الرئيسية / مقالات رأي / نظام الأسد والشخصية الزَوَرِيّة

نظام الأسد والشخصية الزَوَرِيّة

معبد الحسون

قد يكون طبيعياً أن يُصاب الإنسان العادي بمرضٍ نفسي خطير، أو ذُهان مدمر للشخصية. ولكن غير العادي أن تُصاب سلطة ونظام حكم باختلاط جنوني هذياني يفكك شخصيته ويحلله تحللاً تاماً. بالطبع هذا إن كان مقبولاً مني أن أقيس حالة جنون فردي، مشخّص سريرياً في المستوى السيكولوجي، بدولة متسلطة ونظام حكم ما يزالُ معترَفاً به على المستوى الدولي حتى الساعة. وقد بلغت أعراض الشخصية الزَوَرِيّة لديه مصافَّ متطورة، وعوارض في غاية الخطورة، إلى حدّ يندر أن تجد لها سوابق في تاريخ الإنسانية الغابرة.

الشخصية الزورية (أو ما يسمى باللاتينية Paranoia، أو الهذاء أو الزَوَر الكبريائي)، في المألوف النمطي المعروف عنها والغالب عليها أنها متعالية إلى حدّ العجرفة الفائقة الوتائر، كما تتصف بوعي شخصي زائف ومضلل بذاتها. رغم قلة مواهبها التي تبلغ درجة الغباء والعُته أحياناً. ورغم وضاعة المنشأ وبساطة المنبت وفقر المعرفة والثقافة. وفي تقديرات احتمالية لدى كثير من علماء النفس النظريين أنها ربما عانت من التهميش، ومن صدمة اعتداء في مراحل الطفولة المبكرة، أو تمييز واحتقار رافق ظروف النشأة لسنوات طويلة. بحيث يستبطن المريض دوماً مشاعر خفية، كالجرح العميق بالاضطهاد. ووهمَ مشاعر تآمر عليه وعداء كل الآخرين له، مما يُغلّب على الذُهان الزَوَرِي أحياناً تسمية “جنون الاضطهاد”.

والزَوَرِيّ لا يفكر عادةً، إلا في القتل أو الانتهاك أو الاعتداء على الآخرين، وليس لديه سوى أن يجتثَّ أو يستأصل، أو ينتقم أو يفتك. وهو يعدُّ هذه الرسالة الإجرامية التي يخطط لها، أو التي قد يقضي عمراً مديداً وهو يخطط لها، أنبل أهدافه، وهي القصد والغاية.

والشخصية الزَوَرِيّة لا تبدو للآخرين -في الغالب- شيئاً جنونياً أو غير طبيعي، وذلك لأن الزَوَرِيّ يتقن التصنع، ويتفنن في سترِ عراته الداخلية وعطبه وجنونه الخفي. كما أن هذا الجنون، بنوع مخصوص، يمتاز بقدرة عالية على المحاكمة العقلية والتبرير، واجتراح الأعذار المنطقية للآخرين، بحيث يُلْبِس عليهم، ويغطي على أي احتمال لشكهم بجنونه.

وقد دأبت الحالات النمطية المألوفة في السجون والمشافي، على أن الزَوَرِيّ يكون بطبعه ذكياً فقط في التبرير والدفاع عن نفسه، وعن ما اجترحه من أعمال جنونية، وفي حالات كثيرة قد ينجح في إقناع قضاته وأطبائه المعالجين بقوة حجته، ومنطقية تبريراته لما قد يحشد لها من مسوغات ومن علل ودوافع، ربما تبدو لغير المختص “معقولة” و”واقعية” و”فيها الكثير من المنطق ووجهة النظر”.

والزَوَرِيّ لا يهتم في نهاية المطاف، إلا بأن ينجو بفعلته، وأن يخادع العدالة بمنطقه الخاص، واحتمالات محاكمته أو مساءلته، وهو لا يشعر بذرة صغيرة عابرة من مشاعر الإثمية أو الندم، وهو يحتقر كل عواطف الآخرين ويستصغرها، وذلك لأنه يرى نفسه دائماً على حق. وكثيرٌ من حوادث الاعتداء على الأولاد أو النساء تجري تحت ضغط دوافع شخصية زَوَرِيّة متسترة. مع الأخذ بعين الاعتبار أن جميع محاكم الدول في العالم ـ حتى على مستوى العدالة الدولية ـ تعفي الزَوَرِيّ من العقاب، مهما بلغت حجم الكارثية ودرجة الإجرام التي قد يجترحها في أعماله، وإنما تقتصر على عزله مدى الحياة عن بقية السجناء أو المرضى، خوفاً عليهم من أذاه من جهة، ولأن هذا الذُهان العقلي بالذات، غير قابل للشفاء أو حتى للتحسن البطيء من جهة أخرى.

الزَّوَرِي غالباً ما يخطط بذكاء وصبر وروية لمشاريع قتل فردية أو جماعية، في معظم الحالات، حتى لو بلغ مطافاً أن ينحر طفله أو طفلته الرضيعة أو اليافعة، أو زوجته أو أحد أقربائه، وهو لا يتردد ولا يندم، ولا ينتابه أي إحساس بمشاعر الإثم أو ضغطه، وإنما جلُّ تفكيرِه يكون مصروفاً إلى تبرير الفعلة أمام الآخرين، وكيفية حسن الأداء في القول والتصرف أمام القضاة والمسائلين حتى ينجو من العقاب.

أما نماذج الشخصية الزَّوَريّة التي قد تطبع سلطةً أو نظاماً معيناً بطابعها، فإن شواهد التاريخ كثيرة وعديدة، حيث أننا نتعرف على أشخاص وصل بهم فرط الزَّوَرِية والاعتداد بأنفسهم، إلى ذرى سامقة من الجنون، وبوسعهم لو أتيحت لهم الفرص أو المناسبات، أن تُحَوِّلهم إلى قتلة شموليين. بل حتى لو استطاعوا استئصال الشعب برمته، والجنس البشري بأسره، فإن ذلك لن يكسر حدة التطلعات الهوَسية، وبريق عنفوانها ومضائها، وألق الفكرة الجنونية المشعة في خفايا رؤوسهم. (الإمبراطور الروماني نيرون مثالاً، العقيد القذافي مثالاً، ستالين وهتلر وبول بوت أمثلة).

نظام الأسد الأب، الذي كان أبرز صفاته المشخصة عياناً، هي الكذب المستمر، وتبرير الأكاذيب بأكاذيب أكثر تعقيداً، وأشد استعصاء على أي تفسير او منطق سهل، قد تصنف طبيعة أكاذيبه تحت تسميات الكذب والديماغوجية السياسية، والتلفيق الذي لا هدف له إلا المحافظة على مقعد السلطة. لكن الأسد الابن، يختلف كثيراً في البنية والوصف والتحليل العام، فهذا النظام قد دخل منذ وقت طويل في طور من أطوار السلوكية الزَّوَريّة، وراح يرتقي فيها حتى بات يصح أن يُشخص بأنه نموذج سريري، وحالة مثالية يستشهد بُها في تشخيص الشخصية الزَّوَرية، تصلح للتدريس في المشافي وفروع علم النفس في الكليات والجامعات.

فنظام الابن، بشار الأسد، قد بات يخلط الأكاذيب بالأوهام، إلى درجة أن الباحث المراقب لسلوكياته، لو فكّـر على سبيل المثال، أن يفتش عن سلوك واحد، أو تصريح واحد، أو تصرف وحيد، خالٍ من الأكاذيب التي تخالطها الأوهام، لأعياه البحث والتفتيش، ولأعجزه حتى عن لمس مسلك قولي أو فعلي، يمكن أن يُحمل بقصدٍ أو بغير قصد، على محمل المنطق أو بعض المنطق، أو حتى الدرجات الدونية من المعقولية، أو القصد المفهوم والواضح.

البنية السيكلوجية للشخصية الزَّوَرِية لا تسمح بتسرب اليأس، ولا الإقرار بأي نوع من الفشل. فالزَّوَرِي لا يفكر بالموت والانتحار، ولا بأية نهاية ممكنة للحياة، ولديه دائماً مخططاتٌ وأفكارٌ خلاصية، حتى حين يلتف حبل المشنقة حول عنقه. ولا يعترف بفشله وضعفه، ويعدُّ إخفاقاته نجاحات باهرة يرفض الجميع الاعتراف بها لأسباب كيدية. كما أنه ليس حريصاً أو محتاطاً لسمعته الأخلاقية، ولا يُكِنُّ أية عاطفة صادقة وحقيقية لأيٍ كان، مهما بلغ شأنه أو درجة قربه منه، والعاطفة الوحيدة التي يرعاها ويغذيها الزَّوَرِيّ على مدار السنين، هي الحقد وكراهية الآخرين دون استثناء، والتفكر الدائم في المكر بهم. هذا بالضبط النموذج المثالي لشخصية بشار الأسد.

فالعلاقة بين الأكاذيب والوهمية لدى الشخصية الزَّوَرِية، هي دائماً علاقة سبب بنتيجة وبالعكس، وإن كان يصعب كثيراً، إلى حدّ الاستحالة، معرفة أيٍّ منهما الذي يلد الآخر، وأيٍّ منهما بالتالي يُنسب كنتيجة للآخر، في هذه المعادلة الاستتباعية.. كالمثال الشعبي المألوف والشائع حول البيضة والدجاجة: أيهما كان سبباً في وجود الآخر.. فالأسد يتوهم بأنه ما إن ينتصر (بالطبع هو يتوهم بأنه سوف ينتصر في نهاية المشهد)، فإنه سوف يباشر فوراً في إعادة الإعمار، وبناءِ ما هدّمته الحرب. وهو يعتقد جازماً بأن روسيا أو إيران، تملكان من السعة المالية ما يكفي لتمويل إعادة إعمار، تتطلب في بعض التقديرات لأكثر من 300 مليار دولار، وأن المجتمع الدولي سوف يُجبر على تمويل صندوق الإعمار.

بالطبع المجتمع الدولي، بما فيه الدول التي يدّعي النظام أنه يحاربها ويتصدى لـ”عملائها”، تحت شعارات الممانعة والصمود والتصدي، وللقوى “الإرهابية” التي موَّلتها لخوض الحرب في سوريا ضده؛ أي الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وتركيا ومنظومة مجلس التعاون الخليجي وبقية الدول الغنية والقادرة في العالم. إذ أن أقصى ما يُتوَقَّع من حالة مجنون مثل هكذا نظام، هو أنه ما يزال متمسكاً، وبمنتهى الإصرار، على شعاراته البليدة التي تعفنت منذ سنوات طويلة. مع أن هذه الدول في المقابل، تشترط لاستثمارها في إعادة الإعمار ضمانة وجود نظام صالح للبقاء، لا نظاماً أقرب إلى الجثة المتعفنة.

كذلك فإن هذا النظام النيروني السفاح، ما يزال يعيش وهم التفوق في أية انتخابات من المحتمل أن تجري مستقبلاً. سواء جرت بإشراف الأمم المتحدة أم بدونها، ولكن بشرط حرمان المهجّرين والنازحين والمعتقلين والمطاردين من المشاركة في الانتخابات، مع أن نسبة هؤلاء توشك أن تقارب نصف الشعب السوري.

قد تستطيع أن تخادع كلَّ الكون، إلا رغوة الرمال المتحركة التي تقف عليها، وأنت تحسب أنها الأرض الصلبة التي ستحميك من الابتلاع في غورها. مع هذا، فإن نظام بشار الأسد يتوهم أيضاً أن القوى والدول والميليشيات التي جلبها لاحتلال بلاده إنما هي مجرد موظف أمني خاص به وبنظامه، أو “بادي غارد” مخصص لحمايته، فما إن يفرغ هو، وتفرغ هذه القوى المتدخلة المحتلة، من القضاء على خصومه وسحقهم، حتى يصرفها من الخدمة بقرار منه، ويعيدها من حيث جاء بها بإشارة منه. وحتى في أسوأ الاحتمالات، كما يتوهم، فيما لم ينجح في استعادة كامل البلاد، والسيطرة على سائر الجغرافية السورية، فإن “كانتونه” الخاص به الذي سوف يختص بحكمه يكفيه، وهو قادر على أن يتابع شؤون حكم “كانتونه” بيسر وسهولة.

بروكار بريس

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »