الرئيسية / مقالات رأي / الغائبون قسراً: بعد داعش قبل رحيل قسد!

الغائبون قسراً: بعد داعش قبل رحيل قسد!

عبدالرحمن مطر

بين يدي ذكرى انطلاقة الثورة السورية العظيمة، لا أستطيع أن أتجاهل غصّة مريرة، تكبل أضلاعي، فلا دمعتي منسابةٌ ولا قلبي يهدأ. وعلى الرغم من معرفتي القليلة بالمغيبين قسراً، في سجون الطغاة: الأسديون والظلاميون الدواعش وكل التنظيمات المسلحة التي تحتجز مدنياً ثائراً من أجل الحرية، فإنني لا أجد قضية ملّحة أكثر أهمية من ضرورة الكتابة عنهم، وعن متابعة ملفات غيابهم والعمل على معرفة مصائرهم، والسعي بما يمكننا لتحريرهم، من قبضة الجلادين القتلة، ولا أستثني في ذلك أي نظام أو تنظيم، يحتجز شخصاً بسبب الرأي.

مضت قرابة خمس سنوات على اختطاف وتغييب العشرات من نشطاء الثورة السورية في الرقة، وجميعهم من المدنيين، الذين كانت جهودهم تتمحور في مواجهة الاستبداد الأسدي وطغمة نظامه الدموي الفاشي، وفي العمل من أجل إعادة بناء سوريا جديدة، مدنية وديمقراطية، تسودها العدالة. هذه الكلمات ليس مجرد شعارات ترفع بين الفينة والأخرى، في هذا المحفل أو ذاك، ليست تنظيراً كما قد يراه البعض، من ضعاف الإيمان بالحرية وبحتمية التغيير. بل إنها غايات دفع السوريون من أجلها تضحيات كبيرة، بكل ما في الكلمة من معانٍ. وبسببها تمت جرائم الاغتيال والاختطاف التي طالت قادة في العمل الثوري – المدني في الشمال السوري، بصورة أساسية، إضافة إلى عدد من مقاتلي الجيش الحر وقادته، في الرقة، حيث تم تحرير أول محافظة سورية من ربقة الاستبداد. وكان أولئك النشطاء معنيون بالعمل على إدارة المناطق المحررة، بأفضل أشكال العمل المحلي المدني، التي تقوم على مشاركة أوسع للناس في إدارة شؤونهم، وفي تقديم الخدمات العامة الضرورية للمواطنين، وفي إعادة بناء مجتمع الثورة، تأسيساً على مبادئ الديمقراطية واحترام الحقوق والحريات.

كانت تلك الجهود، قد انطلقت بالفعل، على الرغم من الخلافات التي اعترت العمل المحلي المدني، من حيث إشكالية التمثيل، بصورة اساسية، ومن ثم لاحقاً تدخل القوى المسلحة في إدارة المناطق وصولاً الى مصادرة كل شئ، بما في ذلك حرية الناس، وحقوقهم. وكأنما كُتب على الرقة أن تخرج من استبداد الأسد، الى استبداد القوى الظلامية التي طغت وتجبرت، وأحرقت كل شيء، في شراكة لا مثيل لها من تبادل الأدوار بين النظام الأسدي، وأحرار الشام، وجبهة النصرة، إلى داعش، ومن ثم قسد!

مع التحرير في مارس2013 وما تلاه، شهدت الرقة نمواً غير مسبوق في ظهور المؤسسات والهيئات المعنية بالعمل المدني، سياسياً وحقوقياً، تنموياً وثقافياً، وإنسانياً. كان ذلك مؤشراً مهماً عن درجة الوعي المجتمعي، بأهمية العمل الجماعي المشترك، عبر مؤسسات العمل المدني، من أجل المستقبل. وكان حلماً قد بدأت الخطوات إلية تتدافع قدماً، رغم الصعاب الجمّة. لكن ذلك الحلم اختطف، واقتطفت تويجاته التي بدأت باليناع: بدأت القوى والفصائل المسلحة في الرقة، باختطاف نشطاء العمل المدني ومحركيه، والمبرزين المؤسسين والمؤثرين فيه، بمن فيهم القادة من محامين وأطباء، وكتّاب ومثقفين وإعلاميين.

كل ذلك يصب في خدمة النظام الأسدي، الذي لم يستطع لجم انتفاضة الجماهير، وخنق ثورتهم، وفشل في تغييب نشطاء الحرية، على الرغم من ملاحقتهم الدائمة، ومحاولات الاعتقال أو التصفية التي واجهتهم.

يقدر نشطاء الرقة، المتابعون لقضايا الاختطاف، أن تعداد المغيبين لدى داعش، ومن قبلها جبهة النصرة، منذ تحرير الرقة في مارس 2013 حتى اليوم، يقارب ثلاثة آلاف شخص. بينهم كما أسلفت عشرات من النشطاء، أي ذكر للأسماء، لا يعني أبداً تجاهل أحدهم، على الإطلاق، جميعهم أيقونات الحرية، ودعاة الديمقراطية والمجتمع المدني العادل، ننتظرهم، وقلوبنا لن تتوقف عن ذكرهم والمطالبة بهم.

لم تتمكن الثورة السورية، من حماية نشطائها. ذلك أن قوى الاستبداد والقهر، كانت أقوى وأشد فتكاً مما يُخيّل للمتابع. لم تتعرض الثورة للسطو فحسب، وإنما أرادوا خنقها، باختطاف من باتوا يشكلون خطراً على المشاريع المناهضة لقيم الحرية والديمقراطية. لقد كانت مؤسسات الثورة /المعارضة السورية أضعف من أن تقوم بأية جهود من أجل المغيبين قسراً، في المراحل الأولى من بدء عمليات الاختطاف. ولفها الصمت عن تلك الجرائم. ولم تعر أي اهتمام لما يحدث في الجزيرة السورية من حراك وطني وثوري، في الرقة على وجه الخصوص: كان المجلس الوطني والائتلاف، والحكومة المؤقتة في وادٍ آخر، على الرغم من مخاطبتهم، ولفت انتباههم، بضرورة القيام بواجبهم تجاه الرقة، والمشكلات المتلاحقة.

نضيف إلى ذلك تبعثر جهود نشطاء الرقة، وتنامي اختلافاتهم، فلم يتم العمل على جهد مشترك: سياسي وقانوني، حتى اليوم من أجل أولئك المغيبين.

مع اندحار داعش، في اكتوبر 2017، ورثت قسد تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي، بما في ذلك المقرات والمعتقلات، وكانت تتفاوض معهم طوال الحملة الجوية للتحالف، ولم تكن قسد معنية بالحقيقة سوى بإجلاء الدواعش من الرقة، دون معارك تذكر، وبتدمير المدينة بشكل ممنهج، بما يخدم أهدافها بالسيطرة على المنطقة الفراتية. ولم تقدم اليوم أية إجابات حول المغيبين في معتقلات داعش.

يجب أن تتكشف الحقائق، قبل أن تغيب شمس قسد، وهي في طريقها إلى الزوال، فتضيع خيوط الأمل، وتسدل الستائر على مسؤولية الولايات المتحدة، وبالطبع أداتهم قسد في معرفة مصير المغيبين.

مع مرور الوقت، وتعاظم الألم، ما يزال لدينا أمل بأن يرى نشطاء الحرية النور، بعد هذه الظلمة المديدة. سوف نبقى ننتظرهم، وكي يتحقق الأمل: علينا أن نعمل من أجل ذلك، فهل من مُجيب؟!.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »