الرئيسية / مقالات رأي / الشعارات بوصفها وسيلة في العمل السياسي السوري

الشعارات بوصفها وسيلة في العمل السياسي السوري

د. رشيد الحاج صالح 

قصة الحركات والأحزاب العربية الحديثة مع الشعارات قصة غريبة .. غالباً ما ترفع الشعارات بقصد معاندة الواقع، أو التغاضي عنه، أو للتمويه عليه، أو للاستقواء على الناس، وذلك عبر رفع شعارات مزيفة والتموقع داخلها، ثم محاربة الشعوب من خلالها.

آخر الشعارات المنهارة شعارات داعش ” باقية وتتمدد “. أعتقد أنهم أكثر من كان يدرك وهمية وزيف هذا الشعار منذ عام 2014. يرفعون شعار باقية وتمدد ويخفون أسماءهم الحقيقة حتى عن زوجاتهم.

حافظ الأسد وعائلته غير الكريمة، وكبار ضباطه أكثر من يعرف أن شعارات الوحدة وتحرير الجولان والاشتراكية، مجرد ذر للرماد في العيون كي لا نرى حجم فسادهم وطغيانهم ولصوصيتهم.

الإسلاميين بكل أطيافهم أكثر من يعرف أن شعار” الإسلام هو الحل ” مجرد شعار أجوف وشعبوي، ولا معنى له، في عالم الواقع والسياسة. وهو مجرد وسيلة لكي يحصل أصحاب اللحى على مزيد من المال والسلطة والنساء. ظاهرة زواج الإسلاميين وهم في الثمانينات، أصبحت ظاهرة ملفتة للانتباه. في الغرب انتشرت ظاهرة تبرع كبار الأغنياء المسنين بأموالهم لأعمال خيرية.

الشيوعيون الكلاسيكيون أكثر من يعرف أن ليس هناك ما يسمى بـ ” صراع طبقي ” أو ” بروليتاريا” في عالمنا العربي, وأنهم ليسوا أكثر من نسخة من الأحزاب التسلطية المنتشرة في العالم، والتي لا هم لها سوى الهيمنة والسلطة.

كان حافظ أسد أكثر من يهتم بالشعارات، ويدرك أثرها في غسل أدمغة الناس وبرمجتها بما يخدم مصالحه، حتى أنه كان حريص على إطلاق شعار رنان كل عدة سنوات. في الثمانينات رفع شعار ” التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل” مع أن الوقائع والأرقام الاقتصادية ومؤشرات التنمية والتعليم تشير إلى عكس ذلك 100%. أما شعار ” شعب واحد في دولتين ” فكان يقُصَد به رئيس واحد لدولتين.

كانت شعارات مرشحين مجلس الشعب في سورية، واللافتات التي يرفعونها في الشوارع تثير سخرية الناس, والكل يعرف أنها مجرد كلام فاضي و” برستيج”  سياسي لا أكثر. أذكر أن بعضهم زاد حتى على النظام وقرر أن يستمر في مواجهة الإمبريالية, حتى لو بقي الشخص الوحيد في العام في ساحة المواجه. طبعاً بعد أشهر قليلة حجز المصرف الزراعي على بعض ممتلكاته لأنه لم يسدد أقساط القروض التي سحبها من المصرف في الوقت المحدد لها.

أما كذبة شعار ” قوات سورية الديمقراطية ” غير الديمقراطية ” فلها قصة طويلة تشبه قصة حرص عبد الفتاح السيسي على تأكيده أنه رئيس ديمقراطي في كل مقابلاته، على الرغم من أن أحداً لم يسأله عن ذلك. قوات سورية الديمقراطية منظمة بطريقة تشبه الفروع الأمنية العربية ( سلطة مطلقة, ولاء مطلق للزعيم, الحصول على الشرعية بالقوة, تهميش المجتمع وصناعة ممثلين مزيفين له, ولا ضير من بعض المكر السياسي.. ). في البداية تحدث ” المجلس التأسيسي للاتحاد الفيدرالي الديمقراطي “الذي أسسه حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي PYD وبعض مواليه، عن فيدرالية و” كونتونات”, بعد ذلك تذكروا طريقة حافظ الأسد في إخفاء الواقع وتغليفه بالشعارات فكانت ” قوات سورية الديمقراطية” غير الديمقراطية. قوات سورية الديمقراطية، المحسوبة على حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي لا تثق ولا تعترف حتى بالأكراد من الأحزاب الأخرى (وهم كثر) ولذلك استبعدتهم.

تسمى هذه الظاهرة في علم النفس بـ ” التصعيّد “. والمقصود أن الحزب أو النظام أو التنظيم يصعد بمشاكل الواقع وتعقيداته إلى عالم مثالي متخيل ومرغوب, يصنعه عبر شعارات جذابه تدغدغ  مشاعر الناس القومية والدينية, وهناك طبعاً يسهل خلط الأمور ببعضها, وتتشابك الأسباب بالنتائج, والمزيف بالحقيقي, ويمكن تمرير أي شعار حتى لو كان مجرد كذبة ساذجة من قبيل كذبة ” التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل ” أو كذبة ” باقية وتمدد “, أو كذبة ” قوات سورية الديمقراطية”.

كاتب وأكاديمي سوري 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »