسة والعشرين}..

{.. تابع شيجالوف كلامه فقال:

ـ إنني وقد عكفتُ عكوفاً تاماً على دراسة تنظيم مجتمع المستقبل الذي يجب أن يحل محل مجتمعنا الحالي، وصلت إلى الإقتناع بأن جميع منشئي المذاهب الإجتماعية منذ أقدم العصور إلى أيامنا هذه، إنما كانوا أناساً حالمين ورواة حكايات خرافية وحمقى، يناقضون أنفسهم ولا يفهمون شيئاً في مجال العلوم الطبيعية، ولا يعرفون شيئا عن هذا الحيوان الذي يسمى بالإنسان. إن أفلاطون وروسو وفورييه ليسوا إلا أعمدة من ألمنيوم، إنهم، في أكثر تقدير يصلحون للعصافير لا للبشر، فلما كانت كل الأشكال الإجتماعية للمستقبل يجب تحديدها الآن تحديداً دقيقاً، بعد أن قررنا جميعاً أن علينا أن ننتقل إلى الفعل بغير تردد، فإنني أعرض مذهبي في تنظيم العالم.

ثم نقر شيجالوف على دفتره وقال:

ـ ها هو ذا. لقد كنت أريد أن أعرض عليكم كتابي بأكبر إيجاز ممكن. لكنني أرى ان عليّ أن أضيف إليه كثيراً من الإيضاحات الشفهية.  لذلك سيحتاج عَرضي إلى عشر سهرات على الأقل، تبعاً لعدد فصول الكتاب.

هنا سُمعت بضع ضحكات. وتابع شيجالوف كلامه يقول:

ـ يجب عليّ أن أنبهكم إلى أن مذهبي لم يكتمل اكتمالاً تاماً… (وهنا انطلقت ضحكات أخرى).. فلقد تهت في شعاب مقدماتي نفسها، وجاءت نتيجتي متناقضة تناقضاً مباشراً مع الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المذهب. إنني وقد انطلقت من “فكرة الحرية التي ليس لها حدود، قد انتهيت إلى فكرة الإستبداد التي ليس لها حدود”. ولكنني أضيف إلى ذلك أنه لا يمكن أن يكون هناك حلٌ آخر للمشكلة الإجتماعية غير الحل الذي خلصت إليه.

ازدادت الضحكات. ولكن الشبان فقط هم الذين كانوا يضحكون، أعني الأغرار الذين ليس لهم سابق دراية إن صح التعبير. أما السيدة فرجنسكي وليبوتين والأستاذ الأعرج فقد كانت وجوههم تعبر عن شيءٍ من الأسف والغضب.

قال أحد الضباط يسأله محاذراً:

ـ إذا لم تستطع أنت نفسك أن تكمل مذهبك، وإذا كنت قد هويت من ذلك إلى اليأس، فماذا نستطيع أن نفعل نحن؟

يتبع…..

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »