التنازلات المجانيّة طريق الهاوية

أمجد آل فخري

ما انفكّ المتصارعون في سورية يجرّبون بهلوانيّات السياسة، وعلى مبدأ لا أحد أفضل من أحد، أدلى “بيدرسون” المبعوث الدولي بدلوه، وكأنه طيّر بالون اختبار لردّات الفعل، فدعا للعدالة التصالحية بدلاً من العدالة الانتقالية التي وردت في قرارات مجلس الأمن، وعندما أحسّ بعطب مسعاه قال، إنه يقصد العدالة التعويضية! وعند أهل القانون كلتاهما توصلان لذات الهدف، وهو القراءة الروسية لجنيف.

إن ما يجري في الدبلوماسية الدولية والإقليمية، يشي بأن لا أحدَ يريد الحلّ لأن السوريين يستحقونه بعد عشر سنوات من المعاناة المرّة، بل لأن استمرار استعصاء الحلّ فيه تحقيق لمزيد من المكاسب تكتيكياً وإستراتيجياً لهذا الطرف أو ذاك، أو لجميع المتصارعين، متحالفين ومتضادّين. فقد تمّ تظهير النوايا في محاولات الجميع نسف مقرّرات جنيف1، والالتفاف على قرارات مجلس الأمن وخاصة 2118 و2254 بقراءات خاصّة أرادت أن تكون بديلة، لكنها أُجبِرت أن تقبل كونها موازية، وحقّقت أهدافها المرحلية في كلّ من أستانا وسوتشي، عبر المراوغة والخداع حيناً والمماطلة والعرقلة أحياناً، إذ تمّ تقاسم المكاسب العسكرية على الأرض، والمنافع السياسية والإستراتيجية تمّ تكريسها مرتكزات لمستقبل التطورات في سورية أو المنطقة.

أراد الروس، وما زالوا، فرض قراءتهم لجنيف1 بما يفرّغه من محتواه للحلّ السياسي المتمثّل بهيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات، تعمل على تهيئة الظروف لعودة اللاجئين، وإنجاز دستور يتمّ بعده التحضير لانتخابات نزيهة شفافة تحت إشراف الأمم المتحدة في نهاية المرحلة الانتقالية وفقاً للمعايير الدولية. وكانت بدعة سلال ديمستورا – إرضاءً للروس- أنجبت، بعد الضغط على جميع الأطراف، اتفاق البدء باللجنة الدستورية؛ لتكون مخرجاتها داعمة في تفعيل السلال الأخرى، وهو ما سار عليه المبعوث الدولي بيدرسون، لتراوح اللجنة في المكان سنتين عبر أربع جولات، حتى تهيّأ الظرف ليدفع الروس بالنظام للدعوة لعقد “المؤتمر الدولي حول عودة اللاجئين السوريين “في دمشق؛ برقيةً تفيد باستعادة النظام زمام المبادرة، وبالتالي وجوب شرعنته دولياً، بعد التجديد له في 2021  دون مرور بدستور أو انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو ما يعني دعوة المجتمع الدولي للمساهمة في إعادة الإعمار.

وفشلت المسرحية في استقطاب زُبُن للمهزلة، لأن العالم من أقصاه إلى أدناه يعلم أن السوريين رهائن النظام يسعون للجوء إلى أي مكان ينقذهم ممّا هم فيه! فالنظام يقول غير ما يضمر، بعدما حقّق مجتمعه المتجانس، ولكنه نزولاً عند ضغوط روسيا التي ما انفكّت تلعب سياسة “التجريب” باحثة عن قفلة لإسدال ستار أحد فصول القضية السورية، أو جعله جسراً في “تكتيك المماطلة والعرقلة” المؤسّس لسياسة النظام الأسدي، وصولاً إلى خطوة جديدة تساهم في تحريك الوضع السياسي في ساحة تعجّ بالمتناقضات، في الوقت الذي يجب العمل فيه على إنضاج الظروف المواتية لحلّ سياسي يستدعي بدوره إعادة الإعمار، وتهيئة البيئة المناسبة لعودة اللاجئين الطوعية الآمنة. إنها تكرّر ألاعيبها في سياسة خلط الأوراق، وتناور في سرقة الزمن لإعادة ترتيب أولويّات مصالحها مع تغيّر الظرف السوري والإقليمي والدولي.

وعلى ذات الإيقاع أخذ داعمو “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” -الذي غابت عنه أصوات الوطنية السورية أو غُيّبت- شركاء الروس والإيرانيين في أستانا وسوتشي فيما وصل إليه حال السوريين وثورتهم، وهم يترسّمون خُطا داعمي النظام في التعطيل أو خلط الأوراق بما يحقّق لهم المزيد من المكاسب! فيكون الائتلاف “منصة استنبول” بموازاة منصّات موسكو وحميميم والقاهرة والرياض، وربما منصة أبو ظبي قريباً، ليكون صوت داعمه وسيفه إن لزم الأمر، وهو ما تجلّى عارياً في قراره إنشاء “المفوّضية الوطنية للانتخابات”. إنه يفرّط بالقرارات الدولية، الضامن الوحيد لسورية جديدة ديمقراطية تعددية مدنية، لحساب إرضاء رُعاته، ليكون تجاوزها من السوريين لا سواهم، ومن ممثّلهم “الائتلاف” لا غيره، هذه المرّة، ليتكامل ضغط الداعمَين على طرفَين مرتَهنَين، أحدهما لمحتلّ قتل وشرّد ودمّر وهجّر ليبقى تابعه في الحكم ديكتاتوراً نفّذ إرادته بأن لا أحدَ غيره، وثانيهما محتلّ يدعمه ويرعاه، ويستثمره لمصالحه أولاً دون النظر إلى مصلحة القضية السورية، بل يمكن القول إنه جعل-بعض- المعارضين مرتزقة، كما حوّل –بعض- المقاتلين مرتزقة في حروبه ضدّ المنافسين.

فمن الخطل السياسي تسليمُ أوراق القوّة الباقية لغريم، مهما كان الثمن غير سقوطه، وليس من البراعة والحنكة، إسقاط ثوابت الثورة وهدفها الأسمى بحجّة “الواقعية السياسية”، والقبول بفتات مكاسب المشاركة في سلطة نظام ارتكب أبشع الجرائم بأبناء الشعب- إن رضي المشاركة- فالمعارض في عُرفه خائن، خرج عليه مطالباً بالحرية والكرامة والديمقراطية..

ولكن لهذا القرار -الذي عُلّق- مأثرة تجلّت في جمعه السوريين حول قضيتهم، ووقوفهم ضد التفريط بالقرارات الدولية التي تضمن حقّهم في الانتقال السياسي، أو خرقها توهّماً بتغيّر ما، أو استقطاب إقليمي، أو اصطفاف دولي، أو مصلحة شخصية أو فئوية أو سياسية، لأن ذلك مقتل للثورة، وتبديد لقوى المساندين لتطلّعات السوريين في تحقيق حلمهم.

إن التباري بين القوى المتصارعة صار السيّد في القضية السورية اليوم، بعد أن حقّق الجميع مراميه، أو كاد، ويحاول كسب وقت إضافي لجولة جديدة من الصراع، ولا ضيرَ أن تكون على الأرض السوريّة أو أبعد، فهي المصيدة/المستنقع، الذي غاص فيه الجميع، وكلّ يبحث عن خلاصه بأقلّ الكلف، أو دون فَقْد ماء الوجه، إن أمكن. ولن يتمكّنوا-لأسباب كثيرة- على الرغم من ربط الملف السوري بكثير من المتغيرات الإقليمية والدولية، وتناقضات مصالح هذه القوى، من شرعنة العصابة الأسدية وتعويم نظامها. لأن شعباً دفع الأثمان من دماء أبنائه ومعاناتهم ودمار عمرانهم وحياتهم ومستقبلهم، لن يقول ” نعم ” إلا لتغيير سياسي يؤمّن فيه مستقبله، ويحفظ كرامته وإنسانيته، وهو ما يستوجب تصليب الموقف الوطني السوري، بإبعاد المتنمّرين بوهم التمثيل ورُعاتهم، ودفع العالم للاهتمام بها بعد أن صارت نهباً مستثمَراً لقوى أمر واقع متعدّد الجنسيات، عدا السوريين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *