الرئيسية / مقالات رأي / رواية الجولان المسكوت عنها تاريخياً

رواية الجولان المسكوت عنها تاريخياً

يوسف دعيس

تحتفظ الذاكرة الشعبية السورية بقصص مؤلمة تتعلق بمصير سوريا المعاصر، دون أن يكون لها أي سند تاريخي في أدبيات وسرديات السلطة السورية المعاصرة، التي كتبت التاريخ على مزاجها باعتبارها ممسكة بزمام الأمور منذ قيام ما أصطلح على تسميته زوراً ثورة آذار في العام 1963 فسكت الشعب السوري برمته عن أحداث حرب حزيران سنة 1967 ونتائجها التي أسفرت عن احتلال الكيان الصهيوني للجولان السوري، وتقدر مساحته بنحو 1250 كم2 استردت سوريا منه عقب حرب تشرين نحو 100 كم2.

ظلّت الذاكرة الشعبية تحتفظ برواية وحيدة غير معلنة عن الجولان تفيد بأن حافظ الأسد، وكان يومها وزيراً للدفاع، سلّم الجولان بقضه وقضيضه، وأعلن عن سقوط مدينة القنيطرة قبل أن تسقط، وفيما بعد ترددت أقوال عن بيع الجولان مقبوض الثمن، ومشروطاً ببقاء الأسد وعائلته بالسلطة إلى أن يرث الله الأرض، وبقيت رواية بيع الجولان الشعبية من المسكوت عنه في ظل حكم آل الأسد الاستبدادي، حيث تم تشديد الخناق على الشعب السوري بسلسلة لا تنتهي من القوانين الجائرة، وفي ظل حكم عسكري أمني تسلط على رقاب العباد، مستخدماً سلطته المطلقة في كم الأفواه، مستعيناً بالقوانين الجائرة التي اجترحها النظام البعثي بما يلائم الحفاظ على مكتسباته وتقويض الحياة السياسية، وتمكين سلطته المطلقة على عموم سوريا، بدءاً بمحاكم الميدان العسكرية وإنشاء محكمة أمن الدولة العليا، ثم لاحقاً وفي فترة حكم الأسد الابن تم إنشاء محاكم الإرهاب في عام 2012 التي ورثت اختصاصات محكمة أمن الدولة العليا كاملة.

ما يعنينا في هذا السياق القضايا المسكوت عنها، وتأتي في مقدمتها قضية الجولان السوري المحتل، وما أثاره إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخراً بسيادة إسرائيل على كامل الجولان السوري المحتل، وفي ظل صمت النظام السوري، الذي اكتفى ببيان إدانة أمام مجلس الأمن، وتسيير بضع مسيرات عززها بالأغاني والدبكات والرقصات، وتصريحات هنا وهناك لبعض أبواقه الإعلامية والسياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

ربما كان من أهم نتائج اندلاع الثورة السورية في منتصف آذار من العام 2011، كسر حاجز الخوف والرعب الذي كان يعيشه السوريون في ظل حكم آل الأسد الذي تجاوز الخمسين سنة، والمسكوت عنه في الذاكرة الشعبية برز على السطح، وصار الحديث علناً عن الجولان المحتل والصراع العربي الإسرائيلي، وصار الحديث علناً عن ثروات البلد المسروقة، وفي مقدمتها النفط السوري، الذي كان يكتفي النظام بترديد مقولته الشهيرة إن النفط السوري في أيدٍ أمينة، بينما كانت تذهب عائدات النفط والغاز إلى حسابات عصابات الأسد في البنوك الأوربية دون حسيب أو رقيب، ولكي تزيد ثراء الأسد وآله ثراءً متجدداً على حساب ازدياد معدلات الفقر في سوريا التي وصلت في سنوات ما قبل الثورة إلى نحو 11% من السوريين تحت خط الفقر المدقع، وأكثر من 38% تحت خط الفقر، فيما ينعم ثلّة من آل الأسد وآل مخلوف وآل شاليش ومن التف حولهم بثروات سوريا، ووحدها عائدات النفط والغاز تقدر بمبالغ هائلة تتجاوز سبعة عشر مليار دولار سنوياً.

في مقابل رواية بيع الجولان، تبرز كنقيض إيجابي رواية تحرير تل العزيزيات في العام 1948 إثر الحرب بين الكيان الإسرائيلي والعرب، حيث احتفظت الذاكرة الشعبية برواية الشهيد جواد آنزور قائد الكتيبة الشركسية السورية، الذي كلف نفسه وكتيبته بتحرير تل العزيزيات من أيدي الصهاينة، وهو يشكل موقعاً هاماً من مواقع الجبهة في مرتفعات الجولان السورية، وكان مجلس الأمن قد أصدر قراراً يقضي بانتهاء الحرب وعقد هدنة دائمة بين المتحاربين، وبما أن تل العزيزيات من المواقع الهامة، وطّن الشهيد آنزور العزم على تحريره قبل سريان مفعول الهدنة بليلة واحدة، وبالفعل تقدم وكتيبته إلى أعالي التل في معركة بطولية كان من نتائجها تحرير التل واستشهاد جواد آنزور على سفحه في موقف مشرّف استطاع الأديب الكبير عبد السلام العجيلي تدوينه في قصة السيف والتابوت التي أبرزت شجاعة آنزور وكتيبته في تحرير تل العزيزيات. وهذه عين المفارقة بين من يبيع الجولان برمته، وبين من دفع الغالي والنفيس لاسترداد تل صغير لكنه كبير بأهميته الاستراتيجية والعسكرية، إضافة إلى كونه بقعة من تراب الوطن، وشتان ما بين البائع لأجل أن يحافظ على كرسي الرئاسة، وبين آنزور الباحث عن المجد والخلود.

اكتفت المنظومة الأسدية بإطلاق الشعارات الرنانة، وعلى رأسها شعار تحرير فلسطين، وشعار سأجعل من الجولان وسط سوريا، ومحور الصمود والتصدي، ثم أعقبه محور المقاومة والممانعة على حساب استنزاف السوريين وثرواتهم، دون أن يطلق جيش النظام السوري طلقة واحدة لتحرير أراضيه المغتصبة، في حالة لم يشهد التاريخ مثلها في تكريس سلطة الاستبداد وتقويض المجتمع وتفقيره وتجهيله، بل كان أكثر إجراماً تجاه السوريين، إذ استخدم جيشه في تدمير المدن السورية على رؤوس سكانها، إضافة إلى تهجير السكان واعتقال الأبرياء.

بقي أن نشير إلى قضية هامة، كان يستعين بها النظام لتكريس سلطته المطلقة، تجلّت في إطلاق أبواقه ومنظريه في الدفاع عنه كسلطة وحيدة وأبدية، وإنها كما تدعي، تحارب الفساد تحت راية التطوير والتحديث المزعومة، في صورة العاهرة التي تسم نفسها بالشرف فيما تمنح جسدها علناً للقاصي والداني، ورغم كل محاولات النظام البائسة في إرغام الناس على الصمت وتجاهل حقوقهم، بقيت الذاكرة تحتفظ بقصص الخيانة التي بدأت ببيع الأرض والتنازل عن الحقوق، وفي أول انتفاضة للحرية استيقظ النائم في صدور الناس إثر كسر حاجز الخوف الذي عشش في صدورهم لأكثر من نصف قرن من زمن ضاع منهم هباءً دون وجه حق، وانطلقت الحناجر تردد بحرية: “حافظ أسد باع الجولان”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »