الرئيسية / مقالات رأي / المدينة العربية ومفهوم البداوة الإجتماعي

المدينة العربية ومفهوم البداوة الإجتماعي

قاسم الهندي 

عندما يتم الكلام مثلاً عن ترييف سورية، فهذا يفترض أنه كان هناك شكل مديني/حضري، كان سائداً في سورية تاريخياً. وما وصول آل الأسد للحكم، إلا لعكس عجلة التاريخ و ارتدادها للوراء.

عملية وضع الريف في هذه المقابلة مع المدينة، تجعل من الريف عائقاً للتقدم و المدينة محركاً له! فما هي مواصفات المدينة العربية التي يتم ندب الواقع الاجتماعي/السياسي، الذي أل اليه واقع الدول العربية ،وما هو شكل المدينة العربية الحضرية التي افتقدتها سورية وفقدت معها دورها الريادي؟ بالمقابل، فلا بد أن نبحث عن هذا الفردوس المديني المفقود الذي نصبو إليه!

في حديثنا /بحثنا عن هذا الفردوس المديني المفقود، لا بد من العودة للتقسيم الكلاسيكي للمجتمع السوري، من حيث الخطاب التداولي اجتماعياً، أكثر من كونه توصيف مكاني.

التقسيم الكلاسيكي للمجتمع السوري هو ضمن ثلاث تصنيفات (بدوي ريفي حضري)، هذه التصنيفات من حيث أنها تحديد لهوية الفرد، مرتبطة ببعده المكاني، من حيث تكوين أسلوب للحياة، يعطيه إحدى هذه الصفات في شكله الهوياتي، المغاير للآخر لدى المقارنة به.

بغياب هذا البعد المكاني، يصبح التعريف الهوياتي السابق، ذا شكل تمييزي يصل حد العنصرية والإقصاء، في غياب ملامح الهوية المحدِّدة للشكل الاجتماعي، (بدوي ريفي حضري )، المصنف ضمنه السوريين .

فإطلاق مصطلح بدوي في الوقت الحالي  مثلا ،يفقد قيمته (كتعريف)، بفقدان البعد المكاني المميز لحركة البدوي، في التنقل بين مراعي الشتاء ومواقع الماء في الصيف، كذا الأمر بالنسبة لمصطلح ريفي من حيث تشابه المكان مع المدينة، وعدم تمايزهما إلا بشكل نسبي من حيث البنى الاقتصادية، واشتراكهما بنفس البنى المعمارية والاجتماعية وحتى الثقافية، من ناحية امتلاك المعرفة من عدمها .

عملياً لم يعد في سورية تمييز بين هذه المكونات الثلاث، استناداً إلى المكان ونمط الحياة (لتشابهه)، بل صار التمييز تمييزاً انثروبولوجياً (عادات ،قيم، تقاليد)، رغم أن هذا التمايز يأخذ صفة الاختلاف اثناء التوظيف باتجاه الآخر ،وليس اثناء الممارسة الإجتماعية، ضمن النمط الاجتماعي الواحد، المتطابق تقريباً بين الأنماط الثلاثة.

فالمدن المشرقية و خاصة في سورية ،تعيد انتاج نفس النمط البدوي بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

خاصية المكان (الصحراء)، التي تعطي للبدوي إمكانية التعريف، والتي لم بالكاد تكون موجودة، لكنها لم تختفِ كلياً. بل انتقلت للمدينة المشرقية كممارسة، وخاصة في المجال الاقتصادي، في اعتماد كليهما على التجارة .

نستطيع أن نسمي المدن العربية مدن تجارية. هذه التسمية/التعريف، أساسها جغرافي، وليس نتيجة لظروف زمانية/تاريخية، كالتطور من حالة الالتقاط والصيد إلى حالة القرية الزراعية .

فأكثر المدن العربية نشأت على خطوط التجارة والقوافل العالمية. فمن صنعاء جنوباً، امتداداً إلى مدن الحجاز (مكة)، وأكثر المدن المشاطئة للبحر الأحمر (جدة)، وصولاً إلى مدن شرق المتوسط، ومدن داخله (دمشق )، وإكمالاً للشمال نحو حلب و حران، نزولاً إلى أواسط العراق، كلها مدن تقع على خطوط تجارة. هذا التشكل الجغرافي، أنتج على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، جسماً منقسماً، كالجسم الاجتماعي داخل المجتمع البدوي، من حيث عدم استقراره اقتصادياً، بناءً على الترحال بحثاً عن الكلأ والموارد، انتقل إلى المدينة المشرقية من خلال علاقاتها الاقتصادية مع أريافها، ومحيطها الأبعد الشامل لمدن أخرى في الأطراف، فأصبحت المدينة المشرقية جسم طفيلي غير منتج، يستهلك قوى البلد كافة في الأطراف .

ففي الأزمات يظهر بشكل جلي، علاقة المديني(التجاري)، المشرقي مع محيطه، وبأنه لا يتجاوز فكرة الصحراء التي يستطيع تركها متى شاء، محافظاً على أمواله من إمكانية نهبها، تجده و كأنه مستعد للرحيل دائماً، جامعاً ما تيسر له من نقود وغير مستثمر لها، خوفاً من ضياعها. فضمن هكذا عقلية، نلاحظ أن المديني المشرقي، يبتعد عن الصناعة من حيث أنها استقرار، ومن حيث أن أمواله ليست ذات سيولة، يستطيع اخذها معه متى شاء.

أما اجتماعياً، فمصطلح “جيرة” هو مصطلح مديني بحت، يفرضه انتفاء علاقات القرابة والدم ، وتظهره للحيز العام علاقات المدينة القائمة على التجاور والتعامل، دون العودة لرابطة الدم، كما في الريف. فعمرانياً نلاحظ أن “ابن المدينة العربية”، يحاول قدر الإمكان، أن يكون مكان سكنه معزولاً عن امكانية الاحتكاك مع الآخر(الجار)، في محاولة لتحويل المحيط لصحراء خالية من السكان (الجوار)، ويدعمها انثروبولوجياً الكثير من الأمثلة، من مثل (يا جاري انت بحالك وانا بحالي).

ولعل أهم أسباب إعادة إنتاج هذا الشكل البدوي، في نمط الإنتاج هذا، هو خاصية الجغرافية، والتي من أهم اجوائها العامة، أنها تترك تلك المدن عرضة لنهب الاستعمار داخلي(سلطة)، وخارجي(من دول اخرى).  فيبقى ذلك المديني يشعر بعدم الاطمئنان ، وأنه قد يرحل في أي وقت . متمثلاً عكس حركة البدوي في الصحراء (الذي لا يتقن سوى التجارة)، داخل المدن بحركة عكسية  تمارسها المدينة تجاه الآخر، فتصبح المدينة هي الصحراء، وساكنها ذاك البدوي، الذي يعتاش على ما تنتجه الأطراف. حتى أنها صممت معمارياً لتكون سوقاً للأطراف والأرياف، في استقبال انتاجهم ضمن شروط تكرس سيادة المدن دون منازع.

العلاقات الاجتماعية  ضمن الصحراء، يكون إطارها خارجياً ، ويربط عناصر القبيلة كوحدة متكاملة باتجاه الخارج (الغزو)، أكثر مما يربطهم داخلياً كأفراد فيما بينهم ،فالعلاقات الداخلية بين الأفراد ضمن بيئة الصحراء، لا تتجاوز إطار العائلة، في محاولة الحفاظ على ذاتها بالانطواء، وليس بالتفاعل فيما بينهم على غرار الريف، الذي يستوجب بطبيعته هذه التفاعلية التي تفرضها البيئة الريفية من العمل بالحقل، الذي لا يمكن إنجازه بشكل مفرد، إلى الأعمال المنزلية المتعددة. فعلى مستوى السياسة، من حيث تشكل الكيان السوري بشكله الحالي، لم يكن نتيجة لعقد اجتماعي بين أفراده، بقدر ما كان أقرب لتكاتف بدوي، لصد غزو خارجي (فرنسة)، مع أنها هي التي أعطت هذا الكيان شكله الحالي، فلا جامع بين الأطرش والخراط، ولا رمضان شلاش، سوى صد هذا الغزو .

و يتضح ذلك بصورة جلية بثورة السوريين ضد الغزو الداخلي، المتمثل بسلطة آل الأسد، من حيث تعريتها للعلاقات الداخلية بين مكونات السوريين (قومية، دينية)، طبعاً دون إغفال ممارسة آل الأسد بتوسيع الهوة بين مكونات المجتمع السوري.

دينياً بغياب إطار اجتماعي يربط الأفراد فيما بينهم، يبرز دور الدين كعامل خارجي، يضبط إيقاع المجتمع بديلاً للعلاقات البينية، بين الأفراد فيما بينهم، فتُلغى الحياة الاجتماعية، مقابل تكريس هذا الإطار الديني الحافظ لعلاقات الافراد فيما بينهم، وهذا ما نلاحظه من غياب عامل الدين، في المدن التي لا تزال ذات طابع ريفي، بينما نلاحظ كلما ابتعدت المدن ذات الطابع الريفي باتجاه الشكل المديني(التجاري) العربي، و تحطم بناها الاجتماعية، نجد أن الدين يزدهر بها ليحل أخيراً مكان تلك البنى الاجتماعية، ويحتل مصطلح حلال و حرام “المديني” التجاري، بديلاً لمفهوم الخطأ والصح “الريفيين”، والمرتبطين بالبنى الاجتماعية للمجتمع في علاقات الأفراد مع بعض، من حيث أن للمجتمع الريفي تأثيراً على الأفراد بسبب تلاحم أفراده، ليحل محلهما الحلال و الحرام، المتعاليان والحاكمان للمجتمع من الخارج بتعالٍ، وغير معبرين عن علاقات الأفراد فيما بينهم، بل مُقيِّدة و لاغية لهم.

عملياً المدينة العربية ثبتت الصحراء بداخلها، في ممارساتها على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والديني، وحتى على المستوى السياسي، من حيث إنتاج نفس أساليب القهر والتسلط في ممارسة السلطة على الغير. فالعلاقات البينية بين أفراد المدينة، كعلاقات ساكني الخيم فيما بينهم ، من حيث خلق فراغ (صحراوي) بين الخيمة (الفرد ،المنزل )، والثانية، وذلك ليس من باب الخصوصية بقدر ما هو خوف وتحسب من الآخر، وكذا الأمر مع الأطرف (أرياف ،مدن صغيرة أو ناشئة حديثاً) .

ما تقدم أعلاه، لا يستشف منه مفاضلة بين الريف والمدينة، في مقابلة صورية تفترض أن الريف أفضل. بل محاولة في الوصول إلى شكل حضاري للمدينة العربية ،تكون كما يفترض بها مركزاً ثقافياً وحضارياً مؤثراً على الأطراف ،في عملية ارتقاء هذه الأطراف. و ليس كما يجري حالياً في عملية التمايز التي تفترض أن حيزاً مكانياً، حضارياً، ومتقدماً على الآخر.

رغم أن أكثر طروحات السوريين حول الريف والمدينة، استندت إلى الحيز المكاني، إلا أنها كانت تنطلق من بعد ثقافي، يشرح الفروقات بين المدينة والريف، ليصل إما إلى تميز المدينة، وتخلف الريف، وبأن إشكالية المدينة العربية هي إشكالية ثقافية، سببها  نزوح أهل الريف إلى المدن، أو انها تصل لنتيحة معكوسة من حيث أن الريف أكثر تميزاً وأصالة من المدينة، و كلا الموقفين ينطلقان من أدلوجة مسبقة في طريقة الطرح.

دراسة الحيز المكاني للسكان (سكن ،عمل،علاقات) دون تصورات مسبقة “ثقافية” عنه، يساعدنا في إمكانية الوصول إلى أكبر قدر ممكن من فهم طريقة حياة هذا الحيز، وإمكانية تفسيرها لاحقاً. فمفهوم (ترييف المدينة) يصبح ضمن دراسة الحيز المكاني، بحاجة لدقة أكثر في التعامل معه، من حيث أن الجسم المديني العربي نفسه مهلل وبحاجة إلى الترميم ، قبل القول بالكمال المديني الذي تتضمنه مقولة (الترييف) في افتراضية نقصانه أو كونه متخلفاً. عملية الترميم المديني تكون بإيجاد بديل للعلاقات الاجتماعية الخارجية الحاكمة لأفراده (دين،علاقات تجارية بحتة)، بعد افتقادها، كما العلاقات التفاعلية بين الافراد في حالة المجتمع الريفي، الما قبل دولتي(نسبة لمفهوم الدولة)، والتي لا يحتاجها مجتمع الريف لتنظيم حياته .

حالة التعقيد و التضخم بكل أشكاله في المدينة (سكن ،علاقات،أعمال)، تحطم لوحدها عملية التنظيم الاجتماعي للحيز المدعو مدينة، مما يفترض إيجاد بديل ناظم لحياة المجتمع، يأخذ شكلاً برانياً، لكن فاعليته تكون داخلية، في انتظام حياة الناس .هذا البديل، أو لنسمه الترميم المديني، يكون شكله قانونياً/سياسياً، بايجاد عقد اجتماعي بين السكان، يعبر عنهم، ويكون هو الجاسر للهوة الافتراضية بين خيام المجتمع”المديني”، مزيلاً حالة التصحر عنه .

فالمدينة العربية على المستوى السياسي، لم تتجاوز أسلوب المشيخة في إدارة شؤون المدينة، وطريقة تعاملها مع الأطراف المحيطة بها والقرى المجاورة لها. فقبل التحسر على حالة الترييف والتي بها شيء من الصحة النسبية، المفترض معرفة ما هو شكل المدينة الذي أضعناه في حالة الترييف السورية .

المطلوب هو نقلة نوعية لكامل المجتمع، بريفه و مدينته ،نحو حالة حضارية لدى الطرفين، لا يكون فيها حيز مكاني متقدم على آخر (حضارياً).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى