الرئيسية / مقالات رأي / من الشمولية إلى الفوضى الخلاقة

من الشمولية إلى الفوضى الخلاقة

محمد صبحي

يبدو التناقض شديداً حين نقارن وسائل الحرب بغاياتها المعلنة، فمن كان هدفه البناء ما حاجته للتدمير يا تُرى؟

هل يمكن اعتبار الهدم أو البناء مدخلات ومخرجات طبيعية وتحظى بالإرادة الكاملة للمجتمعات المحلية، أم أنها كانت بمعزل عنها وخارج هذه الإرادة، وماذا يمكن أن يضيف لها هذا البناء؟ وهل هو أكبر من الهدم، وما تقييمه مقارنة بالمكاسب؟

 

حين تنفرد “الولايات المتحدة الأمريكية” بمشاركة بعض الحكومات الأوربية في تحديد المصير لهذه المحافظة(الرقة)، فهل يمكن اعتبار ذلك من حسن الطالع لهذه المحافظة؟

أم أنها القضية التي خدمت الخطاب المتخشب لنظامنا السوري، فوظف هذه الإشكالية في تجديد خطابه المقاوم والممانع بكل مناسبة له، وحين يضع المجتمع المحلي (كرداً وعرباً وتركمان ومسيحيين) تحت وطأة الوطنية التي يراها في امتثالنا لرؤيته المقاومة.

يوجه النظام وأنصاره تهمة الخيانة ويرميانها جزافاً في واقع سوري متغير يفرض نفسه بمساهمة فاعلين دوليين. ويتعامل بأوهام شديدة الانتهازية مع المجتمع الدولي ويتغافل عن حقيقة أنه ليس الجمعية الخيرية التي عليها أن تمنحه ما يريد وما يتمنى.

بالوقت الذي تصمم فيه هذه الأطراف الدولية مشروعاتها وإستراتيجياتها بناء على مبررات إنسانية وقانونية بمساعدة هيئات دولية تكافح التطرف وتناصر نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في شعوب يسيطر عليها الاستبداد والديكتاتورية وهي تظهر بهذه الصورة إن لم تكن حقيقتها.

وحين نراجع هذه التدخلات الدولية، ندرك سريعا أن نظامنا السوري ببنيته الفاسدة والمستبدة أول من استدعاها، وليس الشعب السوري، كما يزعم النظام، فهو نظام الحكم الذي مارس كل الانتهاكات على شعبه واضطهد وأقصى عبر إيديولوجيته القومية كل المكونات السياسية ومنعها من أن تكون حاملاً لمشروع دولة المواطنة المتساوية لكل السوريين.

وفق هذا السياق الفاشل لأداء مؤسسات النظام وغياب الحياة السياسية، هل كان النظام جزءاً لا يتجزأ من مشروع الفوضى السورية وأحد المحركات الرئيسية لها، ولمصلحة من يا تُرى؟

قرر السوريون الاستجابة للاحتجاجات ضد نظامهم دون ترد، طالما أنه نظام لا يؤمن لهم فرصهم المتساوية، ولا يحترم حرياتهم العامة، ولا ينفك متعدياً على حق المشاركة في إدارة شؤونهم على قاعدة التوازن التام بين حقوقهم وواجباتهم.

لم يكتف النظام باستحكامه الشديد عبر عقود خلت في القضايا الداخلية، بل ورّط السوريين بصراع طويل استنزف الدولة السورية والمجتمع، بمقابل مساهمته الفاشلة في المنظومة القومية، ولم يكن هذا موجوداً إلا في عقل منظريها، فكان المستفيد الرئيسي من ذلك القوى الدولية والإقليمية التي مازالت تتصارع على مصالحها في المنطقة. وكان الأولى أن يحرص النظام على تبادل المصالح التي تنمي مقدرات وطاقات وطنية، عوضاً عن الانخراط في قطبية دولية من أمثال الحرب الباردة وتناقضاتها التي لمسنا تداعيتها مؤخراً حين حصل التدخل الأمريكي في سوريا مقابل التدخل الروسي في سوريا. وحين استدعى النظام تدخلاً سعوديا وتركياً في سوريا بمقابل إعطائه الحق لإيران في تدخلها الكبير في الشأن السوري وإمساكها لكل مفاصل الدولة.

وقع المجتمع السوري في دوامة من التناقضات العميقة، مزقت هويته الوطنية، وسمحت للنظام باستغلال هذه الوضعية المتردية، فلم يعد بإمكان المجتمع السوري بيان موقفه من القضايا الداخلية، أو الخارجية العابرة لحدوده، لأن نظاماً سورياً بدا مستحكماً ويقبض باستبداده على الدولة والمجتمع.

ولما كانت الحال على هذه الشاكلة، بادرت القوى الدولية والإقليمية إلى استغلال الفوضى السورية، ومنعت النظام من السقوط بمقابل حصول المعارضة على بعض المكاسب ومازال الصراع مستمراً عبر استغلال الفوضى ومحاولة ربط الحل السوري بترسيم المصالح الدولية والإقليمية عبر بوابة نظام ومعارضة مازالا يتهافتان على إرضاء روسيا وإيران بمقابل محاولة أمريكية تتجاوز كل الأطراف والاستحواذ على شمال وشرق سوريا.

بالنظر إلى أجزاء المشهد السوري بعد العام 2012 لا يمكنك أن تظن أبداً أن كل ما جرى من أحداث كان مخططا له في سياق الفوضى البناءة، وأن التفسير لما حدث من تدخلات دولية كان مجرد ردود أفعال دولية على تنامي وتيرة الجهاد والعنف المسلح في سوريا.

ظلت الرقة تحت سيطرة عسكرية وأمنية للنظام حتى العام 2013 وفشل مشروع إدارتها من قبل معارضة “الائتلاف السوري”، ثم أصبحت عاصمة للخلافة، وتشكل جزءاً من النفوذ الذي فرضته الولايات المتحدة عبر قيادتها للتحالف الدولي واعلانها الذي رسم حدوداً لنفوذ جديد سمي بمنطقة “شرق الفرات”.

يستخدم أنصار النظام ومناصريه في الرقة منطق التخوين اتجاه معارضة الائتلاف ومشروع الإدارة الذاتية بهدف الضغط على أي طرف يمكن أن ينجز حلولاً مؤقتة أو دائمة قد تؤمن الاستقرار للمجتمع المحلي بالتنسيق مع أطراف دولية بينما يعطي لنفسه حذا الحق تحت بند الشرعية الزائفة التي يتمتع بها.

تأتي هنا مسألة السيطرة على الرقة كإحدى حلقات الفوضى السورية لما تتمتع به هذه المحافظة من ميزات جيوسياسية كانت محل اهتمام تركيا وإيران والتحالف الدولي، والقوى المحلية التي تسيطر على الرقة حالياً.

فهل ما حصل في الرقة أو غيرها من المناطق السورية كان مجرد فصل من فصول الفوضى البناءة، أم أنه سياق طبيعي ونتيجة طبيعية لاستبداد النظام الذي رهن المجتمع لهذه الفوضى ومفاعيلها القسرية؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى