الرئيسية / ثقافة / رواية الشياطين: من الشيجالوفية إلى “قطع مائة مليون رقبة”

رواية الشياطين: من الشيجالوفية إلى “قطع مائة مليون رقبة”

الرقة بوست – معبد الحسون

فأجابه شيجالوف ، يقول بلهجة قاطعة:

ـ إنك على حق أيها الضابط، ولا سيما باستعمالك كلمة اليأس هذه. نعم، لقد حوصرتُ باليأس. ومع ذلك يستحيل على المرء أن يقول شيئاً آخر غير الذي قلته في كتابي. ليس هناك أي مخرج آخر غير هذا المخرج. لن يعثر أحدٌ على غير هذا أبداً. لذلك أسارع فأدعو الحضور، دون إضاعة للوقت إلى سماع قراءة كتابي خلال عشر سهرات، وإلى أن يقولوا لي بعد ذلك رأيهم. فإذا رفضتم أن تصغوا إليّ، فلا يبقى علينا بعد ذلك إلا أن نفترق، فيعود الرجال إلى مكاتبهم، وتعود النساء إلى مطابخها. لأنكم إذا نبذتم مذهبي فلن تجدوا حلاً آخر، لن تجدوا أي حل آخر. ستضيعون وقتكم. ثم تجدون أنفسكم مضطرين حتماً أن تعودوا إلى مذهبي .

أخذ الحضور يتحركون. وسألت بعض الأصوات: “أهو مجنون؟”.

قال ليامشين مُلخصاً:

ـ الموضوع إذن هو يأس شيجالوف. أيجب عليه أن ييأس أم لا؟

فقال التلميذ:

ـ إن يأس شيجالوف مسألة شخصية.

فانطلق ضابطٌ يقول مرحاً:

ـ أقترح أن نجري اقتراعاً لنعرف هل ليأس شيجالوف قيمة عامة، وهل يستحق كتابُهُ عناء الاستماع إليه!

فتدخل الأستاذ الاعرج فقال:

ـ ليس هذا هو الأمر..”…” وتابع يقول:

ـ لا يا سادة، ليس هذا هو الأمر. إن السيد شيجالوف قد أسرف في التفرغ لأداء مهمته، ثم هو عدا ذلك مسرف في التواضع. إنني أعرف كتابه. إنه من أجل أن يحل المسألة الإجتماعية حلاً نهائياً، يقترح تقسيم الإنسانية قسمين غير متساويين. فعُشْرٌ ينال الحرية المطلقة وينال سلطة بغير حدود على تسعة الأعشار الأخرى، وتسعة أعشار يجب عليهم أن يفقدوا شخصيتهم وأن يصبحوا كالقطيع، فإذا ظلوا خاضعين خضوعاً تاماً بغير حدود أمكنهم أن يصلوا شيئاً فشيئاً بعد سلسلة  من التحولات إلى حالة البراءة البدائية، إلى شيء يشبه جنة عدن الأولى، مع بقائهم مضطرين إلى العمل. والإجراءات التي ينادي بها المؤلف ليجرد تسعة أعشار الإنسانية من إرادتهم وليحولهم إلى قطيع بواسطة التربية، إنما هي إجراءات ممتازة إلى أبعد الحدود. إنها قائمة على حقائق العلوم الطبيعية، وإنها لمنطقية تماماً. قد لا يُسَلم المرء ببعض النتائج التي ينتهي إليها، ولكن من المستحيل على المرء أن ينكر ذكاء المؤلف وأن يجحده معارفه”..”

قالت الطالبة مستاءة:

ـ إنه لجبنٌ أن نعمل في سبيل الأرستقراطيين وأن نخضع لهم خضوعنا لآلهة.!

قال شيجالوف يختم كلامه بلهجة السلطة:

إن ما أقترحه ليس جبناً، وإنما هو الجنة، الجنة الأرضية، ولا جنة سواها..

هتف ليامشين يقول:

ـ أما أنا إذا لم أعرف ماذا أصنع بتسعة أعشار الإنسانية، عمدت إلى نسفهم بدلاً من أن أنظم الجنة الأرضية، ولم أُبقِ على قيد الحياة إلا عدداً من الناس المتعلمين الذين سوف يعيشون في دعة وسلام وفقاً لمبادئ العلم. }.

 

                                          ــ 5 ــ

 

{.. استأنف الأعرج كلامه فقال وهو يتحرك مضطرباً على كرسيه:

ـ من فضلك ! ما نحن إلا ريفيون فعلاً، ونحن إذن نستحق الشفقة. ولكننا نعرف أنه لم يحدث في العالم شيء خطير كل الخطورة، فلا داعي إذن لأن نشكو الجهل وأن نرثي لحال أنفسنا. إن هناك منشورات من أصل أجنبي تدعونا أن نضمَّ جهودنا لتحطيم كل شيء، إذ مهما نفعل في سبيل شفاء المجتمع، فلن نصل إلى شفائه يوماً، على حين أننا بقطع رقاب مائة مليون نبسط الموقف ونجعل اجتياز الهوة أضمن. هذه فكرة ممتازة حقاً، ولكنها لا تقل استحالة على التحقق عن فكرة شيجالوف التي تعاملها بهذا الاحتقار كله.”..”

قال ليبوتين مجازفاً من جديد:

ـ إن تغيير العالم بقطع مائة مليون رقبة لا يقل صعوبة عن تغيير العالم بالدعاية. وقد تكون الطريقة الأولى أصعب، ولا سيما في روسيا.

وقال ضابط:

ـ إن جميع الآمال معقودة على روسيا.}

ذلك هو مضمون الحس الفكاهي العميق غير المباشر، والكوميديا السوداء، والتوصيف الساخر لـ (زهرة الراديكالية الحمراء في مدينتنا). رفقاء الدرب القدامى، حين كان دويستويفسكي يتردد على جماعة بيتراشفسكي. {..فان بطرس فيرخوفنسكي قد استطاع في الواقع أن يشكل عندنا خلية من “خمسة”، هؤلاء الخمسة “المختارون”..”..” لقد عرفت الآن أسماؤهم، فليست سراً أنهم ليبوتين وفرجنسكي وشيجالوف ذو الأذنين الطويلتين وليامشين ورجلٌ يقال له تولكاتشنكو، وهو إنسان عجيب في نحو الأربعين من العمر، يقال بأنه يعرف الشعب معرفة رائعة، ولا سيما قطاع الطريق واللصوص، ويواظب على التردد إلى الحانات، لا بهدف دراسة الشعب فقط، ويفتخر بملابسه الغليظة وحذائيه المطليين بالقطران، وهيئته الماكرة وكلامه الشعبي العامي..}
إذ أن ما كان محبِطاً بالنسبة للقارئ بادئ الأمر، أن دوستويفسكي بدا وكأنه لا يمنحك قدرة على الاختيار، إنه يقوم مندفعاً بتصلبه الفكري إلى إطلاق أحكام مسبقة على شياطينه، بداية من العنوان، تضعهم كانعكاس مباشر للشر، مما يثير القلق بتحول العمل إلى أشبه بموعظة كبيرة .. ولكن مع امتداد القراءة تبدأ في التساؤل: من هم الشياطين فعلاً ؟! (لاحظ أن خلية تنظيم بطرس، حين قرروا جميعاً، ووافقوا على تصفية شاتوف، تخلف عنهم لحظة التنفيذ في الدقائق الأخيرة للجريمة فردٌ واحد فقط؛ هو شيجالوف، صاحب نظرية قطع مائة مليون رقبة.. وعدَّ هذا الأمر عملاً لا أخلاقياً وخروجاً على المبادئ ).. ربما كان دويستويفسكي قد عنى بالشياطين، أولئك “الثوريين” المخربين في الصورة العامة والفكرة الجوهرية، ولكن تفاصيل العمل لم تبدُ موجهة لهم فقط، بل لعلهم كانوا جزءاً منها ليس غير، بل إنهم لم يكونوا الجزء المركزي المحوري الذي يدير الحدث العام وشخصياته .

{.. فأجاب الأعرج:

نعم، يظهر أنهم يعقدون على روسيا آمالاً كباراً. “..” أما إذا حُلَّت المشكلة حلاً فورياً، أي إذا قطعت مائة مليون رقبة، فما الذي يمكن أن أربحه أنا؟ إن المرء حين يدعو إلى مثل هذه العقائد يعرض لسانه لخطر القطع. “..”

بطرس فيرخوفنسكي: ـ أتفضلون الطريقة البطيئة، أي الروايات الإجتماعية وتنظيم مصائر الإنسانية على الورق لألف سنة قادمة، بينما الحكم الإستبدادي يبتلع اللقم السائغة التي تسقط في أفواهكم وتدعونها تفلت منكم، أو تفضلون حلاً سريعاً أياً كان هذا الحل، حلاً يفك أيديكم من وثاقها ويتيح للإنسانية أن تنظم نفسها بحرية كاملة.. لا على الورق بل في الواقع؟ يصيح بعضهم قائلاً: “بل نريد قطع مليون رقبة”. إن هذا الكلام قد لا يكون إلا مجازاً، ولكن هبوا أنه ليس مجازاً بل حقيقة. لماذا تخافون منه إذا كان الحكم الإستبدادي سيقضي، أثناء استغراقنا في الأحلام البطيئة التي ندونها على الورق، سيقضي لا على مائة مليون فحسب، بل على خمسمائة مليون؟ لا حظوا أن المريض الذي ليس إلى شفائه من سبيل، لا يمكنكم أن تشفوه مهما تصفوا له من وصفات طبية. ثم إنكم إذا تأخرتم تتيحون له أن تسري عدواه إلينا جميعاً..}.

                                          ــ 6 ــ

 

{ ستافروغين: (لبطرس فيرخوفنسكي) ـ خذ شيجالوف، ودعني وشأني…

ـ شيجالوف رجل عبقري. هل تعرف أنه عبقري من مستوى فورييه، ولكنه أجرأ من فورييه، وأقوى من فورييه؟ سوف أهتم به. لقد اخترع “المساواة”.

وعاد فيرخوفنسكي يتكلم فقال:

ـ مشروعه عظيم. إنه يخلق التجسس. جميع أعضاء المجتمع يتجسس بعضهم على بعض، وعليهم أن ينقلوا كل ما يصل إلى علمهم. كل واحد ينتمي إلى الجميع، والجميع ينتمون إلى كل واحد. كل البشر عبيد ومتساوون في العبودية. وفي الحالات القصوى يُلجأ إلى الافتراء وإلى القتل. وليس الشيء الرئيسي هو أنهم متساوون. قبل كل شيء يجب خفض مستوى التعليم والعلوم والمواهب. إن المستوى العالي لا يصل إليه إلا أصحاب المواهب. إذن لا مواهب. إن أصحاب المواهب يستولون دائماً على السلطة ويصبحون طغاةً مستبدين. ليس في وسعهم أن يفعلوا غير ذلك. ولقد أساؤوا دائماً أكثر مما أحسنوا. فيجب إلغاؤهم أو إنزال عقوبة الموت بهم. شيشرون سيقطع لسانه. كوبرنيك ستفقأ عيناه. شيكسبير سيرجم بالحجارة. هذا هو مذهب شيجالوف. هذه هي الشيجالوفية. يجب على العبيد أن يكونوا متساوين. بدون استبداد لم توجد في يوم من الأيام لا حرية ولا مساواة. ويجب أن تعم المساواة القطيع. هذه هي الشيجالوفية. “..”

اسمع ياستافروغين! إن توطئة الجبال فكرة ممتازة. ليست هذه الفكرة سخيفة مضحكة. أنا من رأي شيجالوف. لا حاجة إلى التعليم. كفى علماً! حتى بدون العلم تكفينا الموارد التي نملكها الآن لألف سنة أخرى. ولكن علينا أن نقيم الطاعة. الشيء الوحيد الذي يفتقر إليه العالم إنما هو الطاعة.}

يتبع ………

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »