الرئيسية / ثقافة / تأملات في اليسار الليبرالي الديمقراطي الحر

تأملات في اليسار الليبرالي الديمقراطي الحر

هل كان “كاوتسكي” مرتداً عن الماركسية؟

معبد الحسون

انقسمت قراءة الفكر الماركسي، نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين، بين قراءة تُلزم الفكر الماركسي بالطريق الديمقراطي الليبرالي الحر، وبين قراءة لم ترَ إلا في مبدأ “دكتاتورية البروليتارية”، طريقاً وحيداً ويتيماً، يعيد إنتاج الطغيان الشمولي عن طريق الحزب الواحد، والقائد الواحد واللجنة المركزية الواحدة والقرار السياسي والاجتماعي الواحد.. أي بتحويل الماركسية إلى كهنوت أورثوذوكسي، لا يمكن رؤية المستقبل من خلاله، إلا بطريقة الإجبار والقهر والعنف الثوري والفرض بالإكراه.

كتب لينين قائد الثورة البلشفية، وأبرز ممثلي التيار الثاني، كتابه الشهير: (الثورة البروليتارية والمرتد كاوتسكي)، وذلك رداً على أبرز ممثلي التيار الليبرالي الديمقراطي الحر في العالم آنذاك: (كارل كاوتسكي  1854 ـ 1938). وهو الشخصية الغنية عن التعريف، فهو زعيم الحزب الإشتراكي الديموقراطي الألماني، أقوى الأحزاب الماركسية في العالم وقتها. وهو من أشهر الماركسيين الألمان بعد أنجلز. ولقد انتقد كاوتسكي البلاشفة من خلال تناوله الجانب الديموقراطي في ثورة أكتوبر، وسيادة البروليتاريا، وتساءل: ـ لماذا ينبغي أن ترتدي سيادة البروليتاريا شكلاً لا يتلاءم مع الديمقراطية؟

لذلك، يقول لينين في كتابه الآنف الذكر، ما يلي: (إن القضية التي شوهها كاوتسكي بهذا الشكل المقيت تبدو، في الواقع، وكأنها حديث عن “ديمقراطية خالصة”، بل عن الديمقراطية الطبقية فقط. ونقول بين هلالين إن «الديمقراطية الخالصة» ليست فقط صيغة جاهلة تنم عن عدم فهم لنضال الطبقات، ولجوهر الدولة، على حد سواء، بل هي أيضا صيغة جوفاء، لأن الديمقراطية، ستضمحل، إذ سوف تتطور في المجتمع الشيوعي وتتحول إلى عادة، ولكنها لن تصبح أبدا “ديمقراطية خالصة”. إن «الديمقراطية الخالصة» ليست سوى تعبير كاذب لليبيرالي يخدع العمال. إن التاريخ يعرف الديمقراطية البرجوازية التي تحل محل النظام الإقطاعي، والديمقراطية البروليتارية التي تحل محل الديمقراطية البرجوازية.)
ولقد رأى كاوتسكي بأن النظام الذي يتمتع بجذور راسخة بين الجماهير، ويعرف بأن الجماهير تقف معه، لن يخشى من الانتخابات الديمقراطية كخيار يوصل الجديرين إلى سدة الحكم. ولن يلجأ إلى العنف، إلا من أجل حماية الديموقراطية. كما رأى أن البلاشفة قد قضوا على الديموقراطية، عندما اختاروا طريق ومبدأ “ديكتاتورية البروليتارية”. لكن لينين نفسه، أشاد فيما بعد بمديح وتقريض كتاب كاوتسكي الأشهر(الطريق إلى السلطة)، وكانت تلك الإشادة والإطراء، حتى بعد وصفه لكاوتسكي بالمرتد، في مؤلفه المذكور. كما يجب أن نذكر بأن أنجلز في سنواته الأخيرة، هو من كلف كاوتسكي بإنجاز الجزء الأخير من كتاب ( رأس المال ) لماركس. ولقد أنجز كاوتسكي الكتاب بعد وفاة أنجلز.

يلخص كاوتسكي نظرته إلى المشاركة بين أحزاب البروليتاريا، والأحزاب الاشتراكية، بأن هذه الشراكة في تأليف الحكومات، لابد أن يترتب عليها وقوع الحزب البروليتاري في تناقضات كثيرة، سوف تفضي به في النهاية إلى الإخفاق والفشل الأكيد، لأن هذا الحزب سيقع في حيرة الاختيار، حيث سيتجاذبه طرفان، السلطة والشعب، وبالتالي مع من يقف.؟ وهذا هو الامتحان الأكبر لأي حزب، وبالتالي فإن فشله (رهين في خيارات ميله فيما إلى السلطة، وابتعاده عن جماهيره الشعبية، مكتفيا ببعض المقاعد النيابية أو ببعض الحقائب الوزارية). أو مكتفيا بالدور الشكلي في بعض مؤسسات الدولة. ولذلك فإن مشاركة الحزب الإشتراكي في السلطة، تعني أنه يبيع قوته السياسية لحكومة برجوازية، لن تجني منها البروليتاريا سوى بعض البرلمانيين الذين سيعقدون الصفقات مع السلطة.

لقد كان كاوتسكي هو السياسي المبكر، والنظري الأبرز والأمثل للديمقراطية، حتى في القرن الواحد والعشرين، حيث نعيش اليوم.

كما يرى كاوتسكي بأن العناصر التي ستجني فائدة من مشاركة الحزب الاشتراكي في كتلة برجوازية، هي العناصر التي لا ترى في الحزب الاشتراكي سوى مطية للصعود، وهي العناصر الوصولية والمحبة للخمول والبطالة. فالحزب، في مثل هذه الحال، سوف يمارس حياة ديمقراطية داخل التنظيم، وهذا بالتالي ما سوف يُمَكّنه من التخلص من هذه العناصر الانتهازية المتقاعسة، والتي لن تختار في نهاية الطريق إلا مصلحتها الذاتية، وهذا سوف يكون خياراً جيداً، يصب في مصلحة الحزب الإشتراكي الليبرالي. ” وفي حال مشاركة البروليتاريا الطبقة المالكة في الحكم، فهي، أي البروليتاريا، لن تستطيع ممارسة السلطة، بسبب التناقضات الحادة المستعصية بين الطبقتين، لهذا سوف تعمد الطبقة المالكة إلى استثمار السلطة لمصلحتها، وقمع البروليتاريا بالتالي، ولن تسمح لها بممارسة النشاط السياسي، ولن تقبل منه تعبئة الناس للقضايا الداخلية، المطلبية، المعاشية، وفي سبيل الحريات الديمقراطية، والنشاط السياسي الحر”.

أما أهم الأفكار الاستشرافية نحو المستقبل، والتي شكلت المنارة الهادية وبوصلة التوجه بالنسبة لمعظم الأحزاب الإشتراكية، حتى في وقتنا الحاضر، فيمكن تلخيصها باختصار: “إن الحزب البروليتاري سوف يجد نفسه في الحكومة الائتلافية، شريكاً صغيراً، وضالعاً متواطئاً، في قمع البروليتاريا، وسيجلب لنفسه ازدراء البروليتاريا وأنصارها من الطبقات الفقيرة، واحتقارهم له. وسيقف عاجزاً عن أي نشاط مثمر، بسبب الحرج الذي سيشعر به أمام الشعب، وبسبب ريبة شركائه في الحكم، والذين لن يسمحوا له بأي نشاط، إلا في إطار دائرة ضيقة. لهذا تجده سوف يعيش في عزلة، بعيداً عن محيطه الاجتماعي.. ومثل هذه المشاركة لن تزيد من قوة البروليتاريا، بل ستكون النتيجة توريط الحزب البروليتاري، وتلويث سمعته، و تضليل الطبقة العاملة وتشتيت صفوفها”.

“لذلك فإن الحزب الاشتراكي كلما ثابر على معارضته لفساد الطبقات الحاكمة، انصبت عليه ثقة الجماهير الشعبية عبر تعفن النظام. فالطبقة الحاكمة لن تكون حليفاً جديراً بالثقة أبداً. كما سيتجلى التناقض في الحكومة الائتلافية، عندما تعمد البروليتاريا إلى مطالبة أجهزة الدولة بمؤازرتها ضد رأس المال، في حين تعمد الطبقة المالكة إلى استثمار السلطة لقمع البروليتاريا، فتخفق الأولى، وتفلح الثانية، والاعتقاد بإمكانية الوصول إلى الوئام الاجتماعي بين الطبقتين والحزبين، هو ضرب من الوهم الاجتماعي لا غير، وأن طريق المصالحة والتوفيق بين الطبقات هو طريق مسدود ومستحيل، وذلك لأن المجتمعات أي مجتمع كان هو بالتالي منقسم إلى طبقات وشرائح، لكل منها مصلحة تنشدها، وتتصرف على أساسها”.

ولقد كان كاوتسكي يرى بأن الطبقات الحاكمة عندما تصاب بالانحطاط الأخلاقي. ويصبح بلوغ السلطة أمراً متعذراً، ومنيعاً أمام الجمهرة الكبرى من الشعب، عندها لا بد من كارثة تحل بالبلاد، لإماطة اللثام عن كل عفن النظام. ويستشهد بمثال على ذلك بالحرب الروسية اليابانية، وكيف أن الحرب قد عرّت النظام القيصري في روسيا، وما آلت إليها الأوضاع قبل ثورة أكتوبر في عام 1917.. ويقول بهذا الصدد مستشهداً: “عندما تشكل النخبة الفكرية والثقافية حرجاً للسلطة جراء ما يطرحون من أفكار ومبادئ، فإنهم يُقصون بعيداً، فتخلو الساحة لصغار النفوس والجبناء والدساسين ليستأثروا بمكان الصدارة، هذه هي طبيعة النظم الاستبدادية للتخلص من المناوئين، وهذه هي طبيعة صغار النفوس لقنص الفرص واغتنامها، وتلك هي سقوف مسعاها النضالي للأسف، ليعبث بالتالي في الساحة الفكرية والثقافية أولئك المثقفون الصغار النفوس”..

للأسف، فقد كانت رؤية كاوتسكي صحيحة في كثير من الاستقراءات السابقة لعصرها، وهي كذلك صحيحة حتى بالنسبة للتجربة السوفياتية التي تلتها لاحقاً في الحقبة الستالينية وما تبعها.. ويضيف كاوتسكي:

“وقد يمضي وقت طويل، يخمد فيه الحراك السياسي جراء قمع السلطات المتواصل، فيشعر كثير من قادة الأحزاب، وساسة الطبقات، بأنهم لم يعودوا مطالبين بالنضال في سبيل غايات عظيمة، كانوا قد نذروا أنفسهم لها أمام طبقاتهم، فلم يبق أمامهم سوى بذل المستطاع للوصول إلى الحكم، وجلهم يتقنون فن التكيف والمرونة والتزلف أمام نوازع الحكام. لكن على العموم يشعرون بصغر شأنهم، في عيون الأعداء، وأيضاً في عيون الأصدقاء الذين يشعرون بخذلان هؤلاء لهم، والتنكر للمبادئ التي آمنوا بها، والمهام الجليلة التي تصدوا لها في فترة من الفترات”..

لكأني بكارل كاوتسكي، وكأنه يقرأ المستقبل مستلهماً معظم التجارب التي نشأت ونهضت في القرن العشرين .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »