الرئيسية / مقالات رأي / القصة السورية: وقائع أساسية

القصة السورية: وقائع أساسية

ياسين الحاج صالح 

ليس المصدر وحيد لسوء فهم منتشر في الغرب لسورية نقص المعلومات عن البلد الشرق أوسطي، بل فرار الإنسان المعاصر المضطر لمتابعة قضية ما، ولا تتيح له همومه متابعة مفصلة، من التعقيد وميله إلى التبسيط. ثم انجذاب وسائل الإعلام إلى تسليط الضوء على المثير والغريب والمختلف، وليس على المهم فعلاً والمعطيات التاريخية الأطول أمداً.
مع ذلك من شأن توفير معلومات أساسية، وضمن إطار تحليلي مرن يستوعب التجربة التاريخية السورية في عقود الحكم البعثي والأسدي الطويلة، أن يبسِّط لقراء حسني النية قصة بلد هو اليوم عالم مصغر.
1. منذ الساعة الأولى لاستيلاء حزب البعث على الحكم بانقلاب عسكري صباح 8 آذار 1963 عاشت سورية تحت حالة استثناء، عُلقت فيها القوانين وأغلقت الصحف وحظرت الأحزاب السياسية، ومنع الناس من التجمع في الفضاءات العامة. كان في سورية عشرات الصحف والمجلات وقتها، اختزلت إلى اثنتين، وبعد عشر سنوات صارت الصحف الرسمية ثلاثة.
2. جرى تسييس الجيش وسُرِّح عدد كبير من الضباط غير الموالين، وكان ذلك مما سهل هزيمة حزيران 1967 المذلة أمام إسرائيل، وقد شغلت في وعي السوريين وكثير من العرب موقع إهانة عميقة، أثرت بصور مختلفة على الوعي الذاتي والشعور بالاحترام، وعلى الثقافة والفن، وأخذت تطوي صفحة القومية العربية، التقدمية والعلمانية والاشتراكية.
3. بعد ثلاث سنوات استولى حافظ الأسد، وزير الدفاع في حزيران 1967 الذي لم يستقل ولم يحاسب، على السلطة بانقلاب عسكري. الرجل عمل منذ البداية على تحصين نظامه بحيث يستحيل الانقلاب عليه، فولى أقاربه وموثوقيه، ومعظمهم ينحدر من الجماعة العلوية التي تشكل نحو 12% من السكان، قيادة الأجهزة الأمنية والتشكيلات العسكرية ذات الوظيفة الأمنية، وهو ما صار مضخة للطائفية وتدهور الثقة بين السوريين الذي كان لا يزال مهيمناً في أذهان أكثريتهم في ذلك الوقت التفكير الوطني العلماني.
4. بسرعة اتجه النظام السياسي نحو الانغلاق، وفقد المجتمع طرائق شرعية للتعبير والاحتجاج المستقل، وقامت الحياة العامة على الخوف والعداوة الكامنة. ولم تعد أمام السوريين أي آليات للتغيير أو التأثير على نظامهم السياسي.
5. في النصف الثاني من السبعينات، وبخاصة بعد التدخل السوري في لبنان ضد منظمة التحرير الفلسطينية والمنظمات التقدمية اللبنانية عام 1976، أخذ التذمر الاجتماعي والسياسي يتصاعد في البلد وأخذ شكلين: شكلاً يسارياً وديمقراطياً يعترض على تصاعد الطغيان الأمني وعبادة الشخصية، وشكلاً إسلامياً جنح نحو العنف. في عام 1979 أخذ التوتر شكل أزمة مفتوحة، حيث ارتكب إسلاميون متطرفون مجزرة في حلب كان ضحيتها عشرات العسكريين العلويين، في الوقت نفسه تصاعدت الاحتجاجات والمطالبات الديمقراطية بالحريات العامة ودولة القانون، شاركت فيها أحزاب سياسية ونقابات مهنية (محامون، أطباء، صايدلة، مهندسون…) وطلاب جامعات. سحق النظام الاعتراض عليه بعنف، واعتقل الألوف من إسلاميين ويساريين ونقابيين وعموم المواطنين، وكنت منهم، وكان عمري بالكاد عشرين عاماً. وفي موجة ارتدادية للانفجار الاجتماعي العنيف ارتكب النظام مجزرة كبيرة في حماة يقدر عدد من وقعوا فيها بين عشرين وثلاثين ألفا من السكان، مع تدمير واسع النطاق للمدينة التي عزلت عن العالم وقت المذبحة.
6. تشغل مذبحة حماه موقعاً في الوعي السوري العام يذكر بحزيران 1967: رضة جماعية قوية وإذلال جمعي واسع وعيش في قبضة الخوف. لقد جرى الاستيلاء على المجتمع في عقد الثمانينات بعد أن كان جرى الاستيلاء على السلطة في عام 1970.
7. كان حافظ الأسد يفوز في استفتاءات مهرجانية تجري كل سبع سنوات بما يزيد على 99% من أصوات السوريين ضد لا أحد. ومنذ أواسط الثمانينات صار يجري الكلام على “الأبد”، وعلى أن حافظ هو “الأب القائد”، و”سيد الوطن”، وعلى تجديد “البيعة” له من قبل الشعب (البيعة مصطلح إسلامي قديم، يشير إلى إعلان ولاء أعيان المسلمين للحاكم الجديد)، ما كانت مؤشرات على تطور ضرب من الرجعية الاجتماعية والسياسية والثقافية ذات المظهر الاجتماعي الحديث.
8. دون انتخابات حرة ودون انقلابات عسكرية، وبعد سحق الاحتجاجات الاجتماعية السلمية والمسلحة، لم يبق من مخرج تغييري للسوريين غير موت الحاكم. لكن حافظ أخذ يعمل منذ منتصف الثمانينات على توريث الحكم في عائلته لحل مشكلة الموت. وبعد صراع مع أخيه رفعت الذي كان يقود تشكيلاً عسكرياً أمنياً نخبوياً اسمه سرايا الدفاع (هذا التشكيل هو بطل مذبحة حماة، ومذبحة سجن تدمر قبلها) وقع اختياره على ابنه الأكبر باسل. لكن هذا مات في حادث سيارة عام 1994، فاستدعي الابن التالي بشار الذي كان في بريطانيا منذ عام ونصف وقتها يدرس طب العيون، ليحل محل أخيه. أحرق بشار الرتب العسكرية بسرعة ووصل إلى رتبة عقيد خلال ست سنوات، وجرى تدريبه على الملفات السياسة المهمة، وبخاصة إدارة “جوهرة التاج” اللبنانية.
9. مات حافظ في حزيران 2000، وعلى الفور جرى تعديل الدستور بإجماع أعضاء “مجلس الشعب” ليجوز أن يكون عمر الرئيس 34 عاماً، عمر بشار وقتها. وفي اليوم التالي جرى ترفيع بشار إلى رتبة فريق.
10. نصب بشار رئيساً وراثياً على مجتمع سورية منهك، وبرعاية من القوى الغربية، بخاصة فرنسا التي استقبل رئيسها جاك شيراك بشار في الأليزيه وقت كان ولياً لعهد أبيه، وأميركا التي زارت وزيرة خارجيتها وقتها، مادلين ألبرايت، دمشق لتعزي بحافظ وتدعم الوريث. ولم تسمع كلمة احتجاج واحدة في الديمقراطيات الغربية والمنظمات الدولية على خصخصة الجمهورية وتحويلها إلى ملك وراثي.
11. في عهد بشار، ومع استمرار حالة الاستثناء منذ 1963، جرت “لبرلة” الاقتصاد السوري، ما أتاح للطبقة المثرية المالكة لدولة أن تتحول إلى برجوازية دولة مالكة وحاكمة معاً. كان رامي مخلوف ابن خال بشار هو رمز هذه الطبقة الجديدة، وينظر إليه عموماً كخازن أموال الأسرة الأسدية. وكان 37% من السوريين يعيشون بأقل من دولارين في اليوم عام 2007.
12. تفجرت الثورة في سورية في ربيع 2011 في سياق “الربيع العربي”، ثورات تفجرت خلال شهرين في تونس ثم مصر فليبيا فاليمن فالبحرين فسورية. وحفز الثورة السورية غضب منتشر من قبل السوريين الذي فقدوا ملكية بلدهم وكرامتهم طوال عقود. ومنذ البداية ووجهت الثورة بالعنف الذي تصاعد بلا توقف حتى وصل إلى استخدام السلاح الكمياوي والبراميل المتفجرة التي تدمر الأبنية وتقتل البشر، ثم طلب الحماية من قوى خارجية مثل إيران وتوابعها وروسيا. بالمقابل، لم يلق طلب الثائرين السوريين للحماية الدولية بدءاً من خريف 2011 أي استجابة دولية.
13. أطلقت وحشية النظام الطائفي دينياميكية عسكرة وأسلمة وتطييف عامة، تغذت من دعم شبكات سلفية في دول الخليج لمجموعات مقاتلة سنية المنبت، ومن لعب النظام نفسه مع “القاعدة” ومجموعات سلفية أطلق سراح المسجونين منها في حزيران 2011، بعد بداية الثورة بمائة يوم. كان صعود المجموعات السلفية المتطرفة تطوراً مناسباً جداً للنظام الذي اعتمد منذ بداية الاحتجاجات الشعبية شعاراً عدميا يقول: الأسد أو لا أحد! أو كذلك: الأسد أو نحرق البلد! لقد ترجم الشعار إلى ممارسة فعلية ذهب ضحيتها مئات الألوف، لها اسم معلوم: جينوسايد.
14. هذا الشعار العدمي وثيق الصلة بنشوء الحكم السلالي وسياسة الأبد التي تعني حرباً مستمرة ضد التغيير والمستقبل. أبقى تأبيد الحاضر أبواب سورية مفتوحة على الماضي وحده، ومنه أطلت سياسة الماضي، ممثلة بالإسلاميين. إنهم نتاج الحاضر المؤبد الذي لا يملك غير الشيء المجرب نفسه طوال نصف قرن، حكم السلالة، اقتراحاً للمستقبل. وغير العنف. خلال سنوات قليلة، بين 2013 و2016 بخاصة، تراكم في سجلات تشكيلات الإسلاميين جرائم كبيرة، مهولة، فانضافت طبقة ثالثة، إسلامية، من الألم والإذلال السوري إلى الطبقتين الإسرائيلية والأسدية.
15. فإذا كان تاريخ السنوات العشر الأولى من حكم حافظ الأسد هو تاريخ الانتقال من الاستيلاء على السلطة إلى الاستيلاء على المجتمع، فإن تاريخ حكم بشار هو تاريخ الانتقال من الدولة المنزوعة الوطنية إلى المجتمع منزوع الوطنية، الذي تُستتبع جماعاته الأهلية المختلفة لأسياد مختلفين.
16. جرى فعلاً “حرق البلد”، وقتل ما قد يزيد على 600 ألفاً خلال نحو ثماني سنوات، وانقلبت سورية إلى محمية روسية إيرانية، على رأسها التابع الأسدي وأخيه القاتل ماهر وابن خاله الملياردير.
17. يعيش 83% تحت السوريين اليوم تحت خط الفقر، حسب تقرير حديث للأمم المتحدة. وكان تقرير سابق قدر كلفة إعادة البناء بنحو 400 مليار دولار. وبعد أن كان جواز السفر يستخدم كأداة ضابطة لحركة السوريين في العالم، وخاصة المعارضين والمستقلين منهم، صار يُباع للاجئين اليوم بـ800 دولار أميركي، بعلم كل الدول، بما فيها ألمانيا، ودون اعتراض منها. يمول النظام حربه بمال يضطر إلى دفعه من دفعهم إلى اللجوء خارج بلدهم. تقول منظمة حقوقية سورية إن الجواز السوري رابع أسوأ جواز سفر في العالم، والأعلى كلفة على الإطلاق.
18. من أخص خصائص التراجيديا السورية هو أنه كان يمكن تجبنها بإظهار استعداد للتسوية والحل السياسي من قبل من كانوا يستأثرون بمائة بالمائة من السلطة طوال 41 عاماً حينها، ونحو نصف قرن إلى اليوم. كان من شأن ذلك أن يصون حياة مئات الألوف ويحول دون ظهور كائنات متوحشة مثل داعش والقاعدة، ودون “أزمة اللاجئين” التي أسهمت في صعود اليمين الشعبوي في الغرب.
19. التغيير السياسي الذي لم يتحقق في سورية بفعل التكوين الإبادي لدولة السلالة الأسدية والنير الجيوسياسي الذي يخنق سورية سيبقى على جدول أعمال السوريين. لا نعلم متى سيقع الانفجار الاجتماعي القادم، لكن من قصر النظر التعويل على أنه لن يقع.
الترجمة: صفحة الكاتب 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى