الرئيسية / مقالات رأي / خلال أقل من أسبوع!

خلال أقل من أسبوع!

الرقة بوست – معبد الحسون

ما بين فجر يوم 13 نيسان الجاري، و15 منه، تعاقبت أربعة أحداث، لم يكد المراقبون للحدث السوري أن ينتبهوا من ذهولهم الابتدائي الأول، حتى تتالت الأخريات متتاليات مثل كرة واحدة لحبات المسبحة، لا يكاد يفصل بين حدث وآخر، سوى ساعات قليلة:

الأول: هو حادث قصف الطيران والبحرية الإسرائيلية لمواقع إيرانية قرب مصياف، صرحت على إثره إسرائيل، بأنها استهدفت عدة مواقع، من بينها موقعاً لمصنع صواريخ إيرانية، تم تدميره بالكامل، وقد خلّف، حسب الرواية الإسرائيلية، أعداداً من القتلى على أثر القصف، ماتزال حقيقته وتفاصيله مجهولة حتى الساعة.

والثاني: هو تصريح “ماريا زاخاروفا”، الناطقة باسم الخارجية الروسية، بأن ملف تغيير الأسد ونظامه قد “أقفل منذ وقت بعيد”، وأن هذا الملف اليوم، لم يعد مطروحاً فتحه أو مناقشته من جديد.

والثالث: هو استعادة، (أو إعادة)، جثمان الجاسوس الإسرائيلي الأشهر، “إيلياهو كوهين” الذي أعدم شنقاً في ساحة المرجة بدمشق، عام 1965، أي قبل هزيمة الخامس من حزيران تقريباً، بحوالي العام. والذي امتنع الأسد الأب ـ كما زُعم ـ عن ترحيل جثمانه إلى إسرائيل طيلة فترة حكمه، رغم ما قيل عن مطالب ملحة، وطلب إسرائيلي، مشفوعاً بتوسيطها كثيراً من المبعوثين الدوليين لهذا الغرض.

أما الحدث الرابع، فهو الاحتفال بنصب تمثال رأسي، قبيح المنظر والصنعة الفنية لباسل الأسد، في إحدى مدارس دير الزور، وذلك بعد أن توقف النظام عن إشادة تماثيل باسل منذ وقت طويل، ربما يعود لفترة تسبق الثورة السورية. فلماذا باسل الأسد هذه المرة؟ وبالذات؟ وفي هذا الوضع والوقت الاستثنائي؟

تبدو الحوادث الأربعة مستقلة عن بعضها، وغير مؤولة بأي رابط رمزي يمكنه أن يجمع بينها، لا من حيث السبب ولا النتائج. غير أن كثافة الرمزية الشديدة، المشبعة في سائر الحوادث الأربعة، تجعل المرء يتوقف عندها ملياً، والدهشة لا تفارقه.. فهي جميعاً غير معقلنة ولا مفهومة الدوافع، وهي جميعاً قد حصلت في وقت واحد أو متقارب جداً، وهي جميعاً تكاد تفسر محنة النظام وتفكك رمزيته الاعتبارية، مثلما تُعبّر عن اغترابه العقلي وتشظي توازنه العام، ولا يمكن القطع بأي منطق، أن وراء هذه المسالك الغرائبية عقلاً سياسياً متابعاً لما يجري على الأرض، أو مكترثاً أصلاً بشيء مما يجري.

أكثر من ذلك، فإن الحوادث الأربعة يجمع بينها جامع لا تكاد تخطئه البصيرة، وهو أن الأصابع الروسية واضحة البصمة فيها جميعاً، فكل قصف لمواقع إيرانية حصلت في السابق، أو تحصل اليوم، أو ربما قد تحصل مستقبلاً، إنما جرت بمشورة وتدبير وعلم مسبق، بين الإسرائيليين والروس. أما تصريح الناطقة زاخاروفا “المضحك”، فلا يمكن تصريفه أو تأويله وفهمه إلا بمحمول إحدى دلالتين اثنتين:

ـ أن يكون التصريح قد جاء كحاجة إسكاتية للنظام، (مثل إسكات رضيع يبكي بواسطة اللهاية)، وذلك مقابل الإعلان عن سلوك روسي فردي، بإعادة رميم جثمان الجاسوس الذي دفن قبل خمس وخمسين عاماً في سوريا، فلم يراجع الروس فيه “النظام الشرعي”، ولم يحفلوا به أو يراجعوه فيه قطعاً، لا من قريب ولا من بعيد. بل ولا حتى اضطروا إلى أخذ رأيه، أو مشورته المسبقة. وكذلك بدا في الاعتبار هذا التصريح الفج والسخيف اشبه ببلطجة معلنة، تماماً كالفتوّة أو البلطجي الذي يسرق غرضاً من بين يديك عنوة، وأنت تنظر إليه. ثم يتطلع فيك مُبحلقاً بصفاقة واستهتار، قائلاً وهو يضحك منك ملء شدقيه: ” أنت إنسان جيد. سأتذكرك في المستقبل.. وسأدعمك، وسأوصي رجالي بأن يستوصوا بك خيراً”.. ثم يمضي وسط ذهولك، وذهول جميع المحيطين بالمشهد، وأنت لا تجرؤ حتى على الاعتراض، أو فتح فمك بكلمة.

بقي أن أتوقف عند ملاحظة أخيرة، تتعلق بالتمثال الرأسي القبيح الذي رفعه النظام في إحدى مدارس دير الزور. وهو ربما كان الشيء الوحيد الذي بادر به النظام، وليس للروس فيه رأي شديد أو اجتهاد، أو حتى أدنى درجة من الاكتراث.. فعدا عن أن التمثال أوحى لكل من شاهد منظره، وكأنه تدبير اعتباطي، سريع ومرتجل، يشبه ما ندعوه بالعامية السورية “شل وبل”، حتى لكأن نسخة التمثال لا تكاد تشبه صورة باسل الأسد، حتى في الملامح الأساسية التي لا يمكن لأي نحات محترف ـ مهما كان هاوياً، أو غير ذي صنعة وخبرة ـ أن يغفل عنها..

وعدا عن كون التمثال يكاد يشبه شيخاً عجوزاً في الثمانينات من عمره، أو ساحراً أو متشرداً من رجالات العصور الوسطى، فإن رسالته الضمنية جاءت محمولة على ضغث من الغباء والبله غير المألوف في كل ما سبق، وهو ما يريد النظام أن يقصده من تعبيره، لما تبقى له من جمهور مرتجف ومذعور منه ومن جنونه في الداخل السوري.

النظام أشبه بالمشلول الذي يحاول أن يقرص نفسه ليتأكد من موات نهاياته الحسية مواتاً لا رجعة وراءه، وهو يريد أن يقول بلغة فريدة في العنجهية والغرائبية الرمزية: “نحن مازلنا هنا.. أنا ما أزال هنا.. كل ما رأيتموه وما سمعتموه، وما توهمتم أنه انقرض ومات، وكل ما فات أوانه في دولة الأسد، مايزال يبعث ويتجدد. بل لتعتبروا أنفسكم منذ الآن، وكأنكم في منتصف التسعينات. وانسوا كل ما جرى ويجري ابتداءاً من اللحظة.. بدلالة تصريحات “زاخاروفا” التي قبضتْ ثمن تصريحها رشوة مادية في مقابل ما أدلت به، أو أنها ـ بالعكس ـ هي من دفعت تلك الرشوة للأسد، مقابل أن يلتزم بالخرس المطبق إزاء قصة استعادة جثمان كوهين. لكنها، بحق، رشوة بخسة وخسيسة، ومثيرة للسخرية والفضيحة، على كل الأصعدة، وبأي معنى سياسي أو دبلوماسي يمكن أن تتورط به خارجية دولة، ماتزال معدودة حتى الساعة، في عداد الدول الكبرى.

*كاتب وروائي سوري، رئيس القسم الثقافي في موقع الرقة بوست

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
Translate »