الرئيسية / مقالات رأي / ماذا بعد المنطقة الأمنيّة / الآمنة؟

ماذا بعد المنطقة الأمنيّة / الآمنة؟

أمجد آل فخري

ثمّة فروق كبيرة بين ما تدعو إليه مختلف الأطراف لرسم مستقبل شمال شرق الفرات، بل اتّسعت الفروق لتكون صراعاً بين ما يريده هذا أو ذاك من القوى النافذة أو الفاعلة في المنطقة.

فمن الدعوة التركية 2011 لإقامة منطقة آمنة في سورية؛ لحماية المدنيين من قصف طائرات النظام وصواريخه، يتقلّص الطرح ليغطّي شمال سورية فقط، والأكيد أن ذلك سيعمّم على كل الاتجاهات، جنوباً وشرقاً وغرباً. ولا يقف الأمر عند المنطقة الآمنة بل تعدّاها لتكون منطقة أمنيّة، وزاد عليها البعض لتكون عازلة، ثم يأتي من يطالب بتنفيذ اتفاقية أضنة أو تعديلها بما يتناسب والواقع الجديد. وبين المنطقة الآمنة والأمنيّة والعازلة تختلط المفاهيم وتتبعثر الإرادات لدى مختلف الجهات، فما تريده أمريكا من المنطقة الآمنة غير المطلوب تركيّاً، والمراد تركيّاً تعارضه روسيا، وما يريده هذا أو ذاك يحتاج في كل الأحوال لتوافق يعبّر عنه قرار دولي أو قوة دولية لها مفعول قرار مجلس الأمن أو يزيد. ولو افترضنا جدلاً أن المنطقة الآمنة أو الأمنيّة أو العازلة أُقرّت، بعد كل التجاذب والتنابذ، والتهديد والوعيد، والنواح والتباكي، فإن سيرورتها الأمنية والإدارية لن تكون يسيرة في ظلّ تناحر المصالح لمختلف المتصارعين، والتجارب السورية عديدة.

لن ندخل في تفسير المصطلح، لأن القانون الدولي يحدّد المفهوم بوضوح، وإن كان هناك مَن يريد التجاوز، فيخلط الأوراق لتختلط المعاني وتغيب الحدود الفاصلة، فإن الأهمّ، وما يغفل عنه الجميع، وإن كان البعض يكتفي بالتلميح دون التصريح، ماذا سيكون الوضع خارج المنطقة الآمنة (أو الأمنيّة أو العازلة أو مهما كان اسمها)؟ فالمناطق غير المشمولة شرق الفرات وغربه في الرقة ودير الزور والحسكة، أضعاف مساحة المشمولة بالأمن والأمان، والأكثر غنى اجتماعياً واقتصادياً، لأن المنطقة الآمنة 460 كم طولاً و32كم عمقاً، إن اتُّفق عليها وحُدّدت تفاصيلها ورُسم مستقبلها، سيتعهّدها أمنيّاً وإدارياً الطرف الأقوى الذي رسا عليه الاختيار، كأن يكلّف مريديه –غالباً- بالمهمّة تحت إشرافه المباشر، ويظهر إعلامياً أنه اعتمد على القوى المجتمعية المحلّية.

 

هل ستبقيها أمريكا في عهدتها عسكرياً- ولها قواعد في كل المناطق- وتتشارك مع الأوربيين والخليجيين عملية إيجاد استقرار وإعمار فيها يكون عاملاً ضاغطاً لتحقيق انتقال سياسي وفق القرارات الدولية؟ علماً أن الأمريكان أسّسوا لهذا الخيار، عبر منظمات مدنية أمريكية أو وكلاء محليين، وصنّعت أحزاباً “سياسية” تحوي كلّ الأطياف والمكوّنات من شبّيحة النظام إلى عملاء لإسرائيل، مروراً بكافة الدول” أوروبية وعربية” صاحبة المصلحة، أو من استثمرت في الصراع السوري. وربما تكون اليد الطولى تركيّة – بعد المنطقة الآمنة – إن تمّ التفاهم مع الروس والنظام بمباركة أمريكا، وتكون -مرحليّاً- النسخة الثانية من إدلب، معدّلة بما يتناسب والبيئة الاجتماعية والاقتصادية والإثنية. وقد تُحوَّل تدريجياً لسيطرة النظام- وهو ما تدعو له روسيا – برعاية روسيّة واشتراطات أمريكية، أوّلها استبعاد الإيرانيين، والأخذ بنظر الاعتبار الوقائع الجديدة والمصالح التركيّة، وهو ما تعوّل عليه روسيا في المرحلة القادمة بعد إقرار الدستور وتفصيله لملاءمة المكوّنات وشكل الدولة الجديدة.

وثمّة من يروّج لخيارين، أولهما مرفوض وثانيهما خاسر، ولسان الحال يؤكّد أن “من يجرّب المجرّب فعقله مخرّب”. وأمّا المرفوض، فيقول بالتسليم لقوة الأمر الواقع، والعمل على الاستمرار في تجربة الإدارة الذاتية التي “طرحت نفسها أسلوباً لتقرير مصير المنطقة، وتركت الباب موارباً للتفاوض مع النظام والمعارضة، واعتماد مبدأ التشاركية والعيش المشترك، لأنها البديل لفشل طرفي الصراع “النظام والمعارضة”، لإنجاز شكل نهائي ينظم علاقتها بالجوار والمركز دون الرجوع إلى المركزية”، فإن كان المقصود بهذا الرقة، فهي لا تريد عودة النظام ولو بالمواربة، ولكن هل سترضخ “إلهام أحمد” لصندوق الاقتراع؟ وهل ستكون دير الزور كذلك؛ مادام الرئيس المشترك من أبناء المنطقة؟ وبالتأكيد إن التعاطي مع الوقائع السياسية وفهمها، من خلال ضماناتها الدولية والإقليمية والمحلية، يحتّم رفض الواقع المفروض، لأن تحسين شروط الاستقرار لا يكون ممكناً بوجود الاحتلال. وأمّا الخاسر فهو الداعي لقوى المعارضة والشخصيات والعشائر والقبائل، لسدّ الفراغ وحكم المنطقة من قِبل أبنائها، وهنا سيكون “الائتلاف” و”هيئة التفاوض” المرتَهَن قرارهما في المقدّمة، و”الجيش الوطني” المعروفة تركيبته أداتهما، وهو ما يجعل الخسران ماثلاً إن اكتفينا بأسماء المكوّنات وحسب، وأبناء المنطقة يعرفون عنهما أكثر من غيرهم، ولا ضرورة لتعريف المعرّف.

من المؤكّد أن السوريين من أبناء المنطقة، لن يكون لهم الخيار فيما ستتوافق عليه القوى الإقليمية والدولية، ولكن عليهم ألّا يمنحوه الشرعية، وأن يستثمروا أيّ شكل سيفرض على الأرض؛ لتمكين رؤيتهم وفرض إرادتهم في إنجاز مشروعهم الوطنيّ الرافض لنظام القتل والاستبداد، وللاحتلالات بكل عناوينها.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »