الرئيسية / مقالات رأي / الرقة والثقافة البديلة

الرقة والثقافة البديلة

محمد صبحي

ما زالت المجتمعات الإنسانية تعبر عن قوتها الابداعية في مجالات شتى، فيحدثونك عن الطاقة البديلة، والطب البديل، والعقوبات البديلة، وإلى ما هنالك من المفاهيم التي يُكشف النقاب عنها في ميادين بديلة.

فلماذا لا نحاول ابتداع حلولٍ ناجعة في الثقافة البديلة لمجتمعاتنا يمكن أن توفر لنا انسجاما أكبر ويجاوز التحديات التي يفرضها فضاؤنا الإنساني الأوسع.

تعد قضية الاندماج الحضاري من أهم التحديات التي تواجه مجتمعاتنا، والتي نصمها في كثير من الأحيان على أنها مجتمعات منكمشة ومنغلقة على ذاتها، ولا تتسابق على مشروعات التغيير في مضمار الانساني، كما أن لديها من حالات الفصام الثقافي ما يجعلها منقسمة ومتشظية بإفرازاتها السلوكية التي غالبا ما يكون اختيارها عنيفاً عندما تبادر في التعبير عن نفسها.

يعزو الكثير من الدارسين فشل مجتمعاتنا الشرقية في مشروعات التغيير الثقافي، بسبب خوفها ونخبويتها الثقافية، فيضطر الآخر لاجتياح بناها بتطبيقات، ونظريات، وإيديولوجيات، وعقائد، أو مذاهب، عابرة، ولا تنبع من صميم الحاجة للتغيير، وهي بالضرورة مشروعات ذات دوافع ومحركات غير ناتجة عن تبدلات عميقة في وعيها الثقافي، وبالتالي فهي تلوي عنق المجتمع إلى حد الاختناق. كحالات التحويل الاشتراكي والصحوات الدينية وحالات المد القومي ومؤثرات العولمة بكل أشكالها.

نعم قد تمتلك مجتمعاتنا طبيعة معنِّده وعصيّة على التغيير. وهي ذات تقاليد وعادات متجذرة وبالتالي لا يمكن تفكيكها بوسائل قسرية، وإن حدث ذلك فهو تشوه ثقافي يحصل فيها، لكنها بالمقابل غير قادرة على الصمود بهذه البنية الثقافية التقليدية في مواجهة التحديات التي فرضتها العولمة الاقتصادية وأثرها الثقافي الذي يتسارع معها.

لم تنتج الأحداث التي مرت على سوريا منذ العام 2011 تغييرات كبيرة في المجال السياسي ولم تستطع أن تفرض الديمقراطية كأداة تضمن العدالة أو المساواة في المجتمع، لكنها أنتجت الكثير من التغيير الثقافي، فقد أتاحت برامج التواصل الاجتماعي فضاءً واسعاً وجديداً جعل البدائل الثقافية متاحة لكل الفئات والأنواع الاجتماعية، أما التباينات السياسية الناتجة عنها، وبالقدر الذي أحدثته من الاصطفاف والتخندق الطائفي أو المذهبي، لم تمنع دوائر الاجتماع السوري من الانفتاح على بعضها البعض ضمن حالات النزوح المؤلمة داخل البلاد وخارجها، فألغت الكثير من الفواصل الثقافية التقليدية لحساب بدائلها الإنسانية.

تجتاح الرقة كواحدة من دوائر المجتمع السوري، تبدلات ثقافية عميقة لاتزال نامية الأطوار، ولا يخفي مجتمعها قلقه المستمر حيال هذه البدائل. كما يشكل انخراط فئات شابة في العنف المسلح إحدى أخطر الظواهر الثقافية التي يمكن أن تعيق اندماج المجتمع الرقي في مؤسساته الناشئة، ووصولهم لثقافات إنسانية وحضارية بديلة، يمكن أن تتسبب في ازدياد وتيرة الانحرافات الثقافية التي تولدت فيه، فتجعل من التعبئة الثقافية مطية لها، وتهدد الاستقرار بنزاعات طويلة الأمد.

كان الانهيار الثقافي لمشروع الوطنية السورية سريعاً جداً، حين تماهى هذا المفهوم مع دلالات ثقافية أخرى، فلم يعد الانسان السوري يثق بمواطنته النهائية في سوريا لأسباب تتعلق باختلال ميزان الحقوق من الواجبات، وصار متلهفاً لهويات ثقافية أخرى يعتقد بدورها الحمائي له، وعبَّر عن ذلك بنكوصه الثقافي نحو القومية، والمذهبية، والقبلية، بديلا عن الدولة أحيانا، وبالاندماج الثقافي في مجتمعات جديدة فرضتها عليه واقعة النزوح والهجرة إلى بيئات مختلفة.

إن تلك الوقائع لا شك وأنها أثرت في التعاطي الحضاري مع ثقافات وأنماط جديدة من سبل العيش والتواصل الاجتماعي، والعادات، والتقاليد المختلفة كلياً عن بيئاتنا التي نعيش فيها، وخلق لدينا حافزاً للتغيير الثقافي بما يتناسب مع أوضاعنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية.

أصبح السوريون موزعون في كل القارات كما بقي الجزء الأكبر منهم داخل البلاد ولم يغادر وهي الحالة التي تستوجب منا كل الاهتمام لأنها ستنتج في نهاية المطاف رؤانا الثقافية الجديدة كسوريين أصبحوا يعيشون داخل البلاد وخارجها، ما يجعلنا مؤهلين لوعي جديد ننشر ونتمسك فيه بثقافة الأمان والمحبة والتسامح بعد أن نخرت حياتنا ثقافة الاستبداد والتطرف والعنف المميت.

أما الرقة فالظن الأكبر أنها ستكون نموذجا سوريا تأثر وأثر في تنويعات المجتمع السوري وهي تكتنف على مكونات ثقافية عديدة مازال عبورها باتجاه التعايش عسيراً، بسبب الاستقطاب السياسي وعدم احترام التنوع والاختلاف فيما بينها.

كانت دورة الرحى بأعوامها الثمانية ثقيلة جدا، فقد انفرط عقد المجتمع وتغلغلت الفوضى العارمة في مفاصله الرئيسية وانتشر فيه الكثير من العنف، وانهارت العديد من القيم التقليدية أمام تحديات النزوح والمعاناة، فهل نستطيع التفاؤل بتغيير ما، وهل يمكن أن يأتينا المجتمع الجديد بقيم ثقافية أو حضارية جديدة؟

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »