الرئيسية / بعيدا عن السياسة / ياسيدي “نحن عصابة النصب والاحتيال”

ياسيدي “نحن عصابة النصب والاحتيال”

معبد الحسون – الرقة بوست

انتحوا جانباً، في زنزانة جماعية تكوم فيها أكثر من عشرين شخصاً في قبو من أقبية التحقيق العسكري.. ونأوا بأنفسهم عنَّا نأياً منكراً.. لم أشعر حيالهم بأية كراهية. كانت مشاعري محايدة تُجاه كل شخص أراه أو أتعرف عليه في السجن. لا أستطيع في الاعتقال إلا أن أعمل بأحد مبدأيين اثنين: إما أن أتخذ من الآخر صديقاً، أو أنحشر أنا ومشاعري في زاوية الحياد، وبعيداً عن كراهية الموقف المسبق. أما هم، رئيسهم الكبير الأصلع والشبان الثلاثة الذين كانوا ينفذون أوامره دائماً، فيبدو أنهم كانوا يعايشون لحظات رُهاب واختلاط مشاعر غير طبيعية.

كان “الكبير” يتعمد أن يصدر إليهم الأوامر بصوت مسموع، ربما عن قصدٍ متقصداً أن يجرح مشاعرنا أو أن يغيظنا.. أو أراد أن يرسل رسائل سرية لقيادة فرع المخابرات أنه (والزلم تبعو) شيء مختلف عنا كل الاختلاف. وربما كانت الأسباب لا هذا ولا ذاك.. إنما كان يريد أن يشيع في نفسه جواً من الطمأنينة وحرارة اليقين بأنهم (مجرمون عاديون لا أكثر)..(قضائيون) كما كنا نطلق عليهم، وهي تسمية تُذَكَر المعتقل فوراً بالسجن المدني ونعيمه ورفاهيته، الذي يقضي سني عمره وهو يحلم بها كما يحلم العابد الزاهد بالفردوس الأعلى في النعيم.

اعتدت على صوت الكبير الأصلع خلال أيام، وهو يصدر لهم أوامر من النوع التالي: (ـ لا تقربوا عليهن.. لا تقعدوا معهن.. نحنا شي وهالناس هي شي تاني.. هالخلق هي توبها مو من توبنا) يجيبه أحدهم ـ وكان عبيطاً أبله كحالة سريرية مشاهدة ـ:

ــ شو يعني ؟ شو قصدك؟

ــ ولك يا ابني نحنا عصابة نصب واحتيال.. هيك سجلونا بالتحقيق.. هيك كتبتنا الدولة بالتحقيق.. يعني نحن شغلتنا بسيطة.. عم تفهم يا بهيم.. نحن لسنا أخوان ولا مجرمين ولا يمين ولا يسار ولا شيوعيين ولا منشبه هالعالم هي كلها.. بعّد لي عنهن ولا تخالطهن ولا تحكي معهن بنوب.. الله يرضالي عليك.. نحن عصابة نصب واحتيال.. فهمت ولك ابني، ولا ارجع اشرحلك ياها..

يعاود صاحبه ” البهيم” السؤال:

ــ (إي.. وشو يعني؟ شو رح تفرق هيك ولا هيك ؟ما نحن كلنا مساجين متل بعض؟

يغضب الكبير عند هذا الحد:

ــ ولك يا أمة الله..  بقللو نحن مجرد عصابة نصب واحتيال مانا عاملين شي، ولانّا سياسيين، وما علينا شي.. ولك يعني يا حمار بالمشرمحي هدول كلهن بكرة رح ياخدوهن على تدمر، ونحن لأ.. نحن قضائيين رح نتحول على سجن عدرا.. فهمت ولا لسه.. نحن كم شهر منتحاكم ومنطلع.. هي خلوها علي المحاكمة والطلعة.. حفظان كل هالدروس شي عشرين مرة قبل هالمرة.. بس ياويلكن اذا حكيتوا مع هدول الـ.. أو قربتو على شي واحد من هالنّمَر هي.. ما بتعرف.. بجوز يشوفك السجان ويوصلها للمحقق.. بتتغير قضيتنا فوراً.. والله إذا لمحونا معاهن لينخرب بيتنا.. والله اذا بتحكوا مع هدول الناس بينخرب بيتنا كلنا.. ما بتعود الدولة بتعتبرنا بعدين عصابة نصب واحتيال.. خدوا حذركن يا شباب، ما صفي غير كم يوم وبيتسفروا الكل.. هنن على تدمر، ونحنا على عدرا..

خلال بضعة أيام كنت أسمع هذا “الموشح” صباح مساء من “أخواننا عصابة النصب والاحتيال”، وحين أزف موعد التسفير من الفرع بعد أن قضيت فيه أكثر من شهرين في تلك الزنزانة.

حين نزلنا من الباصات في تدمر، واصطففنا للتفقد أمام مكتب اليومية، لمحت “الشباب الأربعة إياهم”.. وسمعت المساعد المشهور باسم “أبو جهل” يخاطب أحد عناصر الشرطة بالقول:

ـ خدلي هدول الجحاش الأربعة على الباحة الأولى.. نزلهن على دولاب الاستقبال، وسوّي معهم الواجب كالمعتاد، وبعدها دخلهن على مهجع البلديات (القضائيين) مشان من بكرة ينزلو عالخدمة ويعلموهن رفقاتهن عالشغل..

سمعت صوت الأصلع “كبيرهم الذي علمهم السحر”، خفيضاً ذليلاً يرشح رجاءً وضراعة:

ــ يا سيدي.. نحنا جماعة النصب والاحتيال .. الله وكيلك مانا معهن ..

وأبوجهل يرد عليه وهو يمضي:

ــ “كول … وخراس ولاك” .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى