الرئيسية / مقالات رأي / في الذكرى الثامنة.. هل مايزال هنالك ثورة في سوريا؟

في الذكرى الثامنة.. هل مايزال هنالك ثورة في سوريا؟

معبد الحسون

كثيرون يتساءلون اليوم: هل انتهت الثورة؟ كيف يمكن تبني واعتماد هذا الرأي وهذه النتيجة القاطعة؟ وكيف يتوصل أصحاب هذا الرأي إلى برهان قاطع بالجواب: نعم. كذلك القول: كيف يتوصل أصحاب الرأي الآخر المضاد، إلى برهان قاطع بجوابهم القاطع؛ إن الثورة ما انتهت ولن تنتهي، وقدرها هو أن تستمر وأن تتوالى فصولاً ومشاهدَ.

الحق إن التساؤل نفسه مضللٌ ومريب. بل أكثر من ذلك؛ إنه ينطوي على مغالطة معرفية ضمنية، قلما يُفطنُ إليها أو يُنتبَهُ لها.. فالثورة، مطلق ثورة، وكل ثورة حدثت في هذا العالم، قديمه وحديثه، ودون استثناء واحد لكل الثورات التي عرفها الإنسان، منذ أقدم العصور حتى اليوم. وفي كل الجغرافيا البشرية، لا يكتمل تعريفها إلا اذا استحوذت على وصفين أساسيين، ينبغي وجوباً أن تشتمل عليهما:

ـ الثورة من حيث هي حادث تاريخي حدث في مكان وزمان تاريخيين، أو من حيث هي تمرد أو غضب أو اعتراض ما هو قائم في الواقع، اعتراضاً جزئياً أو كلياً. جانبياً مطلبياً، أو جذرياً راديكالياً شاملاً.. حدثٌ يكسر السياق التاريخي الثابت نسبياً، ويُشظي الواقع القائم تشظياً غير مخطط له، وغير مسير من قبل غرفة مجهزة مسبقاً، وهي تمضي وتملي إرادتها على الناس والجمهور المتمرد الغاضب، وتُسيّره أو تُقَلّب إرادته، كيفما شاءت وإيان أرادت. هذه الصفة؛ هي الجوهر الذي يميز الثورات عن المعارك والحروب التقليدية، في عامة التاريخ؛ قديمه وحديثه.

ـ والثورة من طرف آخر، لا متعين، وغير محصور أو يمكن التنبؤ به، لها من الارتدادات والتأثيرات الجانبية، أو المفاعيل التي تظل تتوالد تباعاً، بفعل حركة تاريخية يصعب السيطرة عليها.

طبيعة هذين التوصيفين، أنهما لا يجيئان معاً وفي وقت واحد. بل بالحتم، إن الوصف الأول سابق للثاني. وإن الأول محدود ببداية ونهاية، وفي وسع أي مؤرخ أو مدون للتاريخ، أن يحدده ببداية ونهاية. شأنه شأن أي حدث تاريخي آخر، عادي أو غير عادي. أما الثاني فهو مفتوح على كل الجهات. متطور ومتقلب. وله القدرة على الكمون والاستيقاظ، دون أن يُحصر بقانون ثابت، أو منطق ملزم مسبق.

بعض الثورات في التاريخ، استمرت كحدث لبضعة أشهر، أو لسنوات قليلة ومعدودة. ولكن ارتداداتها استمرت لعشرات السنين، وربما لقرون عدة. فتوالدت وتكاثرت مبادئها، في حركة دورانية استنسابية يأخذ بعضها بأسباب بعض دون توقع، ولا يخضع لحكم الصدفة غير المفهومة. وبعض الثورات استمرت في التاريخ كحادثة لفترة تطول أو تقصر، غير أن ارتدادتها كانت قليلة وهشة وواهنة، كزوبعة طارئة من الغبار، ما طالت وما جالت ولا تغلغلت.. ولا تركت أثارةً من فعل تاريخي ذي قيمة تذكر.

وعوداً إلى السؤال الذي استفتحت به: هل بقي من الثورة السورية اليوم شيء؟ هل هي ما تزال حية وفاعلة ومستمرة، كحادث تاريخي من أكبر وأهم حوادث التاريخ، قديمه وحديثه؟

أعتقد بعد التفصيل والوصف السابق، أنه بات ممكناً أن نتوسل ونستخلص جواباً معرفياً متجرداً عن العواطف، ومصفّى من الشعارات والرغبات، فالثورة السورية كحادثة على الأرض السورية، ضمن حدود الوطن السوري، تحرّكَ بها ثوارٌ أحرار، دون إملاء إرادة من أحد، ولا تكيفاً مع رغبات داخلية أو خارجية، هذه الثورة السورية تاريخياً انتهت اليوم، وبمنتهى الصراحة.. بل أزيد من ذلك، أعتقد بأنها انتهت منذ وقت طويل. أستطيع أن أؤرخ له، واحدده بالشهر الأول من عام 2015. فالثورة السورية مضت في التاريخ أربع سنوات على وجه التحديد، ودون استطالات كلامية أو بلاغية. ولقد كان آخر أحداثها الداخلية رهيناً بدخول قوات التحالف الدولي إلى معاقل تنظيم داعش، في معركة كوباني الشهيرة، والتي حدد تاريخ 19 / 1 / 2015 نهاية لها. الأمر الذي حسم خيارات الثوار والمعارضة (وخيارات نظام الأسد معهما كذلك)، ابتداءاً من النتائج التي رتبها انتصار التحالف، وبحيث أصبح ميدان الوقائع وجميع مجريات الأحداث على الأرض السورية، هي ملكاً له، (للتحالف الدولي)، ورهنَ إرادته وشروطه التي كيفها مع الوقائع التي تلت ذلك، بوصفه منتصراً وحيداً على الأرض.

هذا من ناحية الشق التأريخي للجواب على السؤال الآنف، أما الشق الآخر، المشتمل على ارتدادات الثورة السورية وتفاعلها الحي وتأثيرها على الوقائع، سورياً وعربياً وإقليمياً وعالمياً، فالجواب هو أن هذه الارتدادات، لم تنتهِ، ولن تنتهي في وقت قريب، والمعتقد والمظنون به أنها قد تستمر لعشرات السنين القادمة.

بهذا التفسير والتفصيل، يصبح السؤال: هل انتهت الثورة السورية في الواقع؟ أم أنها ماتزال مستمرة..؟ يصبح سؤالاً مشبوهاً ومضلِلاً ولا معنى له، وهو قطعاً غير علمي، وغير دقيق فيما يراد به من معنى، ولا يخضع لقوانين المعرفة والمحاكمة العقلية السليمة.

الأمم والشعوب هي  تاريخها وخيارات مستقبلها، ولا شيء ثالثاً وراء هذين الاثنين. ميزة الماضي والمستقبل، أنهما يحتملان خصائصية تبادلية ديناميكية خاصة؛ ألا وهي أن أحدهما له القابلية على تعديل الآخر جزئياً. وأقول جزئياً؛ لأن الحياة بمنطقها الصارم تروغ من بين الأيدي، ولا تمحو ذاتها ووجودها بالكلية. وكذلك الإرادات وجهوزية التخطيط المسبق.

لا نشك بأن أوجب واجبات السوريين اليوم، حتى ينسجموا مع ما تمليه عليهم التزاماتهم الأخلاقية ، وليتمكنوا من تقديم قضيتهم للآخر في صورتها المثالية ، تتركز في احترام الضعف الإنساني العام، الذي أصبح ميزة الغالبية الساحقة من السوريين، وبمطلق ما تعنيه العبارة، والحاجة إلى نظرة مراجِعة، وإلى الظرف الشخصي للسوريين عامة، والبأساء الشديدة التي أُسلِم إليها غالبيةُ السوريين، مما أحدث اختلاطات كثيرة في المواقف والأعمال والقرارات. فالكثيرون تُركوا بلا موارد رزق، وأجبروا على التخلي عن وظائفهم ومصادر عيشهم اليتيمة والوحيدة، وكثيرون ألجأتهم الظروف إلى الهجرة. ولكن كل هذا لا يُسوِّغُ تحويل الضعف إلى حالة نواحية وانتقادية بصورة نمطية دائمة، أو حالة تبريرية دائمة.

كل ذلك يثبت بأن معطى التلذذ باحتقار الآخرين، واستسهال الاستهانة بهم، كنوع من نزعة فردانية عدوانية، تحت حجج ومسميات المواقف السياسية المخالفة والمناوئة، أصبح خُلُقاً إدمانياً فاشياً، وأصبح أصحابه ظاهرة اجتماعية فشت أخلاقها على الطابع العام المشاهد. وغالباً ما تكون دوافعه الحقيقية هي مجازفات لتطهير الذات.

أضف إلى ذلك، أن كثرة التحدث دون التزام ببرنامج عمل، وفقدان المؤسسة المرجعية السياسية والأخلاقية الملزمة، وعدم التفريق بين الشخص وفكرته أو موقفه، مع ما يُلزم ذلك من إفراطٍ في شخصنة القضايا: أي دمج الأفكار بالأشخاص، والتعامل معهما بفكرٍ وعاطفة موحدتين، باتت من السماجات المزمنة التي لم تعد تحتملها المرحلة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »