الرئيسية / ثقافة / الأشباه والنظائر في الأدب…البحتري ولامارتين مثالاً

الأشباه والنظائر في الأدب…البحتري ولامارتين مثالاً

الرقة بوست – معبد الحسون

الدكتور نقولا يوسف فياض طبيب وشاعر وخطيب ومترجم لبناني، وعضو المجمع العلمي العربي (مجمع اللغة العربية) بدمشق وشقيق الشاعر الياس فياض.. ولد عام 1873 في بيروت في أسرة معروفة تهوى الأدب والشعر والفن، وتلقى دراسته في (مدرسة الثلاثة الأقمار) الأرثوذكسية. وكان من أساتذته فيها المعلم نعمة يافث، الذي غرس في نفسه حب الشعر والأدب، فأهداه ديوانه الأول: (رفيف الأقحوان)، قائلاً: إلى روح معلمي نعمة، الذي قاد خطواتي الأولى في حياة الفكر والعمل وكان له أول إنشادي.

عمل د. نقولا فياض بعد تخرجه من المدرسة في التجارة مدة سنتين، ثم ترك التجارة ودخل كلية الطب الفرنسية في بيروت عام 1899. ولما أنهى دراسة الطب، عمل في مستشفى “القديس جاورجيوس” للروم الأرثوذكس في بيروت، إلى أن سافر عام 1906 إلى باريس للتخصص في الطب، فأمضى فيها خمس سنوات، عاد بعدها إلى مصر.. حيث أمضى عشرين عاماً تقريباً متنقلاً بين الإسكندرية والقاهرة.

أسهم في الحركة الأدبية بشكل واسع، وفي عام 1930 عاد الى بيروت، وخَلَف أخاه الراحل الياس فياض في مقعده بمجلس النواب اللبناني، ثم عُين مديراً لمؤسسة البريد والبرق والهاتف مدة أربع سنوات، وبعد ذلك اعتزل الوظائف وآثر الانصراف كلياً الى ممارسة الطب والكتابة والترجمة ونظم الشعر.. والاجتماع برفاق حلقته الأدبية المؤلفة من الأدباء والشعراء بشاره الخوري (الأخطل الصغير) وجرجي سعد، وطانيوس عبده، وبيترو باولي، واسكندر العازار، وقسطنطين يني، وجرجي نقولا باز، وجرجي شاهين عطية، ومصطفى الغلاييني، والياس فياض، وأديب مظهر، ووديع عقل، وأمين تقي الدين، وتامر وشبلي الملاط، وموسى نمور، والياس أبو شبكة، وصلاح لبكي.. إلى أن وافته المنية عام 1958 وهوفي الخامسة والثمانين.

قصيدة البحيرة للشاعر الفرنسي ألفونس دى لامارتين ـ ترجمة : د. نقولا فياض

هذه القصيدة، كتبها الشاعر الفرنسي ” الفونس لامارتين ” في حبيبته، التي صادفها عندما كان في رحلة علاج وهو في السادسة والعشرين من العمر، إذ لمح بالمصادفة، وهو يتمشى على شاطئ (بحيرة بورجيه)، امرأة تدعى جوليا شارل، في الثانية والثلاثين من العمر.. وهي تحاول أن تضع حداً لحياتها، بعد أن أتعبها المرض، وبدأ اليأس يتسلل إلى نفسها..

في تلك اللحظة التي شارفت فيها على الغرق، خرجت لها يد “لامارتين” المنقذة.. فتعلقت بمنقذها وأحبته وأحبها، وعندما كان يتنزه وإياها على ضفاف بحيرة بورجيه، اتفقا على أن يكون حباً روحياً سامياً عن الرغبات الجسدية.. ثم غادرها، واتفق معها على اللقاء في العام القادم في مدينة اكس ليبان. وطلبت منه ـ إن هي ماتت قبل أن تراه ـ أن يرثيها بقصيدة من قصائده.
وهذا ما حصل، لقد ماتت قبل أن يراها في العام التالي بسبب المرض، فأوفى بطلبها، وخلد اسمها فرثاها بهذه القصيدة، التي كانت ومازالت من روائع الشعر العالمي.
رمز لامارتين لها باسم (الفيرا) في الرواية التي كتبها باسم (روفائيل)، وفي تلك الرواية تخيل صديقاً له اسمه روفائيل، بدلاً من أن يذكر أنه المعني بغرض الرواية، وأطلق على حبيبته جوليا اسم “الفيرا”، حتى لا يعلم أحدٌ بعلاقة الحب التي جمعتهما.. بل إنه سمى ابنته، فيما بعد، على اسم جوليا شارل، وفي رواية روفائيل يذكر أن هذا الصديق مات وترك مخطوطاً ذكر فيه كيفية تعرفه على “الفيرا”، وكيف قام بإنقاذها من الغرق، ووقوعه في حبها.. ثم يصف الصراع بين الرغبة الجسدية والوصال وبين الطهارة التي تتسامى على تلك الرغبات..

ترجمة قصيدة البحيرة

أهــكــذا أبــداً تــمـضـي أمـانـيـنـــا  **  نطوي الحياةَ وليلُ الموت يطوينا؟

تـجـري بـنـا سُفُنُ الأعمارِ ماخرةً   ** بـحـرَ الـوجـودِ ولا نُـلقي مراسينا؟

بـحـيـرةَ الـحـبِّ حـيّـاكِ الـحـيا فَلَكَمْ  ** كـانـت مـيـاهُـكِ بـالـنـجـوى تُـحيّينا

قـد كـنـتُ أرجو ختامَ العامِ يجمعُــنا ** والـيـومَ للـدهـر لا يُـرجـى تـلاقـيـنا

فـجـئـتُ أجلس وحدي حيثما أخذتْ  ** عـنـي الـحـبـيـبـةُ آيَ الحـبّ تَـلْقينا

هـذا أنـيـنُـكِ.. ما بـدّلتِ نـغـمـتَــــهُ   ** وطـال مـا حُـمّـلـتْ فـيـه أغـانـيـنـا

وفوق شاطـئكِ الأمواجُ ما بـرحتْ   ** تُلاطم الصخرَ حـيـناً والهـوا حـينا

وتـحـت أقـدامِهـا يا طالما طرحـتْ   ** مـن رغـوة الماءِ كفُّ الريحِ تأمينا

هـل تـذكـرين مساءً فـوق مائـكِ إذ  ** يـجـري ونحن سكوتٌ في تصابينا؟

والبـرُّ والـبحر والأفـلاكُ مُـصْغــيةٌ  ** مَـعْـنا فـلا شيءَ يُـلهـيـهـا ويُـلهينا

إلا الـمجـاذيـفَ بالأمـواج ضـاربـةً  ** يـخـالُ إيـقاعَـهـا العـشّاقُ تـلـحـينا

إذا بــرنّــةِ أنــغـامٍ سُـحــرتُ بـهـا   ** فـخِـلـتُ أن الـملا الأعـلـى يُناجينا

والموجُ أصغى لمن أهوى وقد تركتْ* بـهـذه الـكلـمـاتِ الـمـــوجَ مفتونا:

يا دهرُ قفْ، فحرامٌ أن تطيرَ بـنا     ** مـن قـبـل أن نـتـمــلّى من أمانـيـنا

ويا زمانَ الصِّبا دعنا على مَهَلٍ     ** نـلـتـذُّ بـالـحـبِّ فـي أحـلـى لـيـالـيـنا

أجبْ دعاءَ بني البؤسى بأرضكَ ذي ** وطرْ بهم فهمُ في العيش يشقونا

خُـذِ الـشـقـيَّ وخـذْ مَـعْـه تعاستَهُ     ** وخـــلّـنـا فـهـنـاءُ الـحـبِّ يـكـفـيـنا
هيهات هيهات أن الدهرَ يسمع لي   ** فـالـوقـتُ يـفـلتُ والساعاتُ تُفنينا

أقـولُ للّـيـل قـفْ، والفجـرُ يطردُهُ    ** مُـمـزِّقـاً منـه سِـتـراً بات يُخـفـينا

فـلـنـغـنمِ الحـبَّ مـا دام الزمانُ بنا   ** يـجـري، ولا وقـفـةٌ فيه تُعــزّيـنـا

ما دام في البؤس والنُعمى تصرّفُهُ  ** إلـى الـزوال، فـيَـبْـلى وهـو يُـبلينا
تاللهِ يا ظلمةَ الماضي، ويا عَدَماً    ** فـي لـيـلـه الأبـديّ الـدهـرُ يـرمـينا

مـا زال لـجُّـكِ لـلأيـام مـبـتـلِـعـــاً    ** فـمـا الـذي أنـتِ بـالأيـام تُـجرينا؟

ناشدتُكِ اللهَ قُولي وارحمي وَلَهي   ** أتُـرجـعـيـن لـنـا أحـلامَ ماضيـنا؟
فـيـا بـحـيـرةَ أيـامِ الـصِّـبـا أبـداً     ** تـبـقـيـن بـالـدهـر والأيامُ تُزرينا

تذكارُ عهدِ التصابي فاحفظيه لنا   ** ففيكِ عهدُ التصابي بات مدفونا

على مياهكِ في صفوٍ وفي كـدرٍ    ** فـلـيـبـقَ ذا الـذكرُ تُحييه فيُحيينا

وفـي صـخـوركِ جـرداءً مـعـلّقةً    ** عليكِ، والشوحُ مُسْوَدُّ الأفـانـينا

وفي ضفافكِ والأصواتُ راجعةٌ     ** مـنـهـا إلـيـهـا كـترجيع الشجيّينا

وليبقَ في القمر الساري، مُبيِّضةً  ** أنـوارُه سطـحَـكِ الزاهي بها حينا

وكـلَّما صافحتْـكِ الريـحُ في سَحَرٍ  ** أو حـرّكتْ قَـصَـبـاتٌ عِـطـفَها لينا

أو فاح في الروض عطرٌ فليكنْ لكِ ذا**صـوتـاً يُـردّد عـنا مـا جــرى فينا

أحــــبَّـها وأحـبَّـتـه، ومـا سـلـمـا   ** مـن الـردى.. رحــمَ اللهُ الـمـحبّينا

قصيدة البحتري التي يصف فيها بركة الخليفة المتوكل:

يا من رأى البركةَ الحسناءَ رؤيتُها ** والآنـسـاتِ إذا لاحــت مـغـانـيـهـا
بـحسـبـها أنهـا فـي فـضـل رتـبـتها ** تُـعـدُّ واحـدةً والـبـحــرُ ثـانـيـهـــا
ما بالُ دِجـلةَ كالغَـيـرى تـنـافـسُهـا ** في الحسنِ طوراً وأطواراً تباهيها
تـنـصـبُّ فـيـهـا وفودُ الماءِ معجلةً ** كالخـيـل خارجةً من حبلِ مجريها
كأنـمـا الفـضـةُ الـبـيـضـاءُ سائـلـةً ** مـن السبائـك تـجري في مجاريها
إذا علـتـهـا الصَّـبـا أبـدت لها حبكاً ** مـثـل الجواشنِ مصقولاً حواشيها
فـحاجـبُ الشمسِ أحياناً يضاحكُها ** وريِّـقُ الـغـيـثِ أحـيـانـاً يـبـاكـيـهـا
إذا الـنجـومُ تـراءتْ في جـوانـبـها ** لـيـلاً حـسـبـتَ سـمـاء رُكِّبـتْ فيها

كأنَّ جِـنَّ سـلـيـمـانَ الـذيـن وَلَــوا ** إبـداعَـهـا.. فـأدقــوا فـي معـانـيها

ولـو تـمرُّ بها بلقيسُ عن عَرَضٍ ** قـالـت هـي الصرحُ تمثيلاً وتشبيها
لا يـبلغُ السمكُ المحصورُ غايتها ** لـبـعـد مـا بـيـن قـاصـيـهـا ودانـيها
يَـعُـمْـنَ فـيـهـا بأوسـاطٍ مُـجَـنَّـحَةٍ ** كالـطـيـر تـنـفـضُ في جوٍ خوافيها
لهُـنَّ صحـنٌ رحـيـبٌ في أسافلها ** إذا انـحـطـطـنَ، وبَهوٌ في أعـالـيها
صُوْرٌ إلـى صورة الـدُلفينِ يؤنسُها** مـنـه انـزواءٌ بـعـيـنـيـهِ يـوازيـها
مـحـفـوفـةٌ بـرياضٍ لا تـزال تُرى ** ريشَ الطواويسِ تحكـيه ويحكيها
ودكـتـيـنِ كـمثل الشعرييـن غدت ** إحـداهـمـا بإزا الأخـرى تـسـاميها

يؤكد البحتري تعجبه من البركة، في ذهابه للمقارنة بأن البحر على عظمته وروعته وجلاله، يختلف عنها عند المقايسة والموازنة، ويلح على هذا المعنى، فيتخذ من نهر دجلة دليلاً يؤيده، فيقول: إنه ينظر إليها وكأن الغيرة تحرق صدره، وتدفعه إلى منافستها في مجال الحسن، ومباهاتها بنصيبه منه.. وإنما اختار دجلة وشحنه بهذه الغيرة، لأنها ـ البركة ـ كانت مشادة في سامراء ـ سُرَّ من رأى ـ تلك المدينة التي بناها المعتصم على دجلة، وقدر أن تكون مقراً لجنده من الترك.
يقف أمامها مصوراً ماءها الغزير في قوة تدافعه وانصبابه، وفي صفائه ونقائه، وحين تمر الصَبا، أي الريح الشرقية، به، ثم حين تستقبلها الشمس طالعة، وبواكير الغيث صافية. وأخيراً حين تتراءى النجوم على صفحتها ليلاً .. فيقول: إن دفع المياه تنصب فيها في سرعة وعجلة، كأنها الخيل أطلقت لها الأعنة، فمضت تركض ركضاً، وهذه المياه في صفائها ونقائها كالفضة البيضاء زادها صهر سبائكها نقاء فازداد بياضها تألقاً.
لاشك أن لوحة البحتري التي وصف بها البركة، تصويرية بارعة الدقة.. حتى لكأنها حولت الكلمات إلى صور متحركة ناطقة. أما بحيرة لامارتين، فهي مكانٌ مشحونٌ بالأحاسيس الوجدانية، مليء بالذكريات، خامة من الأسى والألم والأمنيات المكبوتة الغائبة في قاع الوجدان.. بركة البحتري حسية شعورية، وبحيرة لامارتين عاطفية وجدانية تستثير الخيال والصور بما تشيعه مناظر البحيرة من قوة جارحة للذكريات المنسية والمختبئة، حتى كأن كلا المشهدين هما نصفُ صورة تعيد تركيب النفس من جديد، ونصفها الآخر الذي يعيد تركيب الحواس السمعية والبصرية من جديد .

 

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »