إرث حافظ الأسد وأوجلان وإعادة إنتاج السراب

د. رشيد الحاج صالح

أثار التفاهم الذي وقعه منذ فترة قصيرة ممثلون عن المجلس الوطني الكردي (وأحزابه)، وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وشركائه، برعاية المستشار الأمريكي في التحالف الدولي وليام روباك، موجة تساؤلات حول انفراد أحزاب كردية برسم مستقبل الجزيرة السورية، على الرغم من أن الأكراد هم في النهاية مجرد أقلية في منطقة شمال شرق سورية.

ولكن ما هي جدوى مثل تلك التفاهمات؟ وما هي الأهداف التي تقف وراءها؟ ولماذا كل هذا التوجس من هكذا اجتماعات هدفها العلني هو تحقيق ” الوحدة الكردية” و” مصالح الشعب السوري”؟ وما صلة ذلك بالصراع الكردي/ الكردي، وبسياسات حافظ الأسد تجاه الجزيرة السورية، بوصفها كيان للمساومات وتصفية الحسابات مع الآخرين أكثر منه كياناً وجزءاً من سورية ما بعد اتفاقية سايكس / بيكو؟

1- أهداف التفاهم الأولي ومضمونه:

التفاهم (الأولي) الذي أعلن عنه في 16 حزيران يريد تحقيق تفاهم بين فصيلين كرديين طال أمد الخلاف بينهما، وهو خلاف في الرؤية العامة لمستقبل أكراد سورية، ولكنه يعود بدوره إلى الخلاف بين النهج البرزاني الذي يتبع الطرق السياسية لمعالجة أوضاع الأكراد في سورية والعراق، عن طريق العمل على حصولهم على حكم ذاتي وحقوق سياسية متساوية مع الجميع. ويمثل هذا الموقف المجلس الوطني الكردي، والأحزاب المنضوية تحت رايته، والذي تأسس مع بدايات الثورة السورية عام 2012 من مجموعة من الأحزاب الكردية السورية، وبدعم من مسعود برزاني شخصياً. أما النهج الثاني فيمثله حزب الاتحاد الديمقراطي والمتعاونون معه، ويتبنى النهج الأوجلاني العسكري الذي يعتمد القوة العسكرية كسبيل لتنفيذ خططه المستقبلية. ويعد هذا الحزب بمثابة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي يعمل على إقامة كيان كردي في تركيا منذ عقود.

التفاهم هو إذاً لتشكيل ” مرجعية سياسية واحدة ” لتجاوز الصراع الطويل بين أكراد العراق وأكراد تركيا على أكراد سورية. بحيث تكون هذه المرجعية (24 شخص بحسب مقترح اتفاق دهوك 2014) بمثابة مجلس أعلى يحتكم إليه جميع الأكراد لحل خلافاتهم ورسم السياسة العامة لمستقبل أكراد سورية. غير أن الأمر لم ينجز حتى الآن والتفاهم الجديد أشار فقط إلى مرجعية اتفاق دهوك وأهمية تطبيقه دون أي خطوات عملية، الأمر الذي يعني أن المجلس الوطني الكردي يخاطر بتقديم تنازلات شبه مجانية لحزب الاتحاد الوطني. بل إنها مجانية وتنذر بتلاشي دور المجلس إذا كانت الضمانات الامريكية ليست جدية.

الجديد في الأمر هو التقاسم في نسب التشكيل داخل المرجعية التي يمكن أن “تدير المنطقة”. 40% للمجلس الوطني الكردي و40% لحزب الاتحاد الديمقراطي و20% لبقية المكونات في المنطقة. مما يعني أن سكان المنطقة (العرب وباقي المكونات) لن يكون لهم أي دور يذكر في تحديد مستقبل المنطقة وشكل الحكم الذي سيتم تأسيسه. سيما وأن التفاهم حدد وبوضح شكل الحكم ومستقبل المنطقة بشكل مسبق. إذ أقر التفاهم على أن سورية دولة ذات نظام فيدرالي، يحصل بموجبها الكرد على جميع حقوقهم بما فيه حق” تقرير المصير”, أي حق الانفصال بلغة أخرى.

يذكر أن نقطة الفيدرالية وحق تقرير المصير بحاجة إلى تفاهمات مع النظام الأسدي لإقرارها، لأن القانون الدولي يتطلب موافقة النظام السوري على هذه الخطوات. وهذا يعني أن الموقعين على التفاهم الأخير قد يقررون مستقبل المنطقة بالتعاون مع النظام السوري وليس مع المكون العربي المحلي، طبعاً بالإضافة للدعم الأمريكي. ولعل هذا ما يفسر استهتار الموقعين بالمكون العربي بطريقة بعيدة حتى عن أساليب المراوغات السياسية التي يلجأ إليها السياسيون في مثل هكذا حالات. فمثلاً حافظ الأسد كان يحكم سورية وحده وبنسبة 100% ولكنه لم يلعب بالنسب المئوية والتمثيل المناطقي والعرقي والطائفي في مجلس الشعب والقيادة القطرية ووزراء الحكومة.

حزب الاتحاد الديمقراطي يريد أيضاً توحيد المليشيات الكردية العسكرية تحت جناحه. ولذلك أقر التفاهم الموقع مؤخراً بدور لـ (بيشمركا روج أفا)، الجناح العسكري للمجلس الوطني الكردي. علماً أن قوات (بيشمركا روج أفا) موجودة حالياً في كردستان العراق، ولم يسمح لها حزب الاتحاد الديمقرطي بالقيام بأي دور عسكري في سورية، على الرغم من أن جزءاً من أفرادها بالمجمل هم سوريون أكراد، وبعضهم انشق عن جيش آل الأسد. بخلاف وحدات حماية الشعب التي أسسها حزب الاتحاد الديمقراطي وسيطرت على منطقة الجزيرة، والتي يقودها أكراد قادمون من تركيا ومرتبطون بحزب العمال الكردستاني. المريب قي الأمر أن قيادات وحدات حماية الشعب شخصيات ذات تكوينات (مافيوية) ومخابراتية، إذ أن اغلب تلك القيادات أسماؤها الحقيقية غير معروفة حتى في أوساط حزب الاتحاد الديمقراطي، بمن فيهم القائد العسكري لقوات قسد مظلوم عبدي الذي يمتلك عدة أسماء حركية، دون ان ننسى أن غالبيتهم مقاتلون قادمون من تركيا استولوا بالقوة على مساكن الأهالي وحولوها إلى مقرات عسكرية بالقوة.

2- الاستراتيجية العامة لحزب الـ pyd وحلفائه:

طوّر حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي وضعه بعد الثورة ليتحول إلى كيان سياسي له ذراع عسكري فاعل استطاع أن يسيطر على الساحة الكردية في شمال سورية ويُخرج أحزاب المجلس الوطني الكردي من الساحة السياسية بالقوة. كانت استراتيجية حزب الاتحاد في البداية تقوم على تولي السيطرة العسكرية والأمنية في منطقة القامشلي والحسكة وعين العرب وعفرين وبعض المناطق في ريفي حلب والرقة ذات الغالبية الكردية, وذلك عبر التنسيق مع قوات النظام من جهة وعدم الصدام مع كتائب الجيش الحر من جهة ثانية. ثم خاض الحزب بعد ذلك معركة عسكرية طويلة وقاسية مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ليتمكن بعدها من إخراجه من معظم المناطق بمساعدة مباشرة من الأمريكان وقوات التحالف الدولي. منذ ذلك الحين والحزب يعمل على استثمار ذلك النصر العسكري والدعم الأمريكي من أجل إقامة كيان شبه مستقل في منطقة الجزيرة يتولى هو قيادته.

الاستراتيجية العامة لحزب الاتحاد الديمقراطي في تكوين إدارة ذاتية وحكم مناطق الجزيرة، التي يسكنها سوريين من أعراق وطوائف مختلفة يشكل العرب أغلبيتهم ثم يأتي الأكراد ثم بقية المكونات الأخرى, هي استراتيجية أسدية المضمون تقوم على الإمساك بقبضة من فولاذ بالملفين الأمني/ العسكري والمالي وجعل بقية فئات الشعب تتسلى بباقي الملفات لإرضاء غرورها وإيهامها بانها شريك في الحكم والإدارة, عن طرق تأسيس هيئة للحكم معروفة بـقوات سورية الديمقراطية  ” قسد”  وادارات فيدرالية تضم كافة مكونات الجزيرة السورية, كما سمح الحزب بعدد من المؤسسات المدنية والمنظمات الحقوقية والنسوية التي تعطي انطباع بأن قسد نظام حكم مدنية يراعي حقوق الإنسان والمرأة.

طبعاً هذه السياسات أدت إلى خلاف كردي/ كردي بين حزب الاتحاد الديمقراطي وبقية أحزاب المجلس الوطني الكردي، مثلما أدت إلى عدم تعاون غالبية الفعاليات العربية لشكوكها بأنهم مجرد طرف مهمش يراد له أن يكون شريك من موقع التابع. فقد رفض المجلس الوطني الكردي المشاركة في الانتخابات التي أعلن عنها” المجلس التأسيسي لفيدرالية شمال سورية” في أيلول عام 2017, مثلما رفض الإعلان عن الفيدرالية من طرف واحد معتبرها فيدرالية لا معنى لها لأنها بقوة ” الرصاص”, وبسبب الإعلان عنها من دون التشاور مع سكان الجزيرة السورية عموماً.

أما أكثر حدثين أثرا كثيراً، خلال العامين المنصرمين، على تجربة الحكم الذاتي التي يديرها حزب الاتحاد وجناحه العسكري المعروف بـ ” وحدات حماية الشعب” فهما تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بالانسحاب من سورية، ثم التدخل العسكري التركي في منطقتي تل أبيض ورأس العين وأخذ شريط حدودي بعرض 30 كم وطول نحو 120كم. هذان الحدثان دفعا الحزب لتفعيل التعاون مع النظام الأسدي على قاعدة عدو عدوي صديقي، على الرغم من وصف النظام الأسدي لحزب الاتحاد الديمقراطي بـ “الخونة” و” العملاء” لأكثر من مرة. كما دفعته تلك التطورات إلى تفاهم حزيران، الذي نتناوله، مع المجلس الوطني الكردي. ناهيك عن أن مصادر كردية كثيرة تتحدث عن أن المفاوضات والتفاهمات الكردية / الكردية تأتي تحت ضغط أمريكي على حزب الاتحاد الديمقراطي لفك ارتباطه بحزب العمال الكردستاني (التركي). وهذا يعني أن حزب الاتحاد مجبر على تلك الخطوتين ولم يقم بهما بوصفهما جزء من استراتيجيته السياسية.

3- إرث الأسد والقضية الكردية:

لا بد من التذكير هنا أن المسألة الكردية في سورية انشأها حافظ الأسد في ثمانينات القرن الماضي عندما تبنى ودعم حزب العمال الكردستاني وأستضاف قائده عبدالله اوجلان وأنشأ له معسكرات تدريب في لبنان. كانت غاية حافظ الأسد أنداك الضغط على تركيا، كدولة عضو في حلف الشمال الأطلسي، وكذلك من أجل تقاسم مياه نهر الفرات. أهداف حزب العمال الكردستاني كانت واضحة وهي مساعدة أكراد تركيا (عسكرياً) للحصول على حقوقهم التاريخية في تركيا. يذكر أن أوجلان تعاون مع الأسد الأب على الرغم من أن الأخير مارس ضغوطات امنية قاسية على أكراد سورية وحرم عدد كبير منهم من الجنسية السورية، كما كانت أعداد المعتقلين السياسيين الاكراد هي الأعلى، بالإضافة لسجناء الاخوان المسلمين والبعث العراقي والأحزاب الشيوعية السورية. دون أن ننسى أن النظام الأسدي مارس حصار ثقافي على اللغة والتراث الكردي، حتى تحول (عيد النيروز) إلى يوم تستنفر فيه الفروع الأمنية في الرقة والحسكة وريف حلب لمنع الأكراد من الاحتفال بذلك العيد.

        أوجلان وصالح مسلم مع ضباط في المخابرات السورية

دعم الأسد الأب لأوجلان كان يعني استقبال عدد كبير من المقاتلين الاكراد/ الاتراك من حزب العمال الكردستاني إما للتدريب أو هروباً من الحملات الواسعة التي يشنها الجيش التركي على مقراتهم من حين لآخر. على مدى عشرات السنوات دخل عدد كبير من أكراد تركيا إلى سورية برعاية أجهزة المخابرات في القامشلي (اللواء محمد منصورة رئيس فرع المخابرات العسكرية في القامشلي سابقاً هو المسؤول الرئيسي عنهم). وهذا يعني أن أكراد سورية اليوم هم سوريون من سكان المنطقة الأصليين وأتراك قادمون نتيجة تعاون الأسد مع أوجلان.

طبعاً في النهاية، تخلى الأسد عن أوجلان وأغلق مقرات حزب العمال الكردستاني, وطرد أوجلان من سورية وسهّل تسليمه لتركيا في قبرص، وذلك تحت الضغط العسكري وتهديد تركيا باجتياح شمال سورية عام 1998. وقد تطلب الأمر تدخل الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك من أجل ترتيب اتفاق استسلام حافظ الأسد الكامل للأتراك وتنفيذ جميع شروطهم.

نريد أن ننتهي من كل ما قلناه إلى أن المسألة الكردية في سورية هي قضية (مستحدثة) من إنشاء حافظ الأسد وعبد الله اوجلان، من أخطاء حافظ الأسد الكثيرة في الحسابات السياسية. هناك قضية كردية في العراق وتركيا وهي بحاجة إلى معالجة بشكل أو آخر لأن اتفاقات سايكس / بيكو لم تمنح وطن قومي للأكراد، كما أن تفاهمات قوات الحلفاء وتركيا، واتفاقية لوزان عام 1923 قبلت بأن تُمنح تركيا مناطق عربية، وأن يُغض النظر عن تكوين كيان كردي في جنوب تركيا مقابل تنازل تركيا عن مناطق في قبرص وشرق أوربا.

قضية أكراد سورية يمكن معالجتها عن طريق منح الأكراد كافة حقوقهم السياسية والثقافية، وبناء دولة سورية قائمة على الديمقراطية والمواطنة في إطار نظام حكم لا مركزي يرفع الظلم عنهم وعن غيرهم من السوريين، هذا الظلم الذي نال كل السوريين في الجزيرة، عرباً وأكراداً وغيرهم، ولا سيما عرب الجزيرة الذين كان ينظر إليهم حافظ الأسد على أنهم خزان بشري للأيديولوجية السنية التقليدية التي ترتاب في دواخلها من تولي رئيس غير سني، وحقود طائفياً، لزمام الحكم في سورية. ولذلك فقد حرَمَ حافظ الأسد هذه المنطقة من أي تنمية اقتصادية او تعليمية لعشرات السنوات (لم تفتتح جامعة في منطقة الجزيرة حتى عام 2006)، حتى أصبحت منطقة من الدرجة الثانية تستورد المعلمين والأطباء وغيرهم. حتى المؤسسات ذات الوفرة المالية، مثل مؤسسات الحبوب والجمارك كانت تدار من قبل موظفين قادمين من اللاذقية وطرطوس. ولعل هذا ما يفسر الصورة النمطية لسكان الجزيرة بوصفهم غير متعلمين وفقراء ومتخلفين، والمنتشرة في أوساط واسعة، (أكثر من يركز على هذه الصورة قادة الأجهزة الأمنية حتى أمام الجزراويين أنفسهم).

كان تحالف الأسد/ أوجلان قائم على أن القضية الكردية هي قضية تركية، وعلى هذا الأساس كان أوجلان يستخدم الأراضي السورية كقاعدة لأعمال حزب العمال الكردستاني العسكرية. المشكلة التي ظهرت اليوم هي أن عدد من الأحزاب الكردية السورية، ممن يساند أكراد تركيا في صراعهم من اجل قيام وطن قومي للأكراد على الأراضي التركية، أخذوا يستثمرون الأوضاع المنفلتة في سورية ويطالبون بتحويل سورية إلى كيان فيدرالي، وإدخال الجزيرة السورية في صراعات سياسية ليس لغالبية سكانها لا ناقة فيها ولا جمل. ولذلك فإن على أكراد سورية أن يفكروا اليوم في القضية الكردية بوصفهم سوريين أولاً، ويسعون لإقامة وطن سوري عادل وديمقراطي يستوعب الجميع، بعيداً عن سياسات تهميش الأغلبية العربية والانجرار وراء مغامرات عسكرية لا تجلب إلا مزيداً من الصراعات على المنطقة. سيما وأن مستوى التدخل الدولي في منطقة الجزيرة غير مسبوق، وهناك قوات عسكرية لأكثر من دولة حتى في القرية الواحدة.

4- ظهور الـ pyd بعد الثورة:

بعد الثورة عاد النظام الأسدي للعب بالورقة الكردية من جديد واستنجد برفاق السلاح السابقين. إذ أدرك الأسد الابن, بعد توسع رقعة الثورة السورية  في عام 2012, أنه لن يتمكن من السيطرة على كامل الأراضي السورية ولذلك لجأ لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي للتعاون على إدارة مناطق واسعة من الجزيرة، ولا سيما المدن والبلدات ذات الغالبية الكردية. لم يهتم حزب الاتحاد الديمقراطي بالمظاهرات الكبيرة التي عمّت المدن الكردية والتي وجدت بالثورة فرصة لحصولهم على حقوقهم وتسوية أوضاعهم ورفع الظلم عنهم، بل أخذ يكون قوات عسكرية تبين فيما بعد أن الغاية منها السيطرة على مناطق الأكراد عسكرياً والدخول في صراعات كردية /كردية. كما شهدت مناطق سيطرة الحزب ( التي يتقاسم الإدارة فيها مع مؤسسات النظام) اغتيالات سياسية لشخصيات كردية مناهضة للنظام كان من بينها مشعل تمو رئيس حزب تيار المستقبل وعضو المجلس الوطني الكردي في القامشلي عام 2011 وذلك بعد أشهر قليلة من الإفراج عنه من قبل الأجهزة الأمنية للنظام. مثلما ارتكب حزب الـ pyd  عدة مجازر كان أشهرها مجزرة عامودا عام 2013 التي فتحت فيها قوات الحزب النار على متظاهرين سلميين كانوا يطالبون بالإفراج عن معتقلين لهم في سجون الحزب.

                      مقاتلين أكراد يرفعون صورة بشار رفقة أعلامهم

ثم أتى التحالف مع أمريكا، تحت مظلة محاربة الإرهاب، ليرفع من أسهم الحزب ويحوله إلى القوة الأكثر تأثيراً في المنطقة. حيث حقق الحزب انتصارات عسكرية كبيرة على تنظيم الدولة الإسلامية كما توسعت مناطق سيطرته لتشمل أجزاء واسعة من الحسكة والقامشلي والرقة وريف حلب وريف دير الزور.

في ظل هكذا أوضاع بدأ الحديث عن ” كردستان سورية”, واخرجت الخرائط التي تقسم سورية من الادراج، وبدأت تجربة الحكم الذاتي، وأخذ الحديث عن خيارات الفيدرالية وحق تقرير المصير للأكراد ينتشر بين أوساط عدد من الأحزاب الكردية.

لنكن واضحين، لماذا تريد بعض الأحزاب الكردية النظام الفيدرالي، وتفضله على النظام اللامركزي، على الرغم من علمها أن منطقة الجزيرة السورية ليس فيها مناطق كردية واسعة متصلة تسمح بإنشاء مثل هذه الفيدرالية؟ (كما هو الحال في العراق مثلاً). الجواب البسيط على هذا السؤال وهو أن هذه الأحزاب تريد أن تستفرد بالأكراد وتقرر مصيرهم بنفسها، وأن ذلك يتحقق كلما أبعدتهم عن أي مصير مشترك مع عرب المنطقة. وهذا يعني من جملة ما يعني أن حزب الاتحاد الديمقراطي والداعمين له لم ولن يكونوا يوماً جزئاً من الحراك السوري ضد النظام الأسدي، وأن مطالب الأكراد والعرب بالعدالة والديمقراطية لا تعنيهم في شيء، مثلما لا تعنيهم حقوق الاكراد وسعيهم لنيل حياة مدنية ديمقراطية ترفع الظلم عنهم وتعيد لهم حقوقهم. ولذلك يمكن عده، مثل باقي الكتائب الإسلامية الجهادية من حيث هم جزء من الثورة المضادة ومستثمر للأوضاع الجديدة بعد الثورة لا أكثر.

يشعر غالبية عرب منطقة الجزيرة السورية أنهم أمام تجربة أسدية جديدة ولكن بأسماء ومصطلحات مختلفة. نفس التهميش والإقصاء السياسي، ونفس الاستعلاء المخابراتي الذي كان يمارس عليهم، وأيضاً نفس السياسات التسلطية التي عانوا منها في السابق أيام حكم آل الأسد. حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي حزب عسكري وليس سياسي، مجرد واجهة لعسكريين يديرون الأوضاع من مناطق جبلية تعرف بجبال قنديل، وتكوينهم عسكري / أمنى وليس سياسي مدني، وبالتالي لا يؤمنون بالعمل السياسي المدني أو الحزبي إلا من حيث هو واجهة يخفون خلفها حقيقتهم، بنفس الطريقة التي وظف بها حافظ الأسد حزب البعث.

سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي بعد الثورة تقوم على عدة ركائز:

  • الاعتماد على تكوين كيان عسكري/ أمني بوصفة أداة الحزب الرئيسية في تنفيذ سياساته.
  • التعاون مع الامريكان ورئيسهم على الرغم من احتفاظه بعلاقات طيبة مع تركية  دون الاكتراث بخطورة مثل هكذا وضع.
  • التعاون مع النظام الأسدي في مواقف مختلفة كخيار استراتيجي بوصفه حليف قديم لحزب العمال الكردستاني على الرغم من أن النظام الأسدي ينظر لحزب الاتحاد الديمقراطي على أنه مجرد ورقة يمكن المساومة عليها في النهاية (ساوم عليها وباعها عام 1998).
  • تهميش كل الاكراد والعرب الذين يؤمنون بالعمل المدني السياسي والحزبي ويسعون إلى جعل السلطة بيد أصحاب المنطقة المدنيين.
  • الارتباط الكامل مع حزب العمال الكردستاني وتبجيل شخصية أوجلان وتحويله إلى رمز لكل الأكراد على الرغم من ان الوضع ليس كذلك.
  • التعاون  مع قيادات سابقة من (داعش) تركت التنظيم بعد تلاشيه، وهو أمر لم يعد يخفى على أحد.
  • الاهمال الخدمي والاقتصادي والأمني لمنطقة الجزيرة كطريقة لدفع من لا يعجبه الوضع على المغادرة، فمثلاً وخلال العامين الماضيين شبت حرائق واسعة نالت من مواسم سكان المنطقة، ولم تقم السلطات الأمنية التابعة للحزب بأي عمل يذكر لمواجهة تلك الحرائق أو معرفة الجناة ومن يقف وراءهم.

5- نتائج سياسات حزب الـ pyd:

أما أهم النتائج القريبة لسياسات الحزب المذكور فكانت: جلب التدخل التركي في منطقة رأس العين وتل أبيض (يذكر أن حزب الاتحاد الوطني أخترع اسم كردي لمدينة تل ابيض هو “كري سبي” وهو اسم منتحل ولا وجود تاريخي له على الاطلاق) , وضع الأمريكان يدهم على مصادر النفط الأساسية في المنطقة, عودة قوات النظام الأسدي إلى بعض مناطق سيطرة حزب الاتحاد الوطني, ولاسيما في منطقة عين عيسى, ومناطق قريبة من عين العرب/ كوباني ورأس العين وريفي حلب والرقة. ثم اخيراً التفاوض مع أحزاب المجلس الوطني الكردي والخروج ببيانات تتسم بالعمومية والضبابية ويمكن التلاعب بمخرجاتها بحسب الظروف (كما حصل مع اتفاق دهوك عام 2014)، وذلك من أجل السيطرة على الورقة الكردية بالكامل عبر ترضية أحزاب المجلس الوطني بإعطاء دور لكتائبه العسكرية والسماح لها بدخول الأراضي السوري، وهو أمر يمكن الالتفاف عليه في المستقبل بسهولة طالما ان التفوق العسكري لوحدات حماية الشعب واضح.

الهدف الحاضر الدائم في سياسات حزب الاتحاد الديمقراطي هو العودة، كل ما سنحت الفرصة، لتدعيم نظام الإدارة الفيدرالية الذاتية، وهو نظام لا يرتبط بأي علاقة حقيقية مع سورية كوطن أو دولة إلا من حيث الشكل، وهو شكل يمكن ألغاؤه بجرة قلم.  كيان يحقق مصالح حزب العمال الكردستاني وصراعه مع تركيا، ويستبعد موقف الأغلبية العربية في المنطقة، وهذا يفتح احتمالات لصراعات مستقبلية بين سكان المنطقة ليسوا بحاجة لها.

6- استخلاص :

  • لن تستقر منطقة الجزيرة السورية إلا بفك الارتباط بشكل كامل بين حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني الذي ورط الأول بما أصبح يسمى “القضية الكردية” في سورية، وهو مطلب عربي / كردي بنفس الوقت، ودون ذلك فالمنطقة مقبلة على صراعات ستزيد من التوتر في الجزيرة السورية.
  • لن تحقق المغامرات العسكرية لحزب الاتحاد الديمقراطي أي نتائج ايجابية لسكان المنطقة، أكراداً كانوا أم عرباً، لأنها تقوم على استجلاب دعم خارجي وليس التأسيس شعبياً وتمثيل مكونات المنطقة. فالأمريكان قد يتخلوا عن الحزب في أي لحظة، كما انهم لن يضحوا بمصالحهم مع تركية من اجل عيون قادة جبل قنديل، والنظام الأسدي بدوره يزداد ضعفاً يوماً بعد يوم وقد يتهاوى في أي لحظة, حيث تحول إلى رجل المنطقة المريض بلا منازع , كما أن تسريبات مراكز الدراسات الروسية عن استشراء الفساد في مؤسسات النظام وعدم منفعة بشار الأسد لروسيا في المرحلة اللاحقة تبين أن روسيا تريد بيع النظام السوري , ولكن الثمن لا يعجبها فتقرر تأخير عملية البيع للحصول على ثمن أعلى.
  • حزب الاتحاد الديمقراطي ذو خلفيات عسكرية أمنية، لا أحد يعرف بدقة من يتحكم به على الرغم من معرفة المكان الذي يدار منه. هو أشبه بالأحزاب العربية التي تدار من قبل العسكر الذين يستخدمونها كواجهة سياسية لا أكثر. وهذا يعني أولاً أن الحزب ليس من النوع الذي يخدم شعوب المنطقة لأنه لا يستمد قوته من الأهالي وإنما من السلاح، مثلما يعني أن الحزب لن يجد طريق أمامه إلا أن يتعاون مع النظام الأسدي والإيراني، أكبر نظامين ديكتاتوريين في المنطقة. سيما وأنه أخذ يخفي الخسائر الكبيرة التي يتعرض لها من قبل الطائرات التركية المسيرة التي تقصف مواقعه في جبل قنديل منذ أكثر من شهر ولا تزال.
  • على الحزب العودة إلى اكراد سورية والتصالح معهم وأخذ خياراتهم ومصالحهم وحقوقهم ومخاوفهم على محمل الجد، ووضع ذلك في أولوية سياساته، ولذلك فإن التفاهمات الأخيرة لن يكون لها أي معنى إن لم تأخذ كل ما سبق بعين الاعتبار. نامل ذلك على الرغم من ان المقدمات لا تشجع كثيراً، فالحزب يتصلب شيئاً فشيئاً وهذا نذير شؤم له ولنا ولسكان منطقة الجزيرة كلها.

 

* باحث وأكاديمي سوري عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية السابق في محافظة الرقة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *