الرئيسية / ثقافة / “سوريا كالدويل” و “أرض الله الصغيرة”

“سوريا كالدويل” و “أرض الله الصغيرة”

الرقة بوست – معبد الحسون

” أرسكين كالدويل” (1903 ـ 1087) علم من أعلام الأدب في الجنوب الأمريكي.. أشتهر بين الناس برواياته الجميلة التي ذاع صيتُها: (بيت في المرتفعات) و (طريق التبغ) و (أرض الله الصغيرة) ..

تلخص رواية أرض الله الصغيرة جزءاً من سيرة حياة أحد ملاكي الأراضي واسمه ” آدم ” ، حيث يصفه الكاتب بأنه إنسان مستقيم ومتدين، ويحب فعل الخير للناس . وتبدأ الرواية من فكرة خطرت ببال آدم ، وحسم أمره في تنفيذها فوراً ـ رغم أنه استشار كل معارفه وجيرانه وآل بيته بشأنها ـ وهي أن يتبرع لله بقطعة أرض صغيرة ، يجعلها موقوفة على مصاريف الخير ولكي تتزود الكنيسة، بيت الله، ببعض حاجاتها من ريع هذه الأرض ، التي باتت تُعرف بعد قرار آدم هذا باسم ” أرض الله الصغيرة “…

كانت نية الملّاك آدم هي الخير والثواب ، ومن جانب آخر كان آدم يطمع في أن يساعده الله بعد منحه أرضاً صغيرة من أملاكه وأراضيه في شيوع البركة وزيادة إنتاج الأرض فوق كسب الثواب في الآخرة .. لكن الذي حدث أن الفلاح آدم قد تفاجأ بمشكلة جديدة ، وهي مشكلة العناية بأرض الله الصغيرة إلى جانب اهتمامه وعنايته بأرضه ، والإنفاق على أرض الله الصغيرة فوق إنفاقه على أرضه .. من سيفلح أرض الله الصغيرة ؟ من سيدفع أجور الجرارات والعمال ، وكلفة نقل الموسم إلى السوق ..؟ يبدو أن الكنيسة غير عابئة أو مهتمة بالأمر.. وعليه، فقد وجد آدم نفسه في ورطة جديدة.. هناك دفتر حسابات لأرضه ودفتر حسابات لأرض الله.. ولقد أضطر أن “يقرض الله من ماله” ـ حسب تعبيره ـ على أمل أن يُحصّل مبالغ ما أنفقه عليها في نهايات المواسم.. كانت أرض الله الصغيرة دائماً مدانة للفلاح آدم .. وكانت متأخرة دوماً في سداد دينها.. وتراجع إنتاجها وتدهور..

نهاية الأمر، يقرر الملاك أن يبيع أملاكه جميعاً (بالطبع ماعدا أرض الله الصغيرة التي تنازل عنها فلم تعد له)، وأن ينتقل من المنطقة كلها مع عائلته.. لكن المشتري الوحيد الذي تقدم لشراء أرضه ودفع ثمناً مجزياً مقابلها اشترط عليه شرطاً قاسياً، أوقعه في ورطة جديدة.. فالمشتري رفض أن يشتري أرض آدم إلا وبكون أرض الله الصغيرة جزءاً من كامل مساحة العقار.. يتردد آدم بعض الوقت للتفكير.. هذا “سطو على حق الله”، وعلى ما ليس له به حق.. ويرفض أن يبيعه أرضاً لم تعد له، ولا يحق له التصرف بها، لأنها باتت منذ زمن جزءاً من ملكية الله وحيازته..

لكن الآخر يصر ولا يتراجع عن شرطه: إما شراء كامل الأرض وإما لا بيع ولا شراء لأي جزء منها.. وبعد محنة ومعاناة من جانب آدم، وبعد مراجعة للموقف يقرر آدم “أن الله ليس بحاجة لهذه الأرض المدانة والفاشلة”، وغير المثمرة كما ينبغي.. الله غني، وهو يملك الكون كله، ولن يضيره أن تنتقص من أملاكه أرض الله الصغيرة.. فيضمها آدم للمالك الجديد وينتهي مآلها إلى أن تكون جزءاً من عقد البيع..

ما أشبه سوريا اليوم بأرض الله الصغيرة ..؟ كل مسلحي الأرض وفدوا إليها طلباً للأجر والثواب! ثم اضطروا أخيراً إلى بيعها جملة وتفصيلاً وبيع ثوابها معها..

كل أصحاب المشاريع نذروها قرباناً لمشاريعهم! كل طالب جهاد، وكل طالب ثأر من عدوٍ، قرر أن ثأره لن يُنال إلا في سوريا.. سوريا المنذورة للثواب والثأر.. سوريا الموقوفة لفعل الخيرات الدول والأمم والشعوب والعرب والأجانب والكفار والمؤمنين، والسياسات والاستراجيات، والقوميات الحية والمنقرضة، والطوائف والأديان الحية والمنقرضة، وتجارب سوق السياسة وسوق السلاح.. إنها الوطن الذي عايش الحضارة منذ خمسة آلاف عام وعايشته، وأنتجها وأنتجته، وأبدعها وأبدعته.. ثم ـ وفي لحظة واحدة ـ جميع المشترين باعوا.. وجميع الواهبين والكرماء والمانحين، تخلوا وتنازلوا وفروا من دفتر دينها وأعبائها، كما فرّ “آدم”، بطل رواية كالدويل..

حينما ستحين لحظة الحقيقة، ويقرر طالبو الخيرات وأهل السياسات أن يرحلوا أو يصفوا تركة الخراب، وبقية اليباب، وحين سيتنازل الجميع عن النصر والبيع والكراء والشراء، والأجر عند الله.. عندئذٍ لامناص من بيعها إلى معاليم ومجاهيل، لا فرق.. وإتمام صفقة البيع الاضطراري والتخلص من الحجر والبشر والأشلاء والدماء وما علق في ضمائرهم من ديون وذنوب ..

لأن شرط البيع موقوف على دمارها الكامل، وإسلامها إلى قدرها النهائي الأخير.. ولأن الله الذي يطلبون ثوابه وأجره، ويسارعون إلى جنته لن يضيره، وهو مالك هذا الكون الكبير، أن تُنتقص من ملكيته هذه الـ ” سوريا ” الصغيرة، والتي كانت جميلة ومرغوبة ومحل طمع ورغبة.. تماماً، مثل أرض الله الصغيرة.

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »