الرئيسية / ثقافة / تأملات وتساؤلات مشروعة

تأملات وتساؤلات مشروعة

طارق عبدالغفور

ظهر مؤخراً كتاب الدكتور برهان غليون بعنوان “عطبُ الذات” يتحدث فيه عن الثورة السورية في السنتين الأوليين من عمرها، والمؤلف ليس يهدف إلى سرد الأحداث وتحليلها، ولا يهدف إلى تفسير الحرب الوحشية التي ووجهت بها، بل يهدف بالدرجة الأولى إلى “تحليل ممارستنا خلالها، ومشاهدة أنفسنا، أفراداً وأحزاباً وتكتلاتٍ وشعباً، في مرآتها، للتعرف إلى الأسباب التي رفعتنا إلى مستوى السمو الأخلاقي المذهل في بداية الثورة، وتلك التي أرجعتنا إلى عصر التوحش والبدائية في نهاياتها التي لم تنتهِ ولا تريد أن تنتهي”.

وموضوع الكتاب اذاً هو السوريون كذات وفاعل جمعي، وقد استفاد الكاتب من تجربة المجلس الوطني، لمشاركته الشخصية فيها ومعرفته بتفاصيلها، للكشف عن العوامل التي ساهمت في تحويل الثورة التحررية، من سلمية ومدنية وتعددية إلى مواجهة مسلحة بين شعب متمرد ونظام قاتل.

ويعطي الكتاب صورة من الداخل للجهود التي بذلها المؤلف لإقامة الجسم السياسي الذي ستناط به مهمة تمثيل ثورة الحرية والكرامة على كافة المستويات المحلية والإقليمية والدولية وقيادتها إلى تحقيق أهدافها، وهو المجلس الوطني.

ولست هنا في معرض تحليل ما ورد في الكتاب جملةً، فهو يجمع كما يقول مؤلفه بين البحث والتحليل، وهو أشبه بمذكرات شخصية ترصد أحداثاً عاشها المؤلف، إنما هو استغراب أعتقد أنه مشروع وتأملات تُثار حول أمور وردت في معرض السرد والتحليل لا ندري إن كان ما جاء حولها في صفحات الكتاب قد جاء عن قصد أو عن غير قصد رغم أهميتها البالغة.

أول هذه الأمور هو إصرار المؤلف على وصف مواقف الإدارة الأمريكية تجاه الثورة السورية بأنها متخبطة وتفتقر إلى سياسة متسقة منذ البداية وقال بالحرف: “لم تشهد السياسة الغربية والأمريكية خصوصاً تخبطاً وغموضاً وتشوشاً في كل تاريخها وتجاه أية قضية أخرى في العالم بمقدار ما شهدته تجاه القضية السورية”. وكأن هذا التخبط والغموض ناتج عن جهل الإدارة بما يجري في سوريا والجهل يبرر التخبط والغموض، فهل يعتقد المؤلف أن أقوى دولة في العالم – كما تصف نفسها – والتي تتغلغل مخابراتها حتى في غرف النوم يُمكن أن تتسم سياستها بالتخبط والتشوش والغموض؟

لا أعتقد أن هذا الوصف يمكن أن يكون مقنعاً لأي قارئ عادي، بلْهَ القارئ الذي له إلمام بسيط بأبجديات السياسة. والمؤلف نفسه غير مقتنع به إذ يقول في صيغة التقرير: “كان فردريك هوف لا يتردد في القول إن المشكلة الرئيسية هي اوباما الذي يعارض بشدة أي التزام أمريكي مهما كان سياسياً أو عسكرياً، وقد فشلنا في زحزحة الرئيس الأمريكي عن موقفه السلبي من القضية السورية”.  فكيف يستقيم التخبط والتردد والغموض مع هذا الإصرار والعناد؟

ويقول أيضاً: “إن توقف الدعم العسكري الأمريكي للمعارضة – وكأنه كان هناك دعم عسكري أمريكي حقيقي للمعارضة – قد تمّ بالتفاهم مع موسكو في ما يشبه تقسيم العمل بين الدولتين الكبيرتين ستظهر نتائجه عندما تستعيد موسكو السيطرة على مناطق واسعة لحساب النظام دون اعتراض أمريكي، بل بالتعاون مع واشنطن”، ويأتي ذلك مع موقف شديد الأهمية أعلنته واشنطن هو ذاك الذي فرضت فيه على جميع المنخرطين في تنظيم حاولت تشكيله تعهداً بقصر قتالهم على داعش فقط وعدم التعرض للأسد.

ويقول أيضاً: “تولد لدي انطباع عميق أن الإدارة الأمريكية كانت تتعامل في المسألة السورية من مسلمة أن سوريا منطقة نفوذ روسية، ولن تنازع موسكو على السيطرة أو النفوذ فيها”، ومرة أخرى نتساءل كيف يستقيم التفاهم والتعاون اللذان أورثا هذا الانطباع العميق مع التخبط والتردد؟

إنه ليس تخبطاً ولا تردداً ولا تشوشاً، بل هو موقف مدروس ينبع من عامل لم يتطرق إليه المؤلف وهو العامل الإسرائيلي المؤثر في السياسة الأمريكية ليس تجاه سوريا فحسب، بل تجاه منطقة الشرق الأوسط كلها، ومن هنا ننتقل إلى أمر آخر يثير التساؤل أقرّ به المؤلف عندما قال: “إن سياسة الغرب في سوريا لا يمكن أن تُصاغ من دون التشاور مع إسرائيل”.

لماذا لم يذكر المؤلف إسرائيل بكل أذرعتها الأمريكية كعامل شديد التأثير في رسم السياسة الأمريكية تجاه سوريا؟ لا أعتقد أنه لم يكن يراه؟ لقد كان شديد الوضوح ذلك التطابق بين التعهد الذي فرضته واشنطن على المنخرطين في التنظيم الذي حاولت تشكيله في فترة معيّنة بقصر قتالهم على داعش فقط وعدم التعرض للأسد، مع تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الأمنيين والسياسيين الكثيرة حول أهمية وجود الأسد في السلطة، ودور النظام في حماية حدود إسرائيل على مدى نصف قرن؟

 

ومن هنا إلى التساؤل الأكثر أهمية، ألم يكن من الأجدى أن تُقابل رغبة الإسرائيليين بالتفاوض مع المجلس الوطني سراً بإيجابية كان يُمكن أن تُحدث تغيراً في مسار الثورة بدلاً من أن يكون الجواب رخواً من طراز “أن سوريا دولة مهمة وأن الشعب السوري شعب عظيم لا يمكن أن يقبلا بمفاوضات تجري في خفية عن الجمهور” مادام أن باب  المفاوضات مفتوح وأنها ستكون بعد انتهاء الثورة مع ممثلي الشعب المنتخبين، فمادام أننا لن نغيّر العالم ولن نغيّر البيئة الإقليمية ما لم ننجح في تغيير أنفسنا، أي منهج تفكيرنا وأساليب عملنا وتنظيمنا وأخلاقياتنا، فلماذا لا نغيّرها الآن؟ ومادام أن الذين لا يرون حلاً سوى التدخل الدولي ومنهم ليبراليون وإسلاميون سلفيون وطائفيون، وأن ثمن هذا الحل التقرب من إسرائيل، فلماذا لا يكون الآن؟ ولماذا لا يكون التفاوض مع إسرائيل من جملة الأسئلة التي يطرحها المؤلف نيابة عن السوريين، ولماذا لا تُعامل إسرائيل معاملة إيران فيكون التفاوض معها أجدى لتجنب عدائها، وكلتاهما تحتلان أرضاً عربية وغيرهما ممن لنا معها أفضل العلاقات؟ ومتى لم تكن المفاوضات السرية التي تجري بعيداً عن أعين الجمهور طريقاً ناجعاً من طرق التفاوض تلجأ إليه كل الدول والمنظمات والقوى؟ والأمثلة على ذلك أكثر من أن تُحصى، الأمريكان والفييتناميون، الفلسطينيون والإسرائيليون، البريطانيون والايرلنديون، الاسبانيون والباسكيون، الأمريكيون والكوبيون، كل هؤلاء وكثيرون غيرهم أجروا مفاوضات سرية قبل أن تنتقل إلى العلنية. ولن نذكر الزيارات السرية الكثيرة التي يقوم بها مسؤولون من هذه الدولة أو تلك لهذه الجهة أو تلك يُكشف عنها النقاب لاحقاً.

وإذا كان مبدأ التفاوض مع إسرائيل ليس مرفوضاً مطلقاً لا من المؤلف، ولا من شخصيات في المعارضة، بل الخلاف على الأسلوب، وإذا كان من جدوى لحماية المدنيين فلنتحدث مع الشيطان كما يقول محمد صبرا، وإذا كان التواصل مع كل الأطراف أمراً شرعياً وعقلياً وقانونياً ووطنياً، وإذا كان يمكن التواصل مع إسرائيل بشكل غير مباشر عن طريق وسيط وثلاثة أرباع الدول العربية صديقة لهم، كما يقول الشيخ معاذ الخطيب، وإذا كانت إسرائيل هي خلف بشار الأسد، وهي التي أدخلت إيران، وهي خلف كل ما يجري للحفاظ على بشار الأسد كما يقول العميد أسعد الزعبي، فقد كان من الأجدى أن يتمّ  تفاوض المجلس الوطني معها – وهي التي طلبته – كسراً  لمُحرّمٍ كُسِر سراً وعلناً عشرات المرات، فأن تأتي البيوت من أبوابها خير من أن تتسور جدرانها.

مع احتمال أن يكون لهذا الإتيان لو تم أثراً إيجابياً على مسيرة الثورة نحو أهدافها، وعلى حقن الكثير من دماء السوريين، وعلى تجنيب البلاد المزيد من الدمار، وعلى تقصير أمد المحنة. بدون أن نخشى اتهاماً من الممانعين بأننا نتصل مع العدو، لأنهم فعلوا ذلك قبلنا.

هذه التساؤلات التي نضعها أمام المؤلف وأمام القارئ لا تنتقص من أهمية الكتاب ولا من قدر مؤلفه، ولكن مناقشتها والإجابة عليها علناً وأمام الجمهور تساعد بالقطع على وضوح مشاهدتنا أنفسنا أمام المرآة وتسهم في نجاحنا في تغيير أنفسنا، أي منهج تفكيرنا وأساليب عملنا وتنظيمنا وأخلاقياتنا، وهذا هو المهم والمطلوب والناجع لخلاصنا كما يدعو إليه الدكتور برهان غليون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى