الرئيسية / ثقافة / رواية “الصخب والعنف” للكاتب الأمريكي الجنوبي وليم فولكنر

رواية “الصخب والعنف” للكاتب الأمريكي الجنوبي وليم فولكنر

الرقة بوست – معبد الحسون

غداً، وغداً، وغداً،
وكلُّ غدٍ يزحف بهذه الخطى الحقيرة يوماً إثر يوم..
حتى المقطع الأخير من الزمن المكتوب،
وإذا كل أماسينا قد أنارت للحمقى المساكين
الطريقَ إلى الموت والتراب.. ألا انطفئي، يا شمعة وجيزة!
ما الحياةُ إلا ظلٌ يمشي.. ممثل مسكين يتبختر..

ويستشيطُ ساعته على المسرح،
ثم لا يسمعُه أحدٌ..

إنها حكايةٌ يحكيها معتوه، ملؤها الصخب والعنف..
وهي لا تعني أي شيء..

 

{وليم شكسبير ـ مسرحية “ماكبث”}

 

كانت حياة وليم فولكنر لغزاً غامضاً بقدر ما في أعماله الأدبية من ألغاز غامضة. تلك الأعمال التي أثارت موجة من الإعجاب والانتقاد معاً. ولعل مرجع ذلك كما يرى البعض، أن فولكنر أراد أن يواجه مشكلة الشر القبيح في العالم، وأن يتفحصها من كل جوانبها، ولذلك نجد كل الجرائم والرذائل مصورة في كتبه.
يعزز ذلك الرمز في الرواية التي منحته الشهرة، وهي رواية «الحرم – Sanctuary »، ففيها يغتصب رجلٌ من الشمال فتاة عذراء، من أهل الجنوب، ولكنه عنين «وهو هنا يرمز إلى الشلل في نفس الشمال «فيقضي وطره منها باستعمال عرنوس الذرة، ولكن الفتاة بعد ذلك تلتهب شبقاً» وهو رمز إلى انهيار القيم في الجنوب الأمريكي. فهو كرجل ينتمي إلى الجنوب المنهزم، وظف كل القدرات في التعبير عن الذات.
ولد فولكنر سنة 1897 بالقرب من بلدة أوكسفورد، في ولاية المسيسبي. وفي الوقت الذي أظهر فيه موهبة فنية بالرسم، وموهبة أدبية في الشعر، ترك الدراسة بعد أن سئمها ولم يحصل على تعليم عالٍ.
تسكع كثيراً هنا وهناك، وشُوهد حافياً، مفلساً، غير حليق الذقن، يجلس القرفصاء في الشوارع، يقرأ ويستمع إلى أحاديث الناس، وخاصة الزنوج؛ حيث تحدّث عنهم فيما بعد في معظم أعماله الأدبية، التي بلغت أكثر من ثلاثين كتاباً، متأثراً بنتائج الحرب الأهلية الأميركية التي أدت إلى انتصار الشماليين على الجنوبيين، وتحرير الزنوج الذين يعتمد اقتصاد الجنوب على سواعدهم، خاصة في زراعة القطن. واعتبرَ فولكنر ما حلّ بالجنوب، مصغراً لما حل بالعالم من فوضى خُلقية وانحلال اجتماعي.
كما تأثر بالحرب العالمية الأولى، التي اعتبرها مفتاحاً للحرب العالمية الثانية وإساءة كبرى للإنسانية.. حيث عمل خلال الحرب طياراً في سلاح الجو البريطاني بعد أن فشل في اجتياز الاختبارات اللازمة للالتحاق بسلاح الطيران في بلاده، نظراً لقصر قامته وضعف بنيته. وقد تحطمت طائرته مرتين لكنه نجا.
كان فولكنر دائماً ما يحس بأزمة ضمير، فعند حصوله على جائزة نوبل في الأدب سنة 1949، قال يوم تسلم الجائزة : في عقيدتي أن الإنسان لن يبقى لمجرد البقاء. بل إنه سيسود.. إنه خالد. لا لكونه وحيداً بين مخلوقات تتمتع بصوت مسموع، ولكن لأنه يملك روحاً قادرة على الحنان والتضحية والجَلَدْ. وواجب الشاعر والكاتب أن يكتب عن هذه الأمور.

انقسم حوله الأميركيون، وخاصة أبناء الجنوب، وشنوا عليه حرباً شعواء وهددوه لزعمهم واتهامهم إياه بمناصرته للزنوج، ووصلت الخلافات إلى التشابك بالأيدي حتى مع أخيه. كما أن الزنوج أنفسهم قادوا التظاهرات ضده، بسبب أحاديث لفقت ضده. فاعتزل الحياة في منزل ريفي متواضع في أكسفورد، بولاية المسيسبي، وهو الذي يردد بأنه مزارع بسيط، وليس بأديب، والواقع أن طريقة حياته تؤيد ادعاءه.
كما بنى عالما خيالياً مصوراً لولاية أسماها «يوكنابا توفا» وعاصمتها جيفرسون، ولم يدلِ بأحاديث للصحافيين إلا في النزر اليسير، وكان يمتنع عن الرد على أي هاتف استخدم في تهديده، ميالاً لإطلاق لحيته، كارهاً ارتداء ربطات العنق.. ودأب على عادة وضع اللافتات لتحذير الفضوليين من دخول مزرعته.
في سنة 1929 نجح فولكنر في نشر روايته «الصخب والعنف»، بعد أن رفضها الناشرون في البداية، والتي ترجمت إلى معظم لغات العالم الحية، علماً أنها كانت الكتاب الخامس لفولكنر، وقد استغرق ثلاث سنوات في كتابتها. وفي السنة نفسها تزوج من أرملة لها ولدان، وبقي يقطن البيت القديم نفسه، الذي نشأ فيه منذ طفولته. وشخصية فولكنر وحياته تؤكدان أنه لم يكن يهتم بالجاه أو المجد الأدبي، ويميل بقوة إلى حياة البساطة ومعاشرة الناس البسطاء.

رواية “الصخب والعنف”:

في الرواية، نتعرف على آل “كمبسن”، وهم أب مخمور معتزل الناس، يهوى مطالعة الكتب الكلاسيكية، لذا فهو فصيح الكلام، ناقم على تيار الحياة الجديدة، محاولاً النسيان. وأم أرستقراطية مريضة على الدوام، مصرة على الترفع، تاركة شؤون البيت للخدم الزنوج. أما الأولاد؛ فلكل واحد منهم حكاية قائمة بذاتها. ثلاثة إخوة من الذكور مع أختهم “كادي”، أو «كاندس».
الأخ الأول هو “كونتن”، طالب في جامعة هارفارد. ولأنه مفرط الحساسية، شديد التعلق بالشرف، شديد التعلق بأخته “كادي”، أنهى حياته منتحراً، عندما علم أن “كادي” أقامت علاقات حب مع رجل غريب وضاجعته. ولكي يتستر على ما في ذلك من عار على عائلة “كمبسن”، ادعى أمام أبيه أنه هو الذي ضاجع أخته لعله بذلك يحفظ الأسرة من التفكك، وأغرق نفسه في نهر تشارلز، وهو يستذكر ما حدث لأخته. إنه، حسب النظرية الفرويدية، النموذج الذي يُمَثّل “الأنا العليا”.
أما الأخت “كادي” التي تلد بنتاً سفاحاً، تسميها بعد انتحار خالها باسمه «كونتن»، حيث يكتشف زوجها بأنها حامل من رجل آخر فيطلقها. ثم تغادر البيت نهائياً، ومن ثمَّ، بعد ذلك، لتبيتَ في كل ليلة في حضن رجل غريب، حتى انتهى بها المطاف إلى أن تصبح عشيقة لجنرال ألماني في فرنسا، خلال احتلال ألمانيا لفرنسا في الحرب العالمية الثانية. وتبقى “كادي” بعيدة عن أهلها، غير أنها ترسل النقود شهرياً لابنتها كونتن، وعلى مدى سنين طويلة.
الأخ “جيسن” والذي يمثل الأنا الأدنى أو اللاشعور العميق، بحسب الفرويدية، فهو نقيض أخيه “كونتن”، يكره الجميع من حوله، وفي مقدمتهم أخته “كادي” وابنتها، والخادمة الزنجية “دلزي”، ويقابله الآخرون كرهاً بكره منذ صباه، لشراسته وغطرسته. فهو يمثل قوى التصدع داخل الأسرة العريقة، وبالتالي في الجنوب المهزوم كله، وكل شيء عنده يندرج تحت مفهوم الربح والخسارة.
فعندما يموت أبوه، تحضر مراسيم دفنه أخته “كادي” متنكرة، ولكنه يعرفها، ويشاهد كمية الزهور الكثيرة التي تحضرها، فيحدث نفسه قائلاً : (إنها تساوي خمسين دولاراً).. كما اعتاد أن يتحايل على أمه لكي يختلس أموالها، مستغلاً ثقتها به. ويرفض مقابلة أخته علناً، خوفاً على صورته الاجتماعية لأنها أصبحت سيئة السمعة، وعندما تتوسل كادي من أجل رؤية ابنتها، يساومها مقابل رؤيتها لدقيقة واحدة، ويطلب مئة دولار.
يستولي “جيسن” على الأموال التي تبعثها “كادي” لابنتها كل شهر، مدة سبع عشرة سنة، وهي ما يوازي عمر ابنتها، ويدخر المال المرسل إلى ابنة أخته مع نقوده، متهرباً من دفع الضرائب، حتى جمع مبلغاً منَّى نفسه به من خلاله، وراح يحلم بأن يبتزّ يهود نيويورك جميعاً، في مدى حصافته المالية. وكان دائماً ما ينعت أخته وابنتها بالعهر، لكنه رضي في الوقت نفسه، أن تكون عشيقته مومساً في “ممفيس”. إنه أناني، وسادي، وعنيف مع الجميع، خاصة مع أخيه المعتوه “بنجي”.
الأخ الصغير “بنجي” أو “بن”، فتى معتوه، يسمع ولا يتكلم، الشيء الذي يتمكن منه هو الصراخ والعويل، فهو يمثل «الهو» في سيكيولوجية فرويد، ومن أهم ما يميزه، أن حواسه كالشم والسمع واللمس قوية، شديد التعلق بأخته “كادي”، التي يتذكرها عندما يشتم رائحة ورق الشجر في المطر، لأنهما متشابهان في الرائحة، فهو مثال للبراءة والبدائية.. لا يفقه ما يدور حوله، لذا فهو موضع عطف ورعاية الخدم الزنوج، كما أنه يركن إلى الزنوج في ظل محيطه، وبعد موت الأب يقوم “جيسن” بإخصاء “بنجي”، انتقاماً لحادثة بعيدة، قام بها بنجي بالتحرش بفتاة لم تكلل بالنجاح، منفذا العملية التي رفضها أبوه في حياته، أما بعد موت الأم فيقوم بإيداعه مشفى المجانين.
ثم يأتي دور الابنة “كونتن”، فبعد أن تكبر وتدرك ما يدور حولها، تكيد لخالها الذي يستولي على نقودها التي تبعثها لها أمها بداية كل شهر، فتتحين الفرصة وتتسلق شجرة الإجاص، التي توصلها بغرفة خالها، فتأخذ كل النقود التي بلغت سبعة آلاف دولار، وهو مبلغ عوّل عليه “جيسن” كثيراً، ثم تهرب مع عشيق لها يعمل في السيرك.
غضب جيسن غضباً شديداً، وهو يرى دولاراته التي جمعها في مشقة مضنية تُسرق على حين غرة، وخرج لا يلوي على شيء في بحثه عن “كونتن”، والتي بدا وكأنه قاتلُها إن وجدها، فلما خاب ظنه عاد مغضباً، ليجد شقيقه المعوق “بنجي” مع “فروني” ابن “دلزي” الصغير، ابن خادمة العائلة، الزنجية العجوز، عائدين بالعربة من زيارة قبر أخيه المنتحر، حاملاً زهرة.. فيوقف العربة، ويصفع الصبي، ويلطم “بنجي” كاسراً ساق الزهرة، مفرغاً من شحنة الغضب الذي استحوذت عليه.
أخيراً.. يقوم “جيسن” ببيع الدار لرجل حوُلها إلى نزل، كما قام بتسريح الخدم، منتقماً بذلك من “دلزي”، صاحبة الشخصية القوية والشكيمة التي لا تلين، المستمدة من جذور آبائها وأجدادها القادمين من أعماق غابات أفريقيا، بعد أن رأت “دلزي” البداية والنهاية..

وليردد “جيسن” في النهاية: (حرر إبراهام لينكولن الزنوج من آل “كمبسن” سنة 1865… وحرر “جيسن” آل “كمبسن” من الزنوج سنة 1930…)

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »